"جدار نقدي" بقيمة 7 تريليونات دولار يثير قلق الأسواق مع بدء خفض الفائدة الأميركية

| العربية.نت

قد لا تكون هذه حقبة يفيض فيها الأميركيون بالنقد الورقي داخل محافظهم، لكنهم يملكون سيولة ضخمة متروكة في حسابات تحقق عوائد جذابة بفضل رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لمكافحة التضخم.

ووفقاً لبيانات "Crane Data"، فإن حجم الأموال في صناديق أسواق المال بلغ مستوى قياسياً يقدر بنحو 7.6 تريليونات دولار.

لكن مع استعداد الفيدرالي لخفض الفائدة لأول مرة منذ عام — وربما بمقدار 50 نقطة أساس — وهو تحول في السياسة النقدية من شأنه بمرور الوقت تقليص العوائد على الاستثمارات الخالية من المخاطر، يتجه تركيز الأسواق إلى ما إذا كانت هذه الأموال ستتحرك.

وفي أقصى السيناريوهات، ما يُعرف في وول ستريت بـ"نظرية الجدار النقدي" — التي تفترض أن تدفق هذه الأموال قادر على إشعال موجة صعود في سوق الأسهم — جرى دحضها بقدر ما طُرحت، وفقاً لتقرير نشرته شبكة "CNBC" الأميركية واطلعت عليه "العربية Business".

ضغوط البيانات

على أقل تقدير، يمثل هذا التحول لحظة مهمة في سياسة الفيدرالي. فقد أكدت بيانات سوق العمل الأخيرة تصاعد المخاوف من اتجاه غير مريح في التوظيف والحاجة لتدخل البنك المركزي بسرعة قبل ارتفاع معدلات البطالة.

وفي الوقت نفسه، ورغم أن بيانات التضخم الأخيرة لم تمنح "إشارة اطمئنان" كاملة بشأن الضغوط السعرية، فإنها لم تُظهر أيضاً ما يستدعي امتناع الفيدرالي عن خفض الفائدة بواقع 25 نقطة أساس على الأقل الأسبوع المقبل.

تقول شيلي أنتونيويتش، كبيرة الاقتصاديين في Investment Company Institute والباحثة في صناديق المؤشرات المتداولة (ETF)، في مقابلة مع قناة CNBC: "بيانات التوظيف حسمت الحاجة إلى خفض الفائدة".

وأضافت أن وتيرة التخفيضات ستظل مرتبطة بالبيانات، مع مراقبة الفيدرالي لسوق العمل والتضخم في إطار سعيه لتحقيق التوازن بين التوظيف الكامل واستقرار الأسعار. وأشارت إلى أن نحو 7 تريليونات دولار المكدسة في صناديق أسواق المال ستتجه تدريجياً نحو أصول أكثر خطورة مثل الأسهم والسندات مع تراجع جاذبية معدلات الادخار.

سباق الصناديق

وتوقعت أن تتسابق المزيد من شركات الصناديق على جذب تلك الأموال مع اقتراب قرار ضخم من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) قد يسمح لكل شركة إدارة أصول بطرح فئة صناديقها على شكل ETF.

وأوضحت أن هناك حالياً 70 طلباً قيد الدراسة، فيما يعمل معهد شركات الاستثمار (ICI) مع مئات مديري الصناديق ليكونوا مستعدين إذا أعطت الهيئة الضوء الأخضر.

شكوك حول انتقال الأموال

لكن بيتر كرين، رئيس شركة Crane Data المتخصصة في أبحاث صناديق أسواق المال، يرى الأمر بشكل مختلف: "أصول صناديق أسواق المال تواصل النمو، ولم تتراجع في التاريخ الحديث إلا عندما كانت الفائدة عند الصفر في فترات الأزمات الاقتصادية".

وأضاف أن أسعار الفائدة "مهمة، لكنها أقل تأثيراً بكثير مما يظن الناس". ففي تاريخ يمتد 52 عاماً، لم تنخفض أصول هذه الصناديق سوى بعد انفجار فقاعة الإنترنت (الدوت كوم) والأزمة المالية العالمية، حينما هوت الفائدة إلى القاع.

وتابع: "إذا ساءت الأوضاع بما يكفي لدفع الفيدرالي إلى خفض الفائدة بشكل أكثر عدوانية، فلن يكون ذلك مؤشراً على أن المستثمرين سيقبلون على المخاطر. أحلام وول ستريت… السبعة تريليونات لن تذهب إلى أي مكان سوى الأعلى".

أموال المؤسسات لا تتحرك

وأشار كرين إلى أن السوق شهدت تحولاً بمرور الوقت، إذ لم تعد أموال المستثمرين الأفراد هي المسيطرة، بل بات نحو 60% من السوق أموال مؤسسات وشركات، وهي بطبيعتها لا تتحرك نحو الأسهم. وأكد: "هذه الأموال لن تنتقل إلى سوق الأسهم مهما حدث".

ولا ينكر الباحثون أن خفض الفائدة قد يدفع جزءاً من هذه الأموال إلى أصول أعلى مخاطرة وأعلى عائداً، لكن كرين يقدّر ذلك بنحو 10% فقط من الإجمالي، مع غياب بيانات دقيقة لتأكيد هذا الرقم.

ودائع البنوك أقل جاذبية

ويشير كرين إلى أن الأميركيين يتركون نحو 20 تريليون دولار في ودائع البنوك من دون عوائد تُذكر، ما يجعل خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس غير كافٍ لإضعاف جاذبية صناديق أسواق المال. فالمقارنة بين عائد يبلغ 4.3% حالياً و0.5% بالكاد تقدمه البنوك تبقى في صالح الصناديق.

وأضاف: "حتى إذا انخفضت العوائد إلى 3%، فإن معظم الأموال ستظل في أماكنها. فقط إذا عادت الفائدة إلى الصفر، ربما يحدث تآكل في القاعدة".

أحجام صغيرة للمستثمرين الأفراد

رغم ضخامة الحجم الإجمالي للسوق، فإن أرصدة الأفراد في هذه الصناديق غالباً ما تكون صغيرة.

ويقول كرين: "إذا كان لدى مستثمر 5 آلاف دولار في صندوق ويكسب أقل أو أكثر بنسبة 1% أو 2%، فهو ينفق وقتاً وجهداً أكثر مما يستحق التفكير فيه".

وأشار كرين إلى أن سوق السندات شهدت تقلبات كبيرة جعلت الاستثمار في الدخل الثابت أكثر خطورة مما كان متوقعاً، ما يضيف مزيداً من التعقيد أمام المستثمرين.

خيارات المحافظ

ويؤكد خبراء أن صناديق أسواق المال لن تتأثر فورياً بقرار الفيدرالي، إذ يبلغ متوسط آجال استحقاقها 30 يوماً، ما يعني أن الأثر سيظهر تدريجياً. بل إن خفضاً كبيراً قد يعزز مؤقتاً تدفقات الأموال إليها، قبل أن تبدأ العوائد في التراجع مقارنة باستثمارات أخرى.

ويرى تود سون، استراتيجي الصناديق في Strategas Asset Management، أن الخيارات أمام المستثمرين الذين يرغبون في التحرك تشمل: الاستثمار في سندات الخزانة متوسطة الأجل (2–5 سنوات) عبر صناديق ETF، رغم مخاطر تقلب العوائد.

كما تشمل استخدام صناديق السلالم (Bond Ladder ETFs) لتوزيع الاستحقاقات وتقليل المخاطر. إضافة انكشاف على أسهم صغيرة أو دولية لتعويض هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى التي باتت تمثل نحو 40% من السوق الأميركية.

وأضاف سون: "قد لا يكون العائد بعد الضرائب على صناديق أسواق المال جذاباً عندما تقترب العوائد من 3%، لكن ربما يفضل المستثمرون المتحفظون إبقاء أموالهم هناك".