أحد خريجي برنامج التدريب في “البلاد”.. بن صالح بعد عودته من ألمانيا:

الألمان كرماء.. واللغة أصعب من “الإنجليزية”.. والغربة فرصة للتعلم

| حسن عبدالرسول | تصوير: خليل إبراهيم

تجربة الغربة والدراسة في الخارج ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي رحلة استكشاف للنفس والعالم من حولك. عند اختيار ألمانيا، يجد الطالب نفسه أمام مجتمع منظم ومتقدم، لكنه يختلف تماما عن البيئة المألوفة التي نشأ فيها، حيث التحديات تبدأ من اللغة والثقافة، وتمتد إلى أسلوب الحياة اليومي، وفهم القيم والعادات الاجتماعية المختلفة.

وفي لقاء لـ “البلاد” مع الناشط الاجتماعي الأكاديمي عبدالله بن صالح، الذي كان مقيما في ألمانيا لمدة عامين ونصف العام، قال: ألمانيا بتراثها الثقافي الغني، وبنيتها التحتية المتطورة، تفرض على المغترب الجديد التأقلم مع نظام صارم من القوانين والإجراءات، والتعامل مع ثقافة شعوب تختلف في نظرتها للعالم ومفاهيمها الاجتماعية، لكنها في الوقت ذاته تمنح فرصة لاكتساب مهارات جديدة، وتفتح أفقا واسعا لفهم التنوع الثقافي والاجتماعي، والتعامل مع اختلافات الأفراد بطريقة إيجابية وبناءة.يشار إلى أن بن صالح كان من خريجي برنامج التدريب المهني في صحيفة “البلاد” بالعام 2022. وكان يرأس مجلس طلبة جامعة البحرين للتكنولوجيا.

ووصف صالح تجربة السفر الطويل إلى ألمانيا بأنها “ليست سهلة، لكنها ثرية وقيمة، فهي لا تمنحك معرفة أكاديمية أو مهنية فقط، بل تمنحك قدرة على التكيف، وصبرا، ورؤية جديدة للعالم، وتعلم كيف يمكن للإنسان أن ينجح في بيئة تختلف تماما عن بيئته الأصلية. الغربة في ألمانيا تمثل فرصة لإعادة اكتشاف الذات، وفهم كيفية التفاعل مع مجتمع جديد، وتقدير الاختلافات، لتكون هذه التجربة بمثابة حجر أساس لبناء مستقبل أكثر وعيا وثقة”.

تجربة الغربة

وقال بن صالح إن تجربة الغربة والدراسة في ألمانيا تعد من أصعب وأغنى التجارب التي يمكن أن يعيشها الفرد؛ فهي تجمع بين تحديات اللغة، الاختلاف الثقافي، والانفتاح على مجتمع جديد، في وقت يحتاج فيه الشخص إلى التأقلم بسرعة وتجاوز الكثير من الحواجز النفسية والاجتماعية، فالبداية دائما صعبة، خصوصا عند الانتقال إلى بيئة مختلفة تماما عن بلدك الأم، فاللغة تمثل الحاجز الأول؛ إذ لا تُستخدم الإنجليزية على نطاق واسع خارج المدن الكبرى، ومعظم السكان في القرى لا يعرفون الإنجليزية على الإطلاق؛ ما يجعل الاندماج في الحياة اليومية تحديا حقيقيا.

وأكمل “ألمانيا بلد واسع، والتجربة تعتمد على كيفية عيش الفرد فيها، قد تبدأ في مكان لا تشبهك فيه أي ثقافة أو لغة، ولكن كل صعوبة تحمل قيمة كبيرة؛ فهي تثري حياتك ومستقبلك”، وأكد أن تجربة العيش بين الألمان، بعيدا عن البيئة العربية، تعطي فرصة لرؤية الحياة من منظور مختلف، وتعلم مهارات التأقلم مع ثقافات متعددة.

اللغة والثقافة

وأكد أن اللغة الألمانية تعد من أبرز التحديات التي تواجه الطلاب والمغتربين؛ فالتعلم النظري للغة يختلف تماما عن استخدامها في الحياة اليومية؛ إذ تتطلب القدرة على التواصل وفهم الثقافة المحلية والتقاليد الاجتماعية، مردفا أن “التحدي الأكبر هو أن تكون في مكان مختلف تماما، سواء من ناحية اللغة أو الثقافة، وهذا يجعل البداية صعبة، ولكنه يعطي فرصة ذهبية لتطوير الذات”، كما أن التعامل مع البيروقراطية الألمانية يمثل تحديا آخر، فحتى الإجراءات اليومية مثل الانتقال بين المدن، أو التعامل مع الدوائر الرسمية، تحتاج إلى صبر وفهم طريقة عمل النظام؛ لأن التجربة تظهر أن الألماني ليس شخصا عنصريا بالضرورة، لكن أسلوبه المباشر والجاف أحيانا يُساء فهمه من قبل الوافدين الجدد، لذلك يتطلب الأمر التعلم والتكيف.

المجتمع الألماني

ولفت إلى أن الشعب الألماني، على رغم السمعة التي قد تُروّج عنه بأنه متحفظ، إلا أنه يمتلك ثقافة مختلفة تماما عن الثقافة العربية، مثل أن الكرم لديهم يتركز غالبا في الأسرة والأقارب المباشرين، وليس المجتمع عموما، وهو ما قد يفهم خطأ عند المقارنة مع مجتمعات أخرى. إضافة إلى ذلك، الشعب الألماني ملتزم بالقوانين ويولي أهمية كبيرة للخطوط الحمراء الأخلاقية، مثل معاداة السامية، التي تعد قضية حساسة لا يمكن تجاوزها.

وأشار بن صالح إلى أن الاختلاف في العادات والتقاليد، بعيدا عن الدين، ليس بالأمر السلبي فـ “ما يراه البعض سيئا هو مجرد اختلاف، ولا يوجد معيار مطلق للجيد والسيئ في العادات والتقاليد، بل هي انعكاس للبيئة الاجتماعية وطريقة النشأة”.

اختيار ألمانيا

وأوضح أن اختيار الدراسة أو العمل في ألمانيا لم يكن عشوائيا، بل جاء نتيجة عوامل متعددة، من أبرزها وجود معارف وأهل في برلين؛ الأمر الذي يسهل الاندماج الأولي، بالإضافة إلى القرب الجغرافي والاقتصادي من أوروبا مقارنة بدول أخرى مثل كندا أو أستراليا أو الولايات المتحدة، كما أن ألمانيا تقدم فرصا تعليمية وعملية متقدمة، تجمع بين التحدي والفائدة في الوقت ذاته، ولكن اللغة الألمانية قد تبدو صعبة في البداية، إلا أن التجربة العملية تثبت أن الإلمام بها ممكن، وأن التغلب على هذا التحدي يمنح شعورا بالإنجاز الشخصي والثقة بالنفس. وأضاف “اللغة الألمانية أصعب من الإنجليزية، لكنها ليست مستحيلة كما يُشاع، والانغماس فيها هو المفتاح”.

التأثير الاجتماعي

وقال: إن التجربة الألمانية لم تقتصر على الدراسة أو العمل، بل كانت فرصة للتفاعل مع ثقافات مختلفة، عبر التواصل مع الألمان والعرب من دول متعددة، إذ استطعنا التعرف على عادات وتقاليد متنوعة، واكتساب خبرة اجتماعية واسعة، كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في التعرف على المجتمع الألماني الجديد عبر المنصات الرقمية، إذ تابعت العديد من الأحداث العالمية وقمت بتقديم استشارات ومعلومات للمهتمين بالثقافة الألمانية من المواطنين العرب؛ الأمر الذي أكسبني شبكة علاقات واسعة من مختلف الدول العربية والأوروبية.

وأكد أن تجربة الغربة علمته النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة، وتقبل الاختلافات، وفهم أن التنوع في الثقافات ليس سلبيا، بل فرصة للتعلم والتطوير الشخصي.

التحديات الثقافية

وقال إن ألمانيا تواجه تحديات اجتماعية، فهناك اهتمام كبير بقيم المجتمع واحترام الحقوق، ويُدرس مفهوم التنوع والشمول في المدارس؛ ما يعطي الطلاب الوافدين رؤية جديدة عن كيفية تعامل المجتمع مع القضايا المختلفة.

وأشار إلى أن هذا التعليم لا يتعلق “بالمثلية” فقط، بل يشمل الدفاع عن الأقليات، الأعراق المختلفة، الحجاب، والدين، وهو ما يُظهر مدى الانفتاح النسبي للمجتمع على التنوع.

مكاسب وفرص

ولفت إلى أن العيش في ألمانيا يمثل تجربة تثري الفرد بطرق متعددة، إذ إن التجربة تعلم الصبر، والتكيف مع بيئة جديدة، والقدرة على التعامل مع أشخاص من خلفيات ثقافية مختلفة. وقال “حتى لو لم أحقق جميع أهدافي هناك، فإن تجربة العيش بين ثقافات متعددة هي بحد ذاتها إنجاز لا يُقدّر بثمن”. وأضاف أن الغربة تتيح للشباب كسر القيود العقلية، والشعور بالقدرة على الإنجاز في أي بيئة، مؤكدا أن التجربة تمنح الثقة بالنفس وتعلم كيفية التفاعل بفعالية مع المجتمع.

العودة إلى الوطن

وكشف عن أن العودة إلى البحرين، وذلك بعد انتهاء تجربة الغربة، تمثل فرصة لتطبيق ما تم اكتسابه من مهارات ومعرفة، سواء في العمل المجتمعي، التعليم، أو الإعلام؛ لأن التجربة تمنح الشباب القدرة على تقديم نموذج عملي للاندماج الثقافي، وفهم الاختلافات، ونقل تجربة الغربة بشكل إيجابي إلى المجتمع المحلي. وأكد أن التفاعل مع المجتمع المحلي بعد تجربة الغربة يمنحه منظورا أوسع للحياة، ويعلمه كيف يمكن تحويل الخبرة الشخصية إلى مساهمة عملية، مع الحفاظ على احترام الثقافات المختلفة وتقدير قيم المجتمع.

التحديات البارزة

وعن أبرز التحديات التي واجهته، قال: تشمل التعامل مع الثقافة المختلفة، وفهم طريقة تفكير المجتمع الألماني، ومواجهة البيروقراطية، والتعامل مع المواقف الصعبة في الحياة اليومية، لكن هذه الصعوبات كانت فرصة لاكتساب مهارات جديدة، وفهم كيفية التعامل مع المواقف المختلفة بصبر ووعي. وأضاف “التحدي الأكبر هو التأقلم والتقبل، ثم يأتي بعده التعلم من الاختلافات الثقافية والاجتماعية، وكيفية تحويلها إلى تجربة مفيدة”.

الغربة تجربة

تجربة الغربة والدراسة في ألمانيا، وفقا لبن صالح، كانت تجربة غنية ومليئة بالتحديات، لكنها أضافت له الكثير من الخبرة، والثقة بالنفس، والفهم الأعمق للثقافات المختلفة، والتجربة أثبتت أن الغربة ليست عقبة، بل فرصة للتعلم والنمو الشخصي، وأن القدرة على التأقلم والانفتاح على الآخر هي أساس النجاح في أي مجتمع جديد.

وختم بالقول “الغربة تجربة قيمة جدا، ويجب على كل من تتاح له فرصة خوضها أن يستغلها، بغض النظر عن الصعوبات، وكل خطوة نخطوها خارج حدودنا المألوفة تضيف لنا خبرة ومعرفة تجعلنا قادرين على خدمة مجتمعنا بشكل أفضل عند العودة”.