الصندوق يحقق انتعاشا ماليا تاريخيا في 2023 بعد صعوبات 2022

أرباح “الأجيال القادمة" تقفز 64 مليون دولار والموجودات تتجاوز 768 مليونا

| المحرر الاقتصادي

استثمارات استراتيجية تشمل مصنع أدوية وبرجًا متعدد الاستخدامات ارتفاع المساهمات النفطية المحولة من الحكومة للصندوق إلى 92.4 مليون دولار 13.5 % من استثمارات الصندوق داخل البحرين التعاقد مع مقاول جديد لـ “برج الأجيال” والمشروع في مراحل متقدمة تطبيق قانون الاقتطاع الجديد يرفـــع المساهمات النفطية بنسبة 69 % التشريعات تفتح المجال لتعويض الـ450 مليون دولار المسحوبة خلال الجائحة ارتفاع الموجودات بنسبة 25 % خلال عام واحد

شهد حساب احتياطي الأجيال القادمة تحولاً مالياً لافتاً خلال العام المالي 2023، بعد عام صعب في 2022 تكبد فيه خسائر تاريخية. وبحسب النتائج التي عرضها الصندوق على مجلس النواب من خلال اللجنة المالية والاقتصادية في المجلس، فقد ارتفع صافي الأرباح من خسارة تجاوزت 70.7 مليون دولار في 2022 إلى أرباح فاقت 64.2 مليون دولار في 2023، في تحول يُعد من الأوسع نطاقاً في تاريخ الحساب، وبفارق مالي إجمالي يزيد عن 134 مليون دولار خلال عام واحد.

ويُعزى هذا التحسن الكبير إلى حزمة من الإجراءات التشريعية والتنفيذية، أبرزها دخول القانون رقم (16) لسنة 2022 حيز التنفيذ مطلع 2023، الذي أعاد هيكلة آلية الاقتطاع من إيرادات النفط الخام المصدر، عبر اعتماد شرائح سعرية تصاعدية للاقتطاع، ما أسهم مباشرة في رفع المساهمات النفطية بنحو 69.4 % مقارنة بعام 2022.

وبحسب البيانات المالية المدققة، ارتفع إجمالي الموجودات في نهاية 2023 إلى نحو 768.9 مليون دولار أمريكي، مقارنة بـ614.3 مليون دولار في نهاية 2022، بنسبة نمو بلغت 25 % خلال سنة واحدة فقط. ويُعد هذا الرقم الأعلى في تاريخ الحساب منذ تأسيسه عام 2006، ويعكس نمواً واضحاً في قدرة الحساب على توليد وتراكم الأصول، بعد الضغوطات المالية التي تعرض لها خلال جائحة كوفيد-19. كما ارتفع الاحتياطي المتراكم إلى 542.7 مليون دولار، مقارنة بـ450.3 مليون دولار في العام السابق، وبلغت الأرباح المحتجزة 224.7 مليون دولار، بنمو سنوي قدره 40.1 %.

وسجلت الإيرادات النفطية المحولة من وزارة المالية والاقتصاد الوطني قفزة قياسية، إذ بلغت 92.4 مليون دولار في 2023، مقابل 54.5 مليون دولار فقط في 2022. ويُعزى هذا الارتفاع إلى تطبيق نظام الاقتطاع الجديد الذي يقضي بخصم دولار إلى ثلاثة دولارات عن كل برميل نفط يتم تصديره خارج المملكة، وفقًا لسعر السوق. ويتوقع أن تُسهم هذه الزيادة في تعويض المبلغ الذي تم سحبه سابقاً من الحساب (450 مليون دولار) لمواجهة تداعيات الجائحة، شرط استمرار مستويات الأسعار العالمية المرتفعة.

أما على مستوى الأداء الاستثماري، فقد نجح المجلس التنفيذي للصندوق في تطبيق سياسة تنويع متوازنة للمحفظة الاستثمارية، ساهمت في توزيع الأصول بطريقة مدروسة تحافظ على الاستقرار وتحد من المخاطر. فقد تم تخصيص 45.6 % من الاستثمارات في أدوات النقد والدخل الثابت، بما يعكس توجهًا حذرًا يضمن سيولة عالية واستقراراً في العائد. في الوقت ذاته، وُجّه نحو 24.4 % إلى قطاع الأسهم، ما يتيح فرصاً للنمو المستدام. كما بلغت نسبة الاستثمارات البديلة 15.4 %، وشملت العقارات وصناديق التحوط، وهي أدوات تهدف إلى تحقيق عوائد غير تقليدية تدعم مرونة المحفظة.

وشملت المحفظة أيضاً استثماراً بنسبة 5.4 % في صناديق متعددة الأصول التي تمنح مرونة أكبر في التوزيع الاستثماري، في حين خُصصت نسبة 9.2 % من إجمالي الأصول للاستثمارات الاستراتيجية داخل مملكة البحرين، والتي تهدف إلى دعم القطاعات الاقتصادية الحيوية والمشروعات ذات الأثر الاجتماعي والمالي بعيد المدى. ويُعد هذا التوجه في التوزيع بمثابة دعم مباشر للاقتصاد الوطني، ويأتي انسجاماً مع أهداف الصندوق بتحقيق عوائد مستقرة للأجيال القادمة، دون التعرض لمخاطر مفرطة.أما من حيث التوزيع الجغرافي للمحفظة، فقد أظهر التقرير أن 46.9 % من الاستثمارات تتركز في أمريكا الشمالية، و25.6 % في الأسواق الأوروبية المتقدمة، في حين بلغت حصة مملكة البحرين 13.5 % من إجمالي الاستثمارات، تليها دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 5.4 %، وهو ما يعكس التزام الحساب بالموازنة بين الأسواق العالمية والفرص المحلية ذات العائد المستدام.

ومن أبرز هذه الاستثمارات، مشروع مصنع الأدوية التابع لشركة “جلف بايوتك”، والذي حصل على ترخيص لإنتاج 17 نوعاً من الأدوية الحيوية، وبدأ فعلياً عمليات الإنتاج في 2024. وتُعد هذه الأدوية من بين الأكثر استخداماً في مستشفيات البحرين، خصوصاً أدوية الحقن الوريدي والطوارئ. كما يخطط المصنع للتوسع عبر التصدير إلى دول الخليج بعد الحصول على الاعتمادات التنظيمية اللازمة. ويعمل في المصنع حالياً 36 موظفاً من الكفاءات الوطنية والدولية، مع خطط للتوسع التدريجي في الطاقة التشغيلية والموارد البشرية.

أما مشروع برج احتياطي الأجيال القادمة، فهو استثمار استراتيجي عقاري يقع على أرض مقدمة كهبة ملكية من جلالة الملك المعظم دعماً للحساب، ويهدف إلى توفير مقر إداري للجهاز التنفيذي إلى جانب مساحات تجارية للتأجير. وقد شهد المشروع تعثراً مؤقتاً بسبب تخارج المقاول الأول، إلا أنه تم التعاقد مع مقاول جديد، وتسير الأعمال حالياً وفق الجدول الزمني، على أن يُنجز في عام 2025. وانخفضت التزامات المشروع من 38.9 مليون دولار في 2022 إلى 33.07 مليون دولار في 2023، ما يعكس تقدماً في الإنجاز. كما تم التعاقد مع وكيل عقاري متخصص لتأجير المساحات، مع توقعات بإقبال مرتفع من الشركات الدولية نظراً للمواصفات الإنشائية العالية.

وذكرت اللجنة المالية والاقتصادية في تقريرها أن الجزء الأكبر من الالتزامات العقارية يرتبط بكلفة الأعمال الإنشائية للمشروع، وأشارت إلى أن العمل لا يزال جارياً لتحديد التكلفة النهائية المتوقعة لاستكماله مع المقاول الجديد.

وخلال لقاء موسع بتاريخ 10 نوفمبر 2024، استعرض وفد من وزارة المالية ومجلس احتياطي الأجيال هذه التطورات أمام اللجنة، حيث أكد مسؤولو المجلس أن التحسن الملحوظ في 2023 يعود إلى مراجعة السياسات الاستثمارية بشكل ربع سنوي، والتوسع المدروس في الأصول الاستراتيجية، وتطبيق معايير صارمة لإدارة المخاطر، مع الحفاظ على فريق تنفيذي بحريني بالكامل.

توصيات اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس النواب

رغم المؤشرات المالية الإيجابية، أوصت اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس النواب بعدم اعتماد التقريرين الماليين المدققين للعامين 2022 و2023، واللذين عُرضا على المجلس بعد تدقيق ديوان الرقابة المالية والإدارية.

وفيما يخص 2023، أكدت اللجنة أن الأرباح المحققة لا تعفي من ضرورة تحسين الإفصاح المالي، خاصة فيما يتعلق بالاستثمارات العقارية الكبرى. وأبدت قلقها من استمرار غموض التكلفة الإجمالية لمشروع البرج، وعدم تقديم بيانات تفصيلية بشأن العقود المحدثة. كما لفتت اللجنة إلى ارتفاع المصروفات التشغيلية إلى 6.1 مليون دولار بزيادة 9.5 % عن 2022، مدفوعة بزيادة الرواتب بنسبة 31.3 % والمصروفات الإدارية الأخرى.

كما رصدت اللجنة انخفاضاً في “القيمة العادلة” لمصنع الأدوية بنحو مليوني دولار، نتيجة التأخر في تحقيق إيرادات فعلية خلال 2023، رغم بدء الإنتاج لاحقاً في 2024.

أما بالنسبة لتقرير 2022، فقد استندت اللجنة في توصيتها بعدم الاعتماد إلى تسجيل خسائر غير مسبوقة بلغت أكثر من 70.7 مليون دولار، وتراجع الموجودات بنسبة 2 % إلى 614.3 مليون دولار، وتسجيل عائد سلبي على إجمالي الموجودات بنسبة -11.5 %. كما أشارت اللجنة إلى استمرار تأثير المرسوم بقانون رقم (23) لسنة 2020 الذي سمح بسحب 450 مليون دولار من الاحتياطي، وأبدت قلقها من غياب خطة واضحة لتعويض هذا السحب. وأشادت اللجنة من جانب آخر بالقوانين التي أُقرت مؤخراً، مثل القانون رقم (5) لسنة 2025 الذي سيُطبّق بداية من 2026، ويُوسّع نطاق الاقتطاع من المبيعات النفطية بناء على شرائح سعر البرميل، بما قد يدعم استعادة جزء من المبالغ المسحوبة سابقاً، شريطة استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة.

وفي ختام تقريرها، دعت اللجنة إلى مراجعة شاملة للإطار المالي والإداري والاستثماري، مع تعزيز الحوكمة، وتكثيف الإفصاح عن تفاصيل المشروعات الكبرى، بما يضمن ديمومة العوائد وحماية ثروات الأجيال القادمة.