لا تُغلقوا الأبواب على الأطفال

حوادث الحافلات المدرسية بين الألم والدروس

| إبراهيم النهام

فُجع المواطنون والمقيمون مساء الاثنين الماضي بوفاة الطفل الجميل حسن علي حسن جعفر المحاري (4.5 أعوام)، إثر نسيانه داخل حافلة خاصة توصل أطفال الروضة بمنطقة دمستان. ونقلت صحيفة زميلة تفاصيل الحادثة، مبينة أن حسن غلبه النعاس في الطريق ولم تنتبه سائقة الحافلة لوجوده بعد أن أنزلت بقية الأطفال وأغلقت الأبواب.  وبعد ساعات ظل حسن محبوساً تحت أشعة الشمس الحارقة، وفارق الحياة قبل وصول الإسعاف متأثراً بالإجهاد الحراري الشديد. وأعلنت وزارة الداخلية ضبط سائقة المركبة (40 عاماً) وتحويلها إلى النيابة العامة للتحقيق. يعكس هذا الحادث المأساوي درجة الإهمال التي قد تودي بحياة أبرياء إذا لم تتوفر إجراءات سلامة رادعة.

حوادث مروعة  ولم تكن حادثة المحاري الأولى من نوعها. فقد شهدت المملكة بالسنوات الماضية عدة حوادث مأساوية مماثلة: 2008: وفاة الطفل سيد جعفر العبار (4 سنوات) بعد نسيانه ساعات طويلة في باص روضته، حيث قضى اختناقاً تحت حرارة الشمس. 2013: وفاة الطفل راشد فاضل أبوزهيرة (5 سنوات) بعد أن غفل عنه مشرفو حافلة مدرسته ونُسي داخلها منذ الصباح حتى الظهر. 2023: مقتل الطفلة فاطمة إبراهيم (3 سنوات) حين دهستها حافلة روضة أمام منزلها بالسنابس، بعد أن سمح السائق بنزولها من الحافلة بمفردها وابتعد دون التأكد من عبورها بأمان. وأوضح محققو المرور أن المشرفة غفلت عن مرافقتها عند النزول، وتحرك السائق دون حذر فأصابت الطفلة إصابات قاتلة. هذه المآسي المحزنة، التي تكررت في العقد الأخير، خلّفت ألماً عميقاً في نفوس الأسر البحرينية وشكّلت «جسراً نارياً» تجاه الثقة بوسائل النقل المدرسية التقليدية.

الأسباب المتكررة تجمع تحليلات الحوادث على أن السبب الرئيسي هو الإهمال البشري كنعاس السائقين أو المشرفين وفقدانهم الانتباه، أو نقص اتخاذ إجراءات أساسية للتأكد من خلو الحافلة من الأطفال. وتفاقم الأمر بفجوة الرقابة.  ففي العديد من المؤسسات التعليمية لم تُفعّل قرار وزارة التربية والتعليم بإلزام وجود مشرفة مؤهّلة داخل كل حافلة. ويسهم انتشار سيارات وحافلات غير مرخصة في زيادة المخاطر.  ويتسبب أيضاً غياب الأنظمة التكنولوجية المناسبة (مثل حساسات أو أجهزة تنبيه تبث رسالة إنذار عند وجود طفلٍ داخل الحافلة بعد انتهاء الدوام) يزيد الاحتمالات المأساوية.  باختصار، فشل الإجراءات الروتينية (تسجيل الحضور، تأكيد خلو الحافلة، إلخ) مع تراخي الرقابة المدرسية وغياب الاحترام الكامل لقوانين النقل المدرسي هي أبرز العوامل خلف هذه الحوادث.

الحلول والإجراءات المعلنة استجابةً لهذه الحالات المتكررة، اتخذت الجهات الرسمية سلسلة خطوات كالتالي: أصدرت الجهات المعنية تعليمات تلزم شركات النقل المدرسي لتوفير الأمن اللازم للطلاب. فمثلاً، أصبحت الحافلات التي تقل 25 طفلاً أو أقل تتطلب تركيب كاميرتين (داخل الحافلة وخلفها)، والحافلات الأكبر 3 كاميرات. كما اشترطت وجود طفايتَي حريق في كل حافلة (أحدهما قرب السائق والأخرى عند الباب) ومرايا كبيرة في الواجهات الجانبية للسماح برؤية كاملة، وحقيبة إسعافات أولية بوضوح موقعها. وفرضت كذلك لاصقات تحذيرية («BUS STOP»)، ولافتات «حظر التدخين»، ورقم السائق ورقم المقاعد المسموح بها على اللوحة الخلفية والداخلية للحافلة. كما حذّرت إدارة المرور مراراً أولياء الأمور بضرورة استخدام وسائل نقل مرخصة فقط، مشدداً على أن تكون الحافلات المخصصة لنقل الطلاب حاصلة على تراخيص رسمية. مؤكدة أنّ السائق يتحمّل المسؤولية الكاملة عن سلامة الأطفال خلال الرحلة. إلى ذلك، جددت وزارة التربية والتنمية تأكيدها على شروط صارمة للنقل المدرسي. فألزمت المدارس الخاصة –وخاصة رياض الأطفال– بتوفير مشرفة مؤهلة في كل حافلة لنقل الطلاب.  كما فرضت الوزارة على إدارة المدرسة توقيع عقود نقل مع شركات مرخصة (بدلاً من سائقي حافلات أفراد) والتأكد سنوياً من الالتزام بهذه الإجراءات لدى بدء العام الدراسي. وتُجرى جولات تفتيشية دورية للتأكد من قيام المدارس بوضع مشرفة في كل حافلة وتأمين السائق برخصة قيادة سارية مُعتمدة. وفي شأن تعاون القطاع الخاص لإدخال التقنيات الحديثة. فقد أطلقت شركة بتلكو حل «الحافلة المتصلة» IoT، والذي يزوّد الحافلات بكاميرات ومستشعرات وتتبع GPS وعدّاد للأجسام وراصد صوتي، إضافة إلى طاقة ذاتية (لوح شمسي).  يمكّن هذا النظام إدارة المدرسة من مراقبة الحافلات بالوقت الحقيقي عبر CCTV، وعدّ الطلاب عند الصعود والنزول، والتواصل المباشر ثنائي الاتجاه مع السائق، مع إنذار آلي في حال وقوع أي طارئ. كما تشجّع مبادرات مماثلة على تركيب أجهزة كشف تلقائي وبطاقات متابعة لإثبات نزول كل طفل بسلام. وعلى الصعيد التوعوي، دعت وزارة الداخلية أولياء الأمور لزيادة يقظتهم بشأن سلامة أبنائهم أثناء التنقل والتأكد من ترخيص المركبة والسائق.  وأكدت الوزارة على أهمية التعاقد مع سائقي نقل متخصصين وحاصلين على التدريب اللازم، وفي المقابل ألزمت الحملات التثقيفية السائقين والمشرفات بعقد دورات متخصصة لتعليم إجراءات الأمان والإنقاذ.  وقد كرّمت وزارة التربية في 2025 عددًا من سائقي الحافلات البحرينيين «الأبطال» تشجيعاً لحسن الأداء في نقل الطلاب، مثنية على دورهم في تعزيز السلامة اليومية للطلاب.

تفاعل المجتمع والثقة المتزعزعة ولقد أثارت هذه الحوادث موجة حزن وغضب في البحرين. وتصدرت الصحف المحلية عناوين المناشدة بضرورة «السهر على سلامة الأطفال» وتضمّن ترقية التشريعات.  فقد أكدت مسبقاً الشورية هالة رمزي ضرورة تعزيز إجراءات الأمن في النقل المدرسي وسد الثغرات التشريعية بقانون المرور. ودعا نواب البرلمان إلى سن قوانين جديدة تلزم الحافلات المدرسية بأنظمة أمان صارمة. وفي ظلال الألم، يتطلع المجتمع البحريني إلى تضافر الجهود بين الحكومة والمدارس وأولياء الأمور لتأمين وصول الأطفال من وإلى مدارسهم بأمان تام، حتى لا تُغلق هذه الأبواب ويُحرم الأبرياء من براءة أيامهم.