ساكس يقول: يجب على أوروبا استعــادة صوتهــا الاستــراتيجــي

| د. طلال أبوغزالة

تجد أوروبا نفسها الآن ضعيفة دبلوماسيا واقتصاديا ومتأثرة بمشهد جيوسياسي مضطرب. في مقاله المقنع، يقدم البروفيسور جيفري ساكس تشخيصا صارما بأن السياسة الخارجية لأوروبا ليست مستندة إلى مصالحها الخاصة، بل إلى سرديات مدفوعة بالخوف وولاء غير مبرر لواشنطن. يقول ساكس: “السياسة الخارجية لأوروبا مدفوعة تقريبا بالكامل بالخوف من روسيا والصين، ما أدى إلى اعتماد أمني على الولايات المتحدة”. يُؤكد ساكس أن هذا الاعتماد ليس نتيجة تهديد حقيقي، بل هو نتيجة لسوء الفهم التاريخي والتشويش الإعلامي، حيث تقوم أوروبا بتفسير الموقف الدفاعي لروسيا بشكل خاطئ على أنه طموح إمبريالي. العواقب الناتجة عن هذا الفهم الخاطئ عديدة، بما في ذلك عسكرة السياسة، والانكماش الاقتصادي، وتآكل مصداقية أوروبا الدبلوماسية. يرفض ساكس فكرة التوسع الروسي، ويذكرنا بأن روسيا تعرضت للغزو مرارا وتكرارا من القوى الغربية، وأن أفعالها، على الرغم من كونها مثيرة للجدل، فإنها غالبا ما تكون مخاوف أمنية مشروعة. ويشرح قائلا: “روسيا لا تسعى للتوسع غربا؛ روسيا تسعى لتحقيق أمنها القومي الأساسي”. يدعو ساكس أوروبا إلى تجاوز ردود الفعل المرتبطة بالحرب الباردة والانخراط في دبلوماسية مباشرة. ويشير إلى قرب نجاح عملية السلام في إسطنبول في العام 2022، التي تم إحباطها بسبب إصرار واشنطن على استمرار الصراع. في الوقت نفسه، تزداد التكاليف الاقتصادية على أوروبا مع تدهور الصناعة الألمانية، وارتفاع أسعار الطاقة، وانهيار التجارة مع روسيا والصين. ويحذر ساكس من أن أوروبا “تلتزم بزيادة ضخمة وغير قابلة للتحمل في الإنفاق العسكري”، بينما تضحي بقدرتها التنافسية على المدى الطويل. الحلول التي يطرحها ساكس جريئة لكنها عملية، بما في ذلك استعادة التوازن بدءا من إجراء محادثات مباشرة مع روسيا والتفاوض على السلام في أوكرانيا. فهو يدعو إلى فصل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي عن حلف الناتو، ورفض المواقف العسكرية تجاه الصين، واحتضان التعاون الأوراسي في مجالات البنية التحتية، والمناخ، والتحديث الرقمي. ويحذر ساكس من أن “أوروبا وضعت نفسها في الزاوية، وجعلت نفسها خاضعة للولايات المتحدة، وقطعت الروابط التجارية والاستثمارية طويلة الأمد مع كل من روسيا والصين”.  من الواضح أن أوروبا في وضع بالغ الخطورة ويجب عليها أن تتحدث باسم نفسها من خلال الانخراط في دبلوماسية استراتيجية، وبراغماتية اقتصادية، وإظهار الاستقلالية الاستراتيجية. إن مستقبلها يعتمد على التفاعل المبدئي وإعادة تقييم جادة لمصالحها. جيفري ساكس هو اقتصادي أميركي متميز ومحلل سياسات عامة، وهو معروف بأعماله في التنمية المستدامة والسياسات الاقتصادية. يعمل أستاذا في جامعة كولومبيا، ومدير مركز التنمية المستدامة في كولومبيا، ورئيس شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة. كان مستشارا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة بشأن أهداف التنمية الألفية (MDGs) وأهداف التنمية المستدامة (SDGs).

 

‭* ‬رئيس‭ ‬ومؤسس‭ ‬مجموعة‭ ‬طلال‭ ‬أبوغزالة‭ ‬العالمية