البحرين والفاتيكان.. لقاءات تعزز التسامح الديني
| إبراهيم النهام
في لحظة تاريخية، استقبلت مملكة البحرين قداسة البابا فرنسيس في نوفمبر من عام 2022، في زيارة رسمية حملت في طياتها الكثير من الرمزية والدلالات الإنسانية والدبلوماسية.
الزيارة كانت تجسيدًا حيًا لنهج البحرين في تعزيز الحوار بين الأديان، وترسيخ قيم التعايش السلمي والانفتاح على الآخر، وهو النهج الذي أرسى دعائمه جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة المعظم منذ توليه مقاليد الحكم.
جاءت زيارة البابا الراحل بدعوة كريمة من ملك البلاد المعظم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الذي حرص على أن تكون البحرين منصة عالمية للحوار، ومكانًا يلتقي فيه الشرق والغرب على أرضية مشتركة من الاحترام والتفاهم. وقد شارك البابا في ملتقى البحرين للحوار “الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني”، إلى جانب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وعدد من القيادات الدينية والفكرية من مختلف أنحاء العالم.
هذا اللقاء لم يكن مجرد مؤتمر، بل كان إعلانًا عالميًا بأن البحرين تؤمن بأن التعددية ليست تهديدًا، بل فرصة لبناء عالم أكثر إنسانية.
خلال زيارته، التقى البابا الراحل جلالة الملك المعظم في قصر الصخير، حيث تبادل الطرفان الرؤى حول أهمية تعزيز السلام العالمي، وضرورة العمل المشترك من أجل مستقبل أكثر عدالة وإنصافًا.
وقد عبّر البابا الراحل عن إعجابه بما وجده في البحرين من تسامح ديني وتعايش ثقافي، مشيدًا بدور المملكة في احتضان مختلف الطوائف والجنسيات، ومنحهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية في أجواء يسودها الاحترام المتبادل.
وفي مشهد غير مسبوق في منطقة الخليج، أقام البابا قداسًا جماهيريًا في ملعب البحرين الوطني، حضره أكثر من 28 ألف شخص من مختلف الجنسيات والأديان، في صورة جسدت روح البحرين المتسامحة والمنفتحة. هذا الحدث لم يكن فقط دينيًا، بل كان رسالة سياسية وإنسانية للعالم، بأن البحرين قادرة على احتضان الجميع، وأنها تؤمن بأن الدين يجب أن يكون جسرًا للتواصل، لا حاجزًا للفصل.
لكن هذه الزيارة لم تكن الأولى في سلسلة اللقاءات بين القيادة البحرينية والفاتيكان. ففي عام 2014، قام جلالة الملك المعظم بزيارة رسمية إلى الفاتيكان، التقى خلالها البابا فرنسيس الراحل، وتم التأكيد آنذاك على أهمية الحوار بين الأديان، وضرورة احترام التعددية الدينية.
وقد عبّر جلالته حينها عن حرص البحرين على أن تكون نموذجًا في التعايش، مشيرًا إلى أن المملكة تحتضن كنائس ومعابد إلى جانب المساجد، في صورة تعكس الانسجام والتنوع.
وفي أكتوبر 2023، جدد جلالة الملك المعظم زيارته إلى الفاتيكان، حيث التقى مجددًا البابا الراحل، وتم خلال اللقاء استعراض نتائج زيارة البابا إلى البحرين، وما حملته من رسائل إنسانية سامية.
وقد أكد جلالته أن البحرين ستظل واحة للتعايش واحترام الآخر، مشيرًا إلى أن هذه اللقاءات تعزز من مكانة المملكة كدولة تؤمن بالسلام، وتعمل على نشره في محيطها الإقليمي والدولي.
كما كان لولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة دور بارز في تعزيز هذه العلاقات، من خلال لقاءاته واتصالاته المستمرة مع القيادات الدينية في الفاتيكان، والتي حملت رسائل واضحة حول التزام البحرين بنهج السلام، والانفتاح على الآخر، وتعزيز التعاون في المجالات الإنسانية والثقافية.
وقد عبّر سموه في أكثر من مناسبة عن إيمانه بأن الحوار بين الأديان والثقافات هو أساس الاستقرار العالمي، وأن البحرين تنظر إلى الفاتيكان كشريك في نشر ثقافة السلام والتفاهم، هذا الدور الذي يقوم به سمو ولي العهد يعكس حرص القيادة البحرينية على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الروحية والثقافية في العالم، ويؤكد أن البحرين لا تنظر إلى الدين كأداة سياسية، بل كقيمة إنسانية جامعة.
ردود الفعل العالمية على زيارة البابا فرنسيس إلى البحرين كانت واسعة ومؤثرة. فقد اعتبرتها الأمم المتحدة خطوة مهمة نحو تعزيز الحوار بين الأديان، فيما وصفتها منظمة التعاون الإسلامي بأنها تجسيد حقيقي لقيم التسامح التي يدعو إليها الإسلام.
كما أشادت وسائل الإعلام الدولية بالاستقبال الحافل الذي حظي به البابا، وبالرسائل الإنسانية التي حملتها الزيارة، والتي أكدت أن البحرين ليست فقط دولة صغيرة في الجغرافيا، بل كبيرة في رسالتها الإنسانية.
وقد عبّر عدد من القادة الدينيين حول العالم عن تقديرهم لموقف البحرين، مؤكدين أن مثل هذه المبادرات تساهم في بناء عالم أكثر سلامًا، وتقلل من حدة الصراعات القائمة على الهوية الدينية أو الثقافية.
كما أن هذه اللقاءات فتحت آفاقًا جديدة للتعاون بين المؤسسات الدينية في البلدين، وأسهمت في تعزيز التفاهم بين الشعوب، وتقديم نموذج عملي لما يمكن أن يكون عليه العالم إذا ما اختار طريق الحوار بدلًا من الصراع.
في عهد جلالة الملك المعظم، تحولت البحرين إلى مركز عالمي للتعايش، حيث تتلاقى المساجد والكنائس والمعابد في صورة تجسد السلام والطمأنينة. وقد أطلق جلالته عددًا من المبادرات الرائدة، مثل مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي، ووثيقة البحرين للتعايش، التي أصبحت مرجعًا عالميًا في مجال الحوار بين الأديان.
هذه المبادرات لم تكن فقط محلية، بل وجدت صدى عالميًا، وأسهمت في تعزيز صورة البحرين كدولة تؤمن بالإنسان، وتحترم التنوع، وتسعى إلى بناء مستقبل مشترك يقوم على المحبة والتفاهم.
إن اللقاءات بين القيادة البحرينية والفاتيكان، وما حملته من رسائل سامية، لم تكن مجرد أحداث دبلوماسية، بل كانت لحظات تاريخية تعكس نضج العلاقات بين الشرق والغرب. هذه اللقاءات تؤكد أن البحرين تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كدولة تؤمن بالسلام، وتعمل على نشره، وتؤمن بأن التعايش ليس خيارًا، بل ضرورة إنسانية في عالم يزداد تعقيدًا.