مدينة الشباب.. حين يلتقي الحلم بالوطن
| زهير توفيقي
ليست كل المدن مباني تُشيَّد، فهناك مدن تُبنى في القلوب قبل الخرائط، و”مدينة الشباب 2030” واحدة من تلك المدن التي نشأت من فكرة، ونمت برؤية، واكتملت بعرق الطموحين وأحلامهم. ربما أكون آخر من يكتب عن هذه المدينة الرائعة “مدينة الشباب 2030”، والسبب أنني كنت موجودا خارج البلاد في تلك الفترة، ولكن ذلك لم يمنعني من متابعة فعالياتها وأنشطتها وبرامجها، بل حتى زوارها من الوزراء والمسؤولين والدبلوماسيين والصحافيين والكتاب وغيرهم. شخصيا أؤمن بأنه للكتابة عن أي موضوع يجب أن يكون الكاتب قريباً منه، بهدف التعايش والتفاعل معه ولإعطاء القارئ الكريم الصورة الحقيقية والصادقة، وكما يقول المثل الإنجليزي ‘ seeing is believing ‘. حين زارها جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، فإن زيارة جلالته لم تكن مجرد مرور كريم، بل لحظة استثنائية كتبها التاريخ، فجلالة الملك كان يمشي بين أبنائه، يبتسم لآمالهم، ويصغي إلى أفكارهم، ويزرع في نفوسهم يقينًا بأنهم ليسوا على هامش الوطن بل في قلبه. لحظة كسرت كل الحواجز، وأكدت أن القيادة لا تعني البُعد، بل القرب والإنصات. وعلى خطى تلك الرؤية، جاء دور سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب الذي آمن بالشباب لا كشعار، بل كقضية وجود. كانت مدينة الشباب التي بدأت منذ 14 عاماً ثمرة من ثمار دعمه ورعايته، مشروعًا يعكس قناعته بأن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان. ومن هنا، تحولت هذه المدينة إلى مصنع للإبداع، وجسر يعبر به الشباب من الحلم إلى الواقع. أما وزارة شؤون الشباب، بقيادة سعادة السيدة روان بنت نجيب توفيقي وفريقها المخلص، فقد جسدت روح العمل الجماعي، فصاغت برامجها وأنشطتها لتكون منصات للإلهام والتمكين. وهكذا تلاقت الرؤية الملكية، والدعم القيادي، والعمل المؤسسي، لتُعطي البحرين نموذجًا فريدًا في الاستثمار في الأجيال. وقد حرصت على زيارة مدينة الشباب، فوجدت أن ما قرأته أو سمعته قليل مما شاهدته على أرض الواقع. وجوه يملؤها الأمل، وطاقات تتدفق حماسًا، ومشاريع تعكس فكرًا ناضجًا ورغبة صادقة في الإبداع. أدركت أن هذه المدينة ليست مكانًا للأنشطة فحسب، بل تمثل مختبرا حقيقيا لقيادة الغد، ومدرسة تصنع الثقة والانتماء. لقد تأكدت أن مدينة الشباب 2030 ليست مجرد مشروع شبابي موسمي، بل عنوانٌ لنهج وطني ثابت. كما أن البحرين تُبنى بشبابها، وأن الغد يُصنع اليوم بجهودهم وأحلامهم. وفي كل زاوية من هذه المدينة، تقرأ قصة نجاح جديدة، وتلمس طاقة متجددة تقول بثقة: “المستقبل يبدأ من هنا”. لقد انبهرت بكم ونوعية البرامج والأنشطة في الفترتين الصباحية والمسائية، وأكثر ما لفت نظري، بل نال إعجابي هي البرامج المتنوعة التي تصقل مهارات المشاركين من القيادة والإدارة، وبناء الثقة بالنفس، والكثير من المهارات التي تحتاج إلى صقلها في الشباب. ناهيك عن برامج الذكاء الاصطناعي والابتكار والإعلام والمسرح والشعر، وحتى تنظيم برنامج القيادة والخطابة لذوي العزيمة والقائمة تطول. مدينة الشباب في نسختها 14 استقطبت أكثر من 6000 مشارك من الجنسين ومن مختلف الأعمار. هذا المشروع الذي احتضن هذا العدد الضخم خدم الشباب وعائلاتهم، إذ إن الكثير من العائلات لا تستطيع السفر إلى الخارج في فترة الصيف بسبب وضعها المالي. لذا فإن وجود هذه الأنشطة والبرامج سيقود حتما إلى بناء مجتمع قوي ومستدام، ويمنعهم من ممارسة أي نشاط يسيء لأنفسهم ولغيرهم. ولا شك أن مدينة شباب 2030 تمثل معلماً وطنياً لصناعة الفرص وتحويل الأفكار إلى إنجازات ملموسة، حيث أصبحت منصة حيوية تجمع بين التدريب العملي، والتطوير المهني، وبناء المهارات والقدرات، بما يفتح أمام الشباب البحريني آفاقاً لاكتساب الخبرات والاندماج بثقة واقتدار في سوق العمل، ويعزز مساهمتهم كشركاء فاعلين في المسيرة التنموية الشاملة. أنا على ثقة بأن وزارة شؤون الشباب لن تتردد في زيادة عدد المشاركين في الصيف القادم، لأني على يقين بأن ذلك سيحقق مكاسب كبيرة على شباب هذا الوطن الغالي. كما أتمنى أن تقوم الشركات والمؤسسات والبنوك بدعم هذا المشروع الوطني الناجح بكل المقاييس. كما أن تشكيل هيئة لمجلس إدارة مدينة الشباب سيعطيها زخما كبيرا وقوة للمضي قدماً نحو تحقيق أهدافها التنموية الشاملة والمستدامة. الخلاصة.. مهما بلغت الكلمات من قوة، فإنها تبقى أقل من الواقع، وزيارة مدينة الشباب لا تُقرأ في بيانٍ أو مقال فحسب، بل تُعاش بين قاعاتها وممراتها، حيث ترى الأحلام وقد ارتدت ملامح الشباب، وتلمس الطموح وقد تحوّل إلى مشاريع حقيقية. بوركتم وبوركت مساعيكم.
كاتب وإعلامي بحريني