العبيدلي يستعرض خيارات التمويل البحثي بين العام والخاص والمجتمع المدني..

ندوة بمجلس الكويتي تبحث دور الأموال الخاصة في دعم البحث العلمي وتحقيق النمو المستدام

| إبراهيم النهام

قدم رئيس جمعية الاقتصاديين الدكتور عمر العبيدلي مؤخرا ندوة في مجلس الدكتور محمد الكويتي في الرفاع (البوكوارة) بعنوان “دور الأموال الخاصة في دعم البحث العلمي في الدول الخليجية”، بحضور جمع من المثقفين والإعلاميين ورواد المجالس، في نقاش تناول العلاقة بين الابتكار والتمويل في بناء اقتصادات قوية.

وأشار العبيدلي إلى مصادر النمو الاقتصادي دون الابتكار والتي تشمل اكتشاف الموارد الطبيعية، والغزو، والنهب، والاستعباد، موضحاً أن هذه الأساليب تاريخية وغير مستدامة، إذ تعتمد على استنزاف الموارد أو السيطرة بالقوة، ولا تخلق قيمة معرفية أو تقدم حضاري.

وفي شأن دور البحث العلمي في النمو الاقتصادي، أوضح بأنه يساعد على تقليل الكلفة لدى السلع القائمة، ويخلق سلعاً جديدة تعزز جودة الحياة، مؤكداً أن الاستثمار في المعرفة هو الطريق الوحيد لمواجهة التحديات الاقتصادية الحديثة. ولفت في سياق حديثه إلى أثر الثورة الصناعية على ذلك، موضحاً بأنها انطلقت في بريطانيا في القرن الثامن عشر، واحتوت على قفزة مستدامة في وتيرة التطور التكنولوجي، وأدت إلى ارتفاع كبير في النمو الاقتصادي، كما أنها أسهمت في نقل البشرية من النمط القديم للنمو الاقتصادي إلى النمط الحديث، وهو ما يبرز أهمية الابتكار كعنصر محوري في التنمية.

هنا شدد العبيدلي على أن هذه النقلة لم تكن لتحدث لولا وجود بيئة تشجع البحث العلمي وتوفر التمويل الكافي، وهو ما يفتقده الواقع الخليجي اليوم. وبشأن خيارات التمويل قال العبيدلي: “التمويل العام، التمويل الخاص، الشركات الربحية، المنظمات غير الربحية (المجتمع المدني)، الأفراد الأثرياء”، موضحاً أن تنوع مصادر التمويل يخلق مرونة أكبر ويتيح فرصاً لتطوير مشاريع بحثية متنوعة.

وعن إيجابيات التمويل العام قال: “الربط برؤية استراتيجية وطنية، الحجم، والتكامل مع التشريعات القائمة”، مشيراً إلى أن التمويل الحكومي غالباً ما يكون واسع النطاق لكنه يفتقر أحياناً إلى المرونة وسرعة الاستجابة.

أما عن إيجابيات التمويل الخاص فعلق بالقول: “الحافز لتمويل المشاريع المجدية (كفاءة الإنفاق)، استغلال الرؤية الخارقة لدى رواد الأعمال، التنافس كحافز إضافي”، موضحاً أن القطاع الخاص يتميز بقدرته على اختيار المشاريع ذات القيمة العالية وتحفيز الابتكار من خلال المنافسة.

وتطرق العبيدلي أيضاً بمحور حديثه إلى تاريخ الابتكارات والتي يظهر دوراً للنوعين من التمويل بقوله: “ابتكارات مهمة اعتمدت على تمويل عام، ويشمل الإنترنت، مشروع الجينوم البشري، جي بي أس، وأيضاً ابتكارات مهمة اعتمدت على التمويل الخاص كالمطبعة المتحركة، وتلغراف ماركوني اللاسلكي، والترانزستور”، مؤكداً أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص كانت دائماً وراء أعظم القفزات العلمية.

وفيما يتعلق بالواقع الحالي في الخليج، قال: “هنالك معدلات منخفضة في الابتكار، وشح في الموارد المخصصة للبحث العلمي، وهيمنة للحكومات على تمويل البحث العلمي، واستمرار اعتماد الاقتصادات على الموارد الطبيعية للنمو”، وهو ما يحد من قدرة المنطقة على المنافسة عالمياً في مجالات التكنولوجيا والمعرفة.

وأضاف: “بشأن تاريخ التمويل الخاص بالعالم العربي، فلقد بدأ في الدولة العباسية، حيث كان التمويل الخاص يشكل عنصراً أساسياً في البحث العلمي، أما عن أسباب ضعف التمويل الخاص في العصر الراهن، فيرجع إلى النموذج التجاري حيث لا يستدعي البحث والتطوير لتحقيق أرباحاً عالية”، مشيراً إلى أن غياب الحوافز الاقتصادية للابتكار يضعف الاستثمار في المعرفة. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني)

وقال: “كما يساعد توفر العمالة الوافدة متدنية الأجور على دفع الشركات للتركيز على الأيدي العاملة، بدلاً من الاستثمار في التكنولوجيا والمعرفة، بالإضافة إلى غياب القناعة بأن المجتمع المدني والأفراد الأثرياء قادرون على قيادة ابتكارات استراتيجية، والتصور بأن الحكومة هي الجهة الوحيدة القادرة على تقديم الدعم الاستراتيجي”، وهو ما يعكس تحدياً ثقافياً واقتصادياً في آن واحد.

وأضاف العبيدلي: “كذلك ميول الأفراد الأثرياء نحو تخصيص الأموال للإغاثة ومكافحة الفقر، وأيضاً غياب ثقافة الكراسي الممولة”، موضحاً أن هذه الثقافة لو وجدت لخلقت بيئة بحثية مستدامة في الجامعات والمراكز العلمية.

وبشأن المستقبل، أفاد العبيدلي بإجراء تغييرات هيكلية في الاقتصاد، يقع خارج إطار المجتمع المدني والقطاع الخاص، مضيفاً: “يمكن تغيير ثقافة التمويل، والعمل على تنمية الثقة في قدرات الأفراد لتحقيق ابتكارات استراتيجية، والتحاور حول ماذا يوصي الإسلام به فيما يخص تمويل البحث العلمي”، مؤكداً أن القيم الدينية يمكن أن تكون دافعاً لتعزيز الاستثمار في المعرفة.

كما شدد في ختام حديثه على أن بناء بيئة ابتكارية في الخليج يتطلب إعادة النظر في السياسات الاقتصادية، وتبني ثقافة تشجع القطاع الخاص على الاستثمار في المعرفة، لا الاكتفاء بالموارد الطبيعية، داعياً إلى إطلاق مبادرات وطنية تحفز الأثرياء والشركات على دعم البحث العلمي كخيار استراتيجي للمستقبل.