الأنصاري لم يطمح في منصب وكان شجاعا في كشف حقيقة الذات العربية
| حسن عبدالرسول تصوير: خليل | إبراهيم
قالت مستشار جلالة الملك المعظم للشؤون الثقافية د. هالة الأنصاري، إن والدها المفكر العربي الكبير د. محمد جابر الأنصاري كان رجلًا عصاميًا أمضى أكثر من 30 عامًا في التدريس الجامعي، وجعل من الاهتمام بالعلوم والمعارف والثقافة جوهر رسالته التعليمية.
وأكدت أنه كان ينزعج من التدريس في الصفوف الخاملة، لكنه ظل يرى أن الانفتاح على العلوم الإنسانية والتفاعل مع العالم أولوية تفوق الانشغال بأي خلافات جانبية، وقد أولى الراحل أهمية بالغة لتعدد مصادر المعرفة، واعتمد على المناهج العلمية التي كان يعتبرها بمثابة الأكسجين الذي يتنفسه.
ودعت الأنصاري جامعة الخليج العربي إلى إعادة قراءة وتقييم الدراسات والأطروحات التي خلّفها والدها، باعتبار ذلك حماية للمعرفة وصونًا لإرث فكري عربي رائد.
وأضافت أن الراحل كان يتقبل الاختلافات الفكرية بروح منفتحة، من دون أن يحولها إلى خلافات، مؤمناً بأن التعايش الإنساني كان أحد أبرز القيم التي دافع عنها.
وبيّنت أن من بين مبادراته الفكرية المهمة تركيزه العميق على الثقافة الإسلامية في بعدها الإنساني الشامل، مؤكدة: «نحن بحاجة إلى فكره اليوم أكثر من أي وقت مضى». جاء ذلك خلال الندوة الفكرية بعنوان: «احتفاء بالفكر العربي للدكتور محمد جابر الأنصاري»، التي عُقدت صباح أمس الخميس بتنظيم مشترك بين جامعة الخليج العربي وسفارة المملكة العربية السعودية ودارة محمد جابر الأنصاري للفكر والثقافة، وذلك احتفاءً بإسهاماته الفكرية والثقافية المتميزة، وحضر الندوة رئيس مجلس الشورى علي الصالح، وسفير خادم الحرمين الشريفين لدى البحرين السفير نايف السديري، إلى جانب نخبة من المثقفين ورجال الفكر والأدب والصحافة.
إنتاج ثقافي
من جانبه، استذكر الأكاديمي د. رياض حمزة العلاقة الوطيدة التي جمعته بالراحل الكبير على مدى سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن إصداراته الأكاديمية تناولت قضايا السياسة والثقافة وأسهمت في إثراء الإنتاج الثقافي والعلمي العربي.
وبيّن حمزة أن الأنصاري كان أول وزير للإعلام بعد الاستقلال، ومن المثقفين الذين تواصلوا مع الجمهور عبر الكتابة في المجلات اللبنانية، والمشاركة في البرامج الثقافية والعلمية في الإذاعة والتلفاز.
وأوضح حمزة أن الأنصاري لم يكن يطمح يومًا إلى المناصب الإدارية، إذ كان يخشى أن تصرفه عن رسالته الأساسية في التعليم الجامعي، ولذلك نذر نفسه للتواصل مع الطلبة في جامعة الخليج العربي، مركزًا على الثقافة والحضارة والعلوم الإنسانية باعتبارها أساسًا حضاريًا لبناء المجتمعات. وأضاف أن الراحل كان يحرص على تطوير طلابه علميًا، ويحثهم على الاطلاع على مراجع متعددة، بما يفتح عقولهم على أكثر من إرث علمي وفكري في البيئة الجامعية.
وأكد أن له إسهامًا بارزًا في فهم وتحليل منهج ابن خلدون، إذ كان يتميز بحدة الذكاء وحضور الذهن ورغبة دائمة في اختبار أطروحاته العلمية. وأشار حمزة إلى أن الأنصاري ارتبط بعلاقات فكرية واسعة مع كبار المفكرين العرب، وتأثر به عدد كبير من طلبته، كما اعتبر أن نتاجه الفكري الغزير يستحق القراءة والدراسة المستمرة، لأنه يمثل منهجًا علميًا قابلًا للنقاش مع نخبة المفكرين وأصحاب الرؤى المغايرة.
بصمات بارزة
وفي السياق ذاته، أكدت رئيس مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، أن الراحل محمد جابر الأنصاري كان أول من جمع المعلومات وكتب وحقق عن الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، مسلطًا الضوء على دوره الريادي والفكري في الحياة الأدبية والثقافية في البحرين منذ العام 1967. وبيّنت أن للأنصاري بصمات بارزة على المستويين الوطني والإقليمي، معتبرة إسهاماته رافدًا أساسيًا في مسيرة البحرين الثقافية والفكرية. وأضافت الشيخة مي أنها تعرّفت على إنتاج الأنصاري من خلال والدها الراحل الشيخ محمد بن إبراهيم آل خليفة، مشيرةً إلى أن الأنصاري سبق أن اهتم بجمع وتوثيق المراسلات الأدبية والثقافية للشيخ إبراهيم مع كبار الأدباء والمثقفين العرب. واستذكرت اتصاله بها في العام 2012 لنقل تهاني ملك البلاد المعظم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، بمناسبة افتتاح أحد مشاريع مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث.
رجل فكر
أما الناقد والأكاديمي السعودي د. سعد البازعي، فقد وصف الأنصاري بأنه رجل علم متفرد في الفكر العربي المعاصر وفي الحراك الثقافي الذي عرفته منطقة الخليج والجزيرة العربية في العصر الحديث. وأوضح أن أطروحاته في الفكر العربي والثقافة العربية شكّلت حضورًا لافتًا من خلال تأسيسه العلمي المبكر، سواء في البحرين أو لبنان، حيث تفاعل مع معطيات الفكر الأوروبي. وأضاف أن إسهاماته كانت جلية في المشهد الثقافي العربي، إذ لم يكن مجرد باحث أو مفكر، بل مثقفًا عضويًا أسهم بفاعلية في التنمية الثقافية في البحرين والخليج. وأشار البازعي إلى أن الأنصاري تفاعل مباشرة مع تيارات الفكر العربي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لكنه امتلك قدرة لافتة على عدم الذوبان في الأطروحات الفكرية الضاغطة آنذاك، سواء كانت إسلاموية أو قومية أو علمانية أو اشتراكية، وقد تمكن في أطروحته للدكتوراه بجامعة بيروت الأمريكية، المعنونة «الفكر العربي والصراع العظيم»، من استيعاب مختلف التيارات الفكرية ووضعها في إطار تحليلي رصين، مدعوم بثقافة تراثية راسخة واطلاع واسع على الفلسفات الغربية.
وأبرز البازعي أن الأنصاري ميّز بين «التوفيقية» بوصفها مسعى جادًا للتوسط بين التيارات، و«التلفيقية» التي لا تعدو كونها ربطًا مفتعلًا بين الأفكار، مؤكدًا أن الأنصاري لم يكن يدعو للتوفيقية بقدر ما استخدمها كأداة تحليلية.
بصمة لا تُمحى
إلى ذلك، قال رئيس جامعة الخليج العربي د. سعد آل فهيد: «نحيي اليوم سيرة علمٍ من أعلام الفكر العربي الحديث، ورائدًا من رواد الجامعة الذين تركوا بصمة لا تُمحى في مسيرتها الأكاديمية والفكرية، إنه الدكتور محمد جابر الأنصاري – رحمه الله – فماذا نقول، وماذا ندع، عن هذا الكبير الذي قدّم قراءات معمقة لقضايا النهضة وأسئلة الهوية وإشكاليات التراث والمعاصرة؟». وأضاف آل فهيد أن الأنصاري تميز برؤية نقدية ثاقبة، منطلقة من قراءة الواقع واستشراف المستقبل، ولم تغب عنه المحاولات الجادة لتجديد النهضة العربية عبر اكتشاف الذات ونقدها، ودعوته إلى تأسيس علم اجتماع عربي مستمد من التاريخ والواقع.
وأكد أن شجاعته في الكشف عن حقيقة الذات العربية بلا رتوش أو أقنعة ستبقى إرثًا خالدًا، فضلًا عن سعيه الحثيث إلى نشر أفكار أستاذه ابن خلدون وتعزيز ثقافة العقل بوصفها منهجًا أصيلًا لبناء المجتمعات.
واختتم رئيس الجامعة مؤكدا أن الأنصاري كان أستاذًا متميزًا لدراسات الحضارة الإسلامية والفكر المعاصر، وعميدًا لكلية الدراسات العليا، ومعززًا لرسالة الجامعة الفكرية والتنموية، مبينًا أن إرثه الفكري يشكل لوحة متكاملة تنسجم فيها خيوط متشابكة من الفكر والنقد والإبداع. وأكد أن جامعة الخليج العربي تجدد اليوم عهد الوفاء لروادها ومثقفيها، وأن هذه الندوة تمثل امتدادًا لذلك الوفاء وتجسيدًا لتقدير المجتمع البحريني والعربي لمسيرة الأنصاري الفكرية والثقافية الرائدة.
السفير السعودي يحضر الندوة
حضر سفير خادم الحرمين الشريفين لدى مملكة البحرين ندوة نظمتها جامعة الخليج العربي بالتنسيق مع سفارة المملكة العربية السعودية ودارة محمد جابر الأنصاري للفكر والثقافة، والتي خُصصت لتسلط الضوء على أحد أبرز رموز الفكر العربي المعاصر، المفكر والأكاديمي البحريني الراحل الأستاذ د. محمد جابر الأنصاري (رحمه الله).
وقد أثْرى أعمال الندوة كل من الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، وهالة الأنصاري، ود. رياض حمزة، إلى جانب د. سعد البازعي، باحث ومترجم في الأدب والنقد والفكر، عضو هيئة الأدب والنشر والترجمة بوزارة الثقافة بالمملكة العربية السعودية، الذي قدّم ورقة بحثية تناولت مفهوم “التوفيقية” كما تناولها الأنصاري. وبحضور عدد من كبار المسؤولين والأكاديميين والمثقفين؛ جاء تنظيم هذه الندوة إيماناً بالدور الحيوي للثقافة في بناء الجسور وتعزيز العلاقات الثنائية بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين الشقيقة، حيث شكّلت مناسبةً لتسليط الضوء على الإرث الفكري والثقافي للأنصاري، وما قدّمه من إسهامات بارزة في مجالات الهوية والفكر والثقافة.