هيمنة الأجانب على المستشفيات والمراكز والعيادات الخاصة
| د. سهيلة آل صَفَر
في عام 2025، يبدو المشهد الصحي في البحرين وكأنه انعكاس لعصر العولمة بألوانها ولهجاتها، لكن دون أن يحتفظ بملامحه الوطنية. فالمستشفيات الخاصة باتت أشبه بمعارض دولية، تتعدد فيها الأسماء واللغات، بينما تتوارى الكفاءات البحرينية خلف ستار. لم يعد الغريب في المشهد أن يدخل المواطن إلى مستشفى خاص في بلده، فلا يجد طبيبًا واحدًا من أبناء وطنه. فالأجانب اليوم يحتلون أغلب مفاصل القطاع الصحي الخاص، من الملاك إلى الأطباء والممرضين، وكأن البحريني لم يعد مؤهلاً ليمارس مهنته في أرضه. تحولت بعض العيادات إلى مشاريع استثمارية محضة، يتحكم فيها مستثمرون من مختلف الجنسيات — من بريطانيا والهند والفلبين إلى لبنان والأردن ومصر وأمريكا — بينما تظل الجودة الطبية رهينة الحظ والظروف. فالعلاج أصبح سلعة، لا مهنة إنسانية. المريض يُطلب منه إجراء كل فحص ممكن، سواء احتاجه أم لا، في دوامة من الفواتير التي تنتهي غالباً بلا نتيجة مضمونة. ولنا أن نستذكر حقبة وزير الصحة الأسبق الدكتور علي فخرو، حين كانت وزارة الصحة تفرض أولوية التوظيف للبحرينيين، ولا تمنح الترخيص لأي طبيب أجنبي إلا بعد التأكد من غياب الكفاءات المحلية في ذلك التخصص. كانت تلك السياسة تحفظ للطبيب الخريج فرصته، أما اليوم فالمعادلة انقلبت، وصار البحريني يترقب وظيفة لا تأتي، فيما تتكدس السير الذاتية في الأدراج. أين ذهبت خطة «بحرنة الوظائف» التي طالما تحدثنا عنها بالقطاع الصحي؟ وكيف تُترك الكفاءات الوطنية على الهامش فيما يتخرج الأطباء سنوياً؟ ولا يقف الخلل عند حدود العيادات الخاصة، بل يتجاوزها إلى ظاهرة أكثر خطورة وهي أشخاص ينتحلون صفات التطبيب والتمريض دون ترخيص، ومنهم من حوّل منازل إلى عيادات مصغّرة، ومنهم من يمارس مهنته في العلاج الطبيعي أو التحليل النفسي أو حتى تقويم الأسنان دون أي رقابة. وتتكرر الوقائع حين يزور بعضهم البحرين من الخارج ليجري العلاجات ثم يغادر، وكأن الحدود مفتوحة لمزاولة المهنة بلا قانون أو ضابط. وحين تتدخل الجهة الحكومية المعنية، يكون الضرر قد وقع بالفعل، والمرضى قد فقدوا أموالهم أو صحتهم، بينما القانون يقف عاجزًا أمام غياب الصلاحيات الضبطية الكافية. والمفارقة أن هؤلاء المخالفين يعلنون عن خدماتهم علنًا في الصحف الأجنبية ومواقع الإنترنت والمنصات الرقمية، في وقتٍ كان فيه الإعلان الطبي ممنوعًا دون موافقة رسمية. واليوم، تعمل فئة في العيادات الخاصة دون ترخيص واضح، وتستفيد من ثغرات القوانين. فمن يحمي المريض من فوضى السوق الطبية؟ ومن يضمن أن العلاج ليس مجرد سلعة في مزاد الربح السريع؟ ومتى تُستعاد الهيبة لمهنة الطب في البحرين، لتعود كما كانت، رسالة إنسانية قبل أن تكون تجارة؟ لقد آن الأوان لأن يُعاد النظر في بعض السياسات الصحية، ويُفرض قانون يحمي المريض من استغلال بعض العيادات غير المنضبطة. البحرين لا تعاني من نقص الكفاءات، بل من ضعف بعض التشريعات والرقابة. فما نحتاجه ليس مزيدًا من المستشفيات الأجنبية، بل عودة الثقة في الطبيب البحريني، الذي أثبت عبر عقودٍ أنه قادر على حمل مسؤولية الصحة كما يحمل الوطن في قلبه.