بعض المعارض التي تحمل اسمنا تنافسنا بها شركات كبرى

الأسر المنتجة: نصارع مــن أجــل البقــاء بيــن كلفــة ارتفــاع الأسعار والدعـــم المحــدود

| حسين المرزوق

الأسر المنتجة: 

نـــدعـــو إلـــى دعمنـــا وتخفيض أسعار المواد الخام نحتــاج إلــى ســوق نســائية لدعم منتجاتنا وسط ارتفاع التكاليف

أحمد السلوم:

الاستثمار في الأسر المنتجة ليس مجرد دعم اجتماعي بل استثمار اقتصادي وتنموي نقط البيع الدائمة خطوة متقدمة في توفير منفذ تسويقي مستدام للأسر التشريعات بحاجة لمراجعة دورية لضمان ملاءمتها للمستجدات والمتغيرات الاقتصادية القروض الميسرة المقدمة من بنك الأسرة ساهمت في تمكين العديد من الأسر للانطلاق بمشروعاتها

 

تعاني الأسر المنتجة في مملكة البحرين اليوم من تحديات اقتصادية كبيرة؛ بسبب ارتفاع تكاليف المواد الخام، وصعوبة التسويق، والمنافسة مع المنتجات الصناعية والمستوردة. هذه الأسر، التي تمثل جزءا مهما من الاقتصاد الوطني، تواجه سؤالا حيويا: كيف يمكن لمشروعاتها الصغيرة المنزلية الاستمرار والنمو في ظل هذه الظروف؟ وبينما تتوافر بعض أنواع الدعم المالي والتشريعي، يبقى الطريق أمام تحقيق استدامة حقيقية طويلا ومعقدا. هذه القضية الاقتصادية تعكس مدى ارتباط التنمية الاجتماعية بتمكين الأسر المنتجة وتحويلها إلى رافد اقتصادي مستدام.

واقع الأسر المنتجة في البحرين

شهدت البحرين دعم الأسر المنتجة منذ العام 1978، عبر المعارض التدريبية والدورات المهنية، حتى صدور قرار مجلس الوزراء رقم 39 لعام 2010 بشأن تنظيم المهن المنزلية، حيث تم إنشاء برنامج خطوة للمشروعات المنزلية بشكل رسمي. هذا البرنامج ساعد على تنظيم عمل الأسر المنتجة قانونيا، وضمان حقوقها، مع التركيز على تحسين الوضع المادي للأسرة وتمكينها اقتصاديا واجتماعيا، خصوصا الفئات التي تمتلك مهارات في الإنتاج المنزلي أو الراغبة في زيادة دخلها.

 

ولأن مشروع الأسر المنتجة يشكل أهمية لدى مملكة البحرين، فمنذ صدور برنامج خطوة في العام 2010 كونه مصدرا لاكتساب الدخل أو زيادته للأسرة والمرأة المعيلة محدودة الموارد، ونظرا لهذه الاعتبارات حظي المشروع برعاية كريمة من  قرينة ملك البلاد المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم ال خليفة.

وقد أبدت سموها حرصا دائما على توفير الدعم المادي والمعنوي لمشروعات المنزل المنتج بما يضمن استمرارها وتطورها، ويدعم قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والعربية والعالمية، وتأكيدا لهذا الدعم الكريم، خصصت سموها جائزة تشجيعية باسمها تمنح سنويا لأفضل مشروعات المنزل المنتج في مملكة البحرين.

هذه الجائزة ألهمت وزارة التنمية الاجتماعية لتبني توجه جديد بشأن دعم ومساعدة الأسر البحرينية المنتجة في إطار المشروع، يجمع بين منظومة الابداع والابتكار، ويستفيد من تضافر الجهود والخبرات وتنويع مصادر التمويل؛ بهدف توسيع قاعدة المستفيدين من مشروعات الأسر المنتجة حسب الخطة الطموحة للارتقاء بتلك الأسر، وتقام جائزة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة لتشجيع الأسر المنتجة في كل عام على المستوى المحلي وكل عامين على المستوى العربي.

مطالبات بدعم الأسر المنتجة وخفض أسعار المواد الخام

وبسؤالنا لأفراح سمير الحكيم، صاحبة مشروع مزيان الطيب، وهي من الأسر المنتجة المسجلة بوزارة التنمية الاجتماعية، قالت: نحتاج إلى جهة معينة تدعم مشروعاتنا في بدايتها، على الأقل خلال العام الأول، وتوفر لنا المتطلبات الأساسية، فهناك من يقول إن هناك جهات تدعم بشكل مادي مثل “تمكين” ولكن حين توجهت لـ “تمكين” وطلبت المساعدة لمشروعي البسيط، أخبروني أن الدعم لا يشمل مشروعات من هذا النوع، وقالوا إنهم يشترون الأجهزة والمعدات فقط، وفي الحقيقة أحتاج إلى من يدعمني ماليا، لأنني أشتري العطور والزيوت والمواد الخام اللازمة لعملي، وجميعها أسعارها مرتفعة جدا، وفي بعض الأحيان أجد هذه المواد بأسعار أقل إذا ما تم استيرادها من خارج البحرين، ولكن هنا داخل المملكة تكون التكاليف أعلى، كما أنه لا توجد لدينا مصادر كافية تساعدنا على تطوير مشروعاتنا، وهذه من أبرز الصعوبات التي نواجهها.

ومن المشكلات التي نواجهها أيضا ارتفاع أسعار المواد الأولية، فنحن نشتريها بأسعار مرتفعة، وعندما نبيعها كمنتج نهائي سواء كانت بخور أو “مرشات” تكون تكلفة البيع أقل من سعر الشراء تقريبا وهذا ما يتسبب لنا بخسائر، وأعتقد أنه يجب أن نحصل على أسعار خاصة ومخفضة للمواد الخام كوننا أسرا منتجة، وهذه من أولى الصعوبات التي تواجهنا.

وفيما يتعلق بالأسواق والمعارض فعندما نشارك فيها، نفاجأ أحيانا بأنها ليست مخصصة بالكامل للأسر المنتجة، بل تضم أيضا محلات تجارية ومصانع وعلامات تجارية كبيرة لا تحتاج للدعم مثلنا، فنحن أسر منتجة صغيرة ولسنا شركات أو مصانع، لذلك نحتاج إلى أن تكون أسعار المشاركة في المعارض مناسبة لنا، وأن تكون تحت رقابة عادلة بحيث لا تتجاوز مقدرة الأسر المنتجة.

حتى في المعارض التي تنظمها جهات حكومية أو خاصة، يجب مراعاة أن تكون رسوم المشاركة مناسبة للجميع، لأن الأسعار تختلف من معرض لآخر، ولا يوجد سعر ثابت أو جهة تتكفل بجزء من المبلغ عن الأسر المنتجة، خصوصا تلك المشروعات التي في بداياتها.

كما أننا نواجه منافسة قوية في السوق مع أصحاب المحلات والعلامات التجارية، لذلك نأمل أن تخصص المعارض التي تحمل اسم “الأسر المنتجة” فعلا للأسر المنتجة فقط، أي لمن يعمل من منزله ويصنع بيده، وليس للمحلات أو الشركات الكبرى.

تحديات التسويق وارتفاع الأسعار تعيق نجاح الأسر المنتجة

بدورها، قالت رحاب إبراهيم فزيع، صاحبة مشروع patchouli المختص بالبخور والعطور، وهي إحدى المسجلات بالأسر المنتجة التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية: “من بداية دخولنا السوق المحلية ونحن في مواجهة قوية في إثبات جدارة منتجاتنا، فكنت في بحث دائم عن أجود الزيوت العطرية والمواد الأساسية للبخور لذلك خسرت مبالغ كثيرة، لكن هذا الشيء لم يوقفني، والحمد لله تعاملت مع وكيل معتمد يوفر لي الزيوت بجودة عالية ويتم تصنيعها في أوروبا.

وهذا ما جعل منتجاتي ذات جودة عالية، لكن مع الوقت وارتفاع أسعار السوق أصبح الوضع صعبا جدا؛ لأن القوة الشرائية قلت لدى المواطنين، كما أن أساليب التسويق مع كثرتها إلا أنها لا جدوى منها ونحتاج لمبالغ كبيرة لتسويق منتجاتنا، وعلى الرغم من أن المعارض المحلية كثرت إلا أنها أصبحت عائقا في طريقنا للتسويق، وذلك يعود لقيمة الاشتراك العالية جدا بالنسبة لنا كأسر منتجة ليس لديها مدخول آخر. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني)

لذلك نحن نطالب بتخصيص (سوق الحريم) لتمكين كل امرأة بحرينية منتجة، من خلال استئجارها أحد المحلات بمبلغ بسيط تعرض منتجاتها فيه، ويكون مكانا يقصده السياح وزوار البحرين بالتعاون مع وزارة السياحة، ونحن نواجه صعوبات كبيرة لكننا على أمل بالله أولا ثم من حكومتنا الموقرة للتعاون معنا يدا بيد لنرتقي بمنتجاتنا، فالمرأة البحرينية قادرة على إثبات جدارتها بجودة منتجاتها”.

برنامج الأسر المنتجة رافد اقتصادي واجتماعي في البحرين

وحين سألنا الجهات التشريعية والرقابية الداعمة للأسر المنتجة عن الدعم المقدم لهذه الفئة المهمة من المجتمع البحريني، أجاب رئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس النواب أحمد السلوم: “يشكل برنامج الأسر المنتجة في مملكة البحرين رافدا اقتصاديا واجتماعيا مهما، يعزز دور الأسرة البحرينية في التنمية المستدامة، ويشهد هذا البرنامج دعما متنوعا يشمل التدريب، والتسويق، والمعارض، إضافة إلى تسهيلات مالية وقروض ميسرة تهدف إلى تمكين الأسر من تطوير مهاراتها الحرفية والإدارية، وتحقيق الاستدامة الاقتصادية لمشروعاتها المنزلية”.

دعم متنوع يشمل التدريب والتسويق والمعارض

وأشار السلوم إلى أن طبيعة الدعم الذي تقدمه الدولة لهذه الفئة يتسم بالتنوع والشمولية.

وأوضح أن وزارة التنمية الاجتماعية عملت على توفير برامج تدريبية متخصصة للأسر المنتجة؛ بهدف تطوير مهاراتها الحرفية والإدارية، بما يشمل دورات في مجالات الطبخ والإنتاج الغذائي، الخياطة، الحرف اليدوية، وكذلك التدريب على أساليب التسويق الحديثة وإدارة المشروعات الصغيرة، وأضاف أن هذه الدورات لا تقتصر على الجانب الفني فقط، وإنما تمتد لتشمل الإرشاد الإداري والمالي الذي يساعد الأسر على إدارة مشروعاتها بفعالية أكبر.

وبين السلوم أن الوزارة خصصت معارض موسمية ودائمة كمنصات رئيسة لتسويق منتجات الأسر المنتجة، حيث تتيح هذه المعارض الفرصة المباشرة لعرض المنتجات أمام الجمهور، وفتح قنوات تواصل مع المستهلكين والمؤسسات، وأشاد بالمبادرة الأخيرة المتمثلة في افتتاح متجر “الأيادي البحرينية” كنقطة بيع دائمة، مبينا أنها خطوة متقدمة في توفير منفذ تسويقي مستدام للأسر، كما لفت إلى التسهيلات المقدمة للأسر عبر إعفائها من بعض الرسوم، وإتاحة الفرصة لها للمشاركة في معارض محلية ودولية، وتشجيع المؤسسات والشركات على تبني منتجاتها كهدايا تذكارية في المناسبات الرسمية، وهو ما يعزز من قيمة هذه المشروعات في السوق المحلية.

تشريعات مشجعة مع ضرورة المراجعة والتطوير

وتطرق السلوم إلى الأطر التشريعية التي تنظم عمل الأسر المنتجة، مشيرا إلى أن القانون الوزاري رقم (39) لسنة 2010 بشأن تنظيم النشاط الإنتاجي من المنزل شكل نقلة نوعية، إذ أتاح للأسر البحرينية غطاء قانونيا رسميا لمزاولة أنشطتها المنزلية، وهو ما وفر بيئة مشجعة لانخراط آلاف الأسر في هذا البرنامج.

وأضاف أن هذه الأطر القانونية والتنظيمية أسهمت في تشجيع المشاركة، حيث بات بإمكان الأسر ممارسة نشاطها بشكل مشروع وموثق، ما ساعد على زيادة الثقة في منتجاتها وفتح فرص جديدة أمامها. وأكد أن وجود تشريع منظم يعد بحد ذاته عامل جذب للأسر التي تبحث عن مسار قانوني واضح لمشروعاتها.

وشدد على أن هذه التشريعات بحاجة إلى مراجعة دورية لضمان ملاءمتها للمستجدات والمتغيرات الاقتصادية والتجارية، ولفت إلى أنه من الضروري تطوير هذه الأطر لتتضمن لوائح فنية ومعايير جودة ترفع مستوى المنتجات المنزلية وتزيد من تنافسيتها في السوق، مشددا على أهمية منح حوافز إضافية للأسر التي تتميز بجودة عالية في الإنتاج، بما يمكنها من التحول التدريجي إلى سجلات تجارية حقيقية تدعم الاقتصاد الوطني وتخلق فرص عمل جديدة.

القروض والتمويل كأداة أساسية للتمكين

 

وفيما يتعلق بالجانب التمويلي أشاد السلوم بالجهود التي يقوم بها بنك بيت الأسرة في تقديم القروض متناهية الصغر للأسر المنتجة، مبينا أن شمول هذه الفئة في برامج التمويل يعكس توجها وطنيا جادا لتمكينها من الاستمرار والتوسع، وأوضح أن القروض الميسرة التي يقدمها البنك، والتي لا تتطلب غالبا ضمانات تقليدية معقدة، ساهمت في تمكين العديد من الأسر من الانطلاق بمشروعاتها أو تطويرها، وهو ما ينعكس إيجابا على مستوى الدخل الأسري وعلى الاقتصاد المحلي ككل.

وأكد السلوم أن توفير القروض ليس وحده كافيا، بل يجب أن يترافق مع برامج إرشادية وتدريبية تضمن أن يُستثمر التمويل في الاتجاه الصحيح، وأن يترجم إلى مشروعات قابلة للاستمرار والتوسع، وشدد على ضرورة استحداث المزيد من الخيارات التمويلية التي تراعي خصوصية الأسر المبتدئة، مع تقديم برامج تمويلية طموحة تستهدف الأسر التي أثبتت نجاحها واستمراريتها، بحيث تُمنح هذه الأسر فرصا أكبر للتوسع والتحول إلى مشروعات صغيرة ومتوسطة أكثر استدامة.

وأضاف أن من شأن هذا النهج المتدرج في التمويل أن يخلق مسارا واضحا للأسر المنتجة: يبدأ من المشروع المنزلي الصغير، مرورا بمرحلة التمكين والدعم، وصولا إلى تأسيس سجل تجاري حقيقي يسهم في الناتج المحلي الإجمالي. واعتبر السلوم أن الاستثمار في الأسر المنتجة ليس مجرد دعم اجتماعي، بل هو استثمار اقتصادي وتنموي يفتح آفاقا جديدة للاقتصاد الوطني، ويعزز من روح ريادة الأعمال داخل المجتمع البحريني.

في الختام، يمكن القول إن التجربة حققت نجاحا نسبيا كمسار اقتصادي واجتماعي بديل، عبر خلق فرص دخل إضافية وترسيخ ثقافة الإنتاج المنزلي لكنها في الوقت نفسه لم تتحول في غالبيتها إلى مشروعات كبرى مستدامة، وظلت في كثير من الحالات مشروعات متواضعة أو موسمية تحتاج إلى مزيد من الدعم المؤسسي والتسويقي.

ويظل السؤال المطروح: هل الدعم الحالي يكفي لضمان استمرارية هذه المشروعات وتحويلها إلى قطاع اقتصادي مستدام؟

ما تزال هذه المشروعات تواجه تحديات متعددة، أبرزها صعوبة التسويق والمنافسة مع المنتجات الصناعية أو المستوردة، وارتفاع تكاليف المواد الأولية والتغليف، إضافة إلى محدودية التدريب الفني والإداري، ما يؤثر في جودة المنتج وقابليته للتوسع، كما أن بعض المشروعات تبقى موسمية، وهذا ما يشكل عائقا أمام استدامة الدخل.