“السعودي” و“بسيسو” فراق إلى الأبد

| أسامة مهران

رحلا‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭ ‬“سبتمبر”‭ ‬أو‭ ‬“أيلول”‭ ‬الملقب‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الجمعية‭ ‬العربية‭ ‬بـ‭ ‬“أيلول‭ ‬الأسود”‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬من‭ ‬قتال‭ ‬دموي‭ ‬مروع‭ ‬بين‭ ‬الأشقاء‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1970‭. ‬شهر‭ ‬الرحيل‭ ‬الكبير‭ ‬وأيام‭ ‬الفجيعة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬راح‭ ‬ضحيتها‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬الزعيم‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر،‭ ‬بالتحديد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جلس‭ ‬المتحاربان‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬مفاوضات‭ ‬عبثية‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬تم‭ ‬خلالها‭ ‬نزع‭ ‬أسلحة‭ ‬القادة‭ ‬والاتفاق‭ ‬على‭ ‬كلمة‭ ‬سواء‭.‬

عبدالله‭ ‬عمار‭ ‬السعودي،‭ ‬المصرفي‭ ‬العربي‭ ‬الكبير‭ ‬والرئيس‭ ‬المؤسس‭ ‬لأكبر‭ ‬وأهم‭ ‬مصرف‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬أي‭ ‬“المؤسسة‭ ‬العربية‭ ‬المصرفية”،‭ ‬رحل‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬أسبوعين‭ ‬من‭ ‬رحيل‭ ‬صديق‭ ‬عمره‭ ‬ورفيق‭ ‬دربه‭ ‬المهني‭ ‬المصرفي‭ ‬العربي‭ ‬والمفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ابن‭ ‬العروبة‭ ‬النابض‭ ‬الدكتور‭ ‬عدنان‭ ‬نور‭ ‬الدين‭ ‬بسيسو،‭ ‬كلاهما‭ ‬ربطتني‭ ‬بهما‭ ‬منذ‭ ‬شرخ‭ ‬شبابي‭ ‬وأول‭ ‬مشوار‭ ‬حياتي‭ ‬المهنية‭ ‬علاقات‭ ‬شخصية‭ ‬دفعت‭ ‬الأستاذ‭ ‬“بسيسو”‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يلقبني‭ ‬بـ‭ ‬“ابنه‭ ‬الروحي”،‭ ‬وأنا‭ ‬بدوري‭ ‬كنت‭ ‬ومازلت‭ ‬أراه‭ ‬أبًا‭ ‬روحيًا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬إنسانًا‭ ‬وصديقًا‭ ‬فوق‭ ‬العادة‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬1982‭ ‬تعرفت‭ ‬عليهما،‭ ‬السعودي‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬العام،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الالتقاء‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬التحاور‭ ‬معه،‭ ‬وفي‭ ‬الشهر‭ ‬نفسه‭ ‬قمت‭ ‬بزيارة‭ ‬مكتب‭ ‬الدكتور‭ ‬عدنان‭ ‬بسيسو‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يشغل‭ ‬منصب‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬للبنك‭ ‬العربي‭ ‬الأميركي‭ ‬اللاتيني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أسسه‭ ‬رفيق‭ ‬دربه‭ ‬عبدالله‭ ‬السعودي‭ ‬كإحدى‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تطبيع‭ ‬العلاقات‭ ‬المصرفية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬باعتبار‭ ‬السعودي‭ ‬عراب‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬اللاتينية،‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬تقريبًا‭ ‬ربطتني‭ ‬بهما‭ ‬علاقة‭ ‬وثيقة،‭ ‬وثقة‭ ‬متبادلة،‭ ‬وأعمال‭ ‬داخل‭ ‬وخارج‭ ‬الحدود،‭ ‬وحوارات‭ ‬صحافية‭ ‬أحدثت‭ ‬ضجيجًا‭ ‬وأصابت‭ ‬أهدافًا‭ ‬وحققت‭ ‬آمالاً‭ ‬لصحافي‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر‭

منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬وحتى‭ ‬انفض‭ ‬الجمع،‭ ‬بالتحديد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ترك‭ ‬السعودي‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬رئاسة‭ ‬المؤسسة‭ ‬العربية‭ ‬المصرفية‭ ‬دون‭ ‬إرادته‭ ‬بضغط‭ ‬غربي‭ ‬ولأسباب‭ ‬غير‭ ‬مهنية،‭ ‬ثم‭ ‬ترك‭ ‬خلفه‭ ‬الدكتور‭ ‬بسيسو‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬الخاص،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬كلا‭ ‬منهما‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬العمل‭ ‬الخاص‭ ‬دون‭ ‬إرادته‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تمكنت‭ ‬المؤامرة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬كان‭ ‬لديها‭ ‬كل‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تنافس‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي،‭ ‬بل‭ ‬وأن‭ ‬تقتلع‭ ‬شبح‭ ‬الإخفاقات‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬جذورها‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتاريخ‭ ‬والجغرافيا‭ ‬وشخصنة‭ ‬المواقع‭ ‬الوظيفية‭ ‬المصرفية‭.‬

قبل‭ ‬أيام‭ ‬رحل‭ ‬رمز‭ ‬الكبرياء‭ ‬المصرفي‭ ‬العربي‭ ‬عبدالله‭ ‬السعودي،‭ ‬وقبله‭ ‬بأيام‭ ‬رحل‭ ‬صديقه‭ ‬د‭. ‬بسيسو،‭ ‬ولكل‭ ‬منهما‭ ‬في‭ ‬رقبتي‭ ‬شهادة‭ ‬حق‭ ‬لا‭ ‬يُراد‭ ‬بها‭ ‬باطل،‭ ‬ومواقف‭ ‬شتى‭ ‬لم‭ ‬يُكتب‭ ‬لها‭ ‬الديمومة‭.‬

ذات‭ ‬يوم‭ ‬اتصل‭ ‬بي‭ ‬أبوعادل‭ ‬أو‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبدالله‭ ‬عمار‭ ‬السعودي،‭ ‬ليدعوني‭ ‬إلى‭ ‬غداء‭ ‬مع‭ ‬صديقه‭ ‬بسيسو،‭ ‬وكنا‭ ‬ثلاثتنا‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬الخليج،‭ ‬ووجهًا‭ ‬لوجه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حقق‭ ‬الغرب‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يريد،‭ ‬بل‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬نالوا‭ ‬من‭ ‬“السعودي”‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬يسعون‭ ‬إليه،‭ ‬“لا‭ ‬صيرفة‭ ‬عربية‭ ‬دولية”،‭ ‬“لا‭ ‬قرار‭ ‬عربي‭ ‬مستقل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬المال”،‭ ‬ولا‭ ‬دور‭ ‬يُذكر‭ ‬لمن‭ ‬اعتبروهم‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬بـ‭ ‬“لوكيربي”،‭ ‬وما‭ ‬أدراك‭ ‬ما‭ ‬“لوكيربي”‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭.‬

بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأرض،‭ ‬وضعت‭ ‬الحرب‭ ‬النفسية‭ ‬أوزارها‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المناكفات‭:‬

أولاً‭: ‬تجميد‭ ‬أرصدة‭ ‬إحدى‭ ‬الشركات‭ ‬التابعة‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العربية‭ ‬المصرفية‭ ‬وهي‭ ‬“الخدمات‭ ‬المالية‭ ‬العربية”‭.‬

ثانيًا‭: ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المدفوع‭ ‬لهذه‭ ‬الشركة‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الحكومة‭ ‬الليبية‭ ‬المتهمة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬بالضلوع‭ ‬في‭ ‬أحداث‭ ‬سقوط‭ ‬الطائرة‭ ‬المدنية‭ ‬فوق‭ ‬مدينة‭ ‬لوكيربي‭ ‬الاسكتلندية‭.‬

ثالثًا‭: ‬استقبلت‭ ‬المنطقة‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬الأميركي‭ ‬من‭ ‬مكتب‭ ‬مصادرة‭ ‬الأموال‭ ‬الفيدرالي‭ ‬“الأوفاك”‭ ‬التابع‭ ‬لوزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬بمثابة‭ ‬الضربة‭ ‬القاصمة‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الخارج‭.‬

على‭ ‬الصعيد‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي،‭ ‬اعتبر‭ ‬مصرفيونا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬مجحفة،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬صلة‭ ‬للمال‭ ‬الليبي‭ ‬بشركة‭ ‬الخدمات‭ ‬المالية‭ ‬العربية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬وضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬كاملة‭ ‬عندما‭ ‬خيرونا‭ ‬كعرب‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬بقاء‭ ‬“السعودي”‭ ‬أو‭ ‬نهاية‭ ‬مؤسسته‭ ‬العملاقة‭ ‬“العربية‭ ‬المصرفية”،‭ ‬و‭.. ‬بقرار‭ ‬بطولي‭ ‬ضحى‭ ‬عبدالله‭ ‬السعودي‭ ‬بمكانته‭ ‬ومنصبه‭ ‬وبنفسه‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يضحي‭ ‬بمؤسسته‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬بناها‭ ‬بالعرق‭ ‬والدموع‭ ‬والأهداف‭ ‬العربية‭ ‬النبيلة‭.‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬عبدالله‭ ‬السعودي،‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬رحيل‭ ‬كبرياء،‭ ‬وحارس‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬وطن‭.‬

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية