روح القانون

الرياضة.. قيم تتجاوز المستطيل الأخضر

| زهير توفيقي

أثبتت‭ ‬إدارة‭ ‬نادي‭ ‬ريال‭ ‬مدريد‭ ‬الإسباني،‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬أن‭ ‬الرياضة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬منافسات‭ ‬ونتائج‭ ‬وألقاب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬قيمة‭ ‬إنسانية‭ ‬سامية‭ ‬ورسالة‭ ‬حضارية‭ ‬راقية‭.‬

فقد‭ ‬استقبل‭ ‬النادي‭ ‬الملكي‭ ‬الشاب‭ ‬المغربي‭ ‬عبدالرحيم‭ ‬أوحيدا،‭ ‬أحد‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬زلزال‭ ‬الحوز‭ ‬المأساوي‭ ‬الذي‭ ‬أودى‭ ‬بحياة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬أسرته‭. ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬القنوات‭ ‬التلفزيونية‭ ‬بعد‭ ‬الزلزال‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬فيه‭ ‬عائلته‭ ‬وهو‭ ‬يرتدي‭ ‬الزي‭ ‬الخاص‭ ‬لريال‭ ‬مدريد‭. ‬نادي‭ ‬ريال‭ ‬مدريد‭ ‬العريق‭ ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬الطفل‭ ‬بشكل‭ ‬مثالي‭ ‬ودعاه‭ ‬إلى‭ ‬إسبانيا‭ ‬وساعده‭ ‬على‭ ‬الدراسة‭ ‬وضمه‭ ‬لأكاديمية‭ ‬النادي،‭ ‬قبل‭ ‬تكريمه‭ ‬في‭ ‬البرنابيو‭ ‬ومنحه‭ ‬فرصة‭ ‬مميزة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬ركلة‭ ‬البداية‭ ‬قبل‭ ‬مباراته‭ ‬أمام‭ ‬إسبانيول‭. ‬هذه‭ ‬اللفتة‭ ‬البسيطة‭ ‬في‭ ‬ظاهرها،‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬معناها،‭ ‬لاقت‭ ‬تفاعلاً‭ ‬واسعاً‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬لأنها‭ ‬أعادت‭ ‬التذكير‭ ‬بجوهر‭ ‬الرياضة‭ ‬الحقيقي‭.‬

لقد‭ ‬أكدت‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬أن‭ ‬الرياضة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بلسمًا‭ ‬للجراح،‭ ‬ورسالة‭ ‬أمل‭ ‬للمكلومين،‭ ‬وأنها‭ ‬لا‭ ‬تُختصر‭ ‬في‭ ‬الفوز‭ ‬والخسارة‭ ‬أو‭ ‬الألقاب‭ ‬والبطولات‭. ‬فحين‭ ‬يلتفت‭ ‬نادٍ‭ ‬بحجم‭ ‬ريال‭ ‬مدريد‭ ‬إلى‭ ‬شاب‭ ‬عادي،‭ ‬منحته‭ ‬الظروف‭ ‬المأساوية‭ ‬حضوراً‭ ‬استثنائياً،‭ ‬فإنه‭ ‬يرسل‭ ‬للعالم‭ ‬كله‭ ‬رسالة‭ ‬تقول‭: ‬“نحن‭ ‬معكم،‭ ‬لسنا‭ ‬بعيدين‭ ‬عن‭ ‬آلامكم”،‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬الفرح‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ترسخ‭ ‬الثقة‭ ‬بأن‭ ‬الرياضة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لغة‭ ‬عالمية‭ ‬للتعاطف‭ ‬والتضامن‭. ‬والمؤسف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬مازالت‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أنديتنا‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬تحصر‭ ‬اهتماماتها‭ ‬في‭ ‬النتائج‭ ‬والمراكز‭ ‬والصفقات،‭ ‬متناسية‭ ‬أن‭ ‬الجانب‭ ‬الإنساني‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الرياضة‭ ‬مكانتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الناس‭. ‬فما‭ ‬الضير‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تستنسخ‭ ‬أنديتنا‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬الجميلة؟‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬هويتنا،‭ ‬بل‭ ‬تنسجم‭ ‬تمامًا‭ ‬مع‭ ‬قيم‭ ‬ومبادئ‭ ‬ديننا‭ ‬الإسلامي‭ ‬الحنيف،‭ ‬الذي‭ ‬يحض‭ ‬على‭ ‬الرحمة‭ ‬ومواساة‭ ‬المنكوبين‭ ‬ودعم‭ ‬المحتاجين‭. 

 ‬إن‭ ‬الاحتراف‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالمهارة‭ ‬داخل‭ ‬الملعب،‭ ‬بل‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬تجسيد‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬خارجه‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬للرياضة‭ ‬على‭ ‬الأندية‭ ‬والإدارات،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬العادلة‭. ‬فمدرجات‭ ‬الملاعب‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والعالم‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬رفع‭ ‬لافتات‭ ‬الدعم‭ ‬لفلسطين،‭ ‬أو‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬رفض‭ ‬الحروب‭ ‬والتمييز‭ ‬والعنف‭. ‬هذه‭ ‬الجماهير‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬صوتها‭ ‬الموحّد‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الضغوط،‭ ‬وأن‭ ‬الرياضة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬منبر‭ ‬عالمي‭ ‬يفضح‭ ‬الظلم‭ ‬ويعلي‭ ‬قيم‭ ‬الحرية‭ ‬والعدالة‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬الجماهيري‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الرياضة‭ ‬ليست‭ ‬معزولة‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬امتداد‭ ‬لهمومهم‭ ‬وأحلامهم‭ ‬ومعاركهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‭.‬

إن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬الأندية‭ ‬أو‭ ‬الجماهير،‭ ‬تمنح‭ ‬الرياضة‭ ‬روحها‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وتحوّلها‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬صناعة‭ ‬جماهيرية‭ ‬ضخمة‭ ‬إلى‭ ‬رسالة‭ ‬إنسانية‭ ‬عالمية‭. ‬فالتاريخ‭ ‬لا‭ ‬يتذكر‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬فاز‭ ‬بالكؤوس‭ ‬ومن‭ ‬خسر‭ ‬المباريات،‭ ‬لكنه‭ ‬يتذكر‭ ‬أكثر‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬جسّدوا‭ ‬الأخلاق‭ ‬والمبادئ‭ ‬السامية‭ ‬وتركوا‭ ‬بصمة‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬الناس‭. ‬وكما‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬الرياضيين‭ ‬العظماء‭: ‬“الرياضة‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬الشخصية،‭ ‬بل‭ ‬تكشفها”‭. ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬نموذج‭ ‬يكشف‭ ‬الوجه‭ ‬المضيء‭ ‬للرياضة‭: ‬وجه‭ ‬إنساني،‭ ‬أخلاقي،‭ ‬جدير‭ ‬بأن‭ ‬نقتدي‭ ‬به‭ ‬جميعًا‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الواجب‭ ‬يحتم‭ ‬على‭ ‬الأندية‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬الطابع‭ ‬التقليدي‭ ‬للرياضة،‭ ‬وأن‭ ‬تدرج‭ ‬في‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬برامج‭ ‬إنسانية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ثابتة،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬مبادرات‭ ‬عابرة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بحدث‭ ‬أو‭ ‬ظرف‭. ‬فالمؤسسة‭ ‬الرياضية‭ ‬الناجحة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬الفرح‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬جماهيرها‭ ‬داخل‭ ‬الملعب،‭ ‬وتزرع‭ ‬الأمل‭ ‬والتعاطف‭ ‬خارجه،‭ ‬لتبقى‭ ‬رسالتها‭ ‬خالدة‭ ‬وأثرها‭ ‬ممتدًا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

 

*كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني