بمهرجان خيرات النخيل بسوق المزارعين

“حِرف النخلة” تتوارثها الأجيال .. وعراقة في الحفظ للبحرين

| البلاد: المتدربة فاطمة ابراهيم

في زوايا المهرجانات التراثية، وتحت ظلال نخيل البحرين الشامخ، تتجلى قصص الحرف اليدوية التي صمدت أمام الزمن، محافظة على هويتها من جيل إلى جيل. فحرف النخلة ليست مجرد صناعات يدوية، بل إرث وطني يتعهد الأبناء بحفظه على خطى الآباء، مستمدين أدواتهم من سعف النخلة وجذعها وليفها. 

في المهرجان الثقافي والتراثي ”خيرات النخلة“ في نسخته السادسة، شاهدنا وفي مشهد نابض بالأصالة، كيف يُجسّد الحرفي عبد الرضا هلال، المعروف بـ”أبو هلال”، هذه الحكاية المتجذرة. تعلم الحرفة وهو في التاسعة من عمره على يد والده، الذي كان يعلّمه تفاصيل العمل في فترات الإجازة، في قريته كرباباد، المعروفة بتمسكها بهذه الصناعات. 

ومن خلال سرد قصته للـ "البلاد" يقول أبو هلال “كان والدي يوقفني عن العمل مع بداية المدارس، ويعيدني للحرفة في نهاية الأسبوع والإجازات الطويلة”. حتى تمرس وأتقن الصنعة لحين تخرجه، لتبقى الحرفة راسخة في دمه، رافقته حتى بعد انقضاء عقدين في العمل الوظيفي، ليعود إليها اليوم بعقد تقاعده بكل شغف، يمارسها في مجمع العاصمة، ويُمثل بها بلده في المعارض والمهرجانات الدولية.

ولأن الحرفة لا تعترف بالعمر، شهد مهرجان خيرات النخلة، مشاركة مجموعة من الأطفال، الذين أتقنوا المهارات بأسلوب يليق بتراثهم. من بينهم: حيدر علي عبدالله المطاوعة، علي زاهر الدلال، ومحمد منصور جعفر، جميعهم تعلّموا المهنة من آبائهم وأقاربهم، وغاصوا في تفاصيلها بإرادة تحفظ ما تبقى من ذاكرة النخلة.

وفي حوارنا مع الطفل محمد منصور جعفر خلال المهرجان، قال: “أفضل أن أتعلم في شيء يفيدني وأمارس الحرفة التي أحيي بها تراث بلدي، على أن ألعب وأضيع وقتي على الهاتف.”كلمات تختصر وعي جيل جديد، يرى في الموروث كنزًا لا يجب التفريط فيه.

أما الطفل حيدر علي عبد الله، فكان يتقن العمل بجريد النخيل، حيث صنع بيديه “المِنْز”؛ سرير الطفل الرضيع، الذي يشكل من السعف المجفف، وكان يستخدم في البحرين والخليج قديمًا لهز الرضيع وتنويمه.

فيما برز الطفل علي زاهر الدلال بعمله في صناعة “السفرة”، وهي حصير دائري مصنوع من خوص النخيل المجدول، كان ولا يزال يُستخدم لتقديم الطعام بطريقة تراثية.

كما قدم الأطفال نماذج أخرى من الأعمال اليدوية المصنوعة من النخلة، منها: الفِخاخ، أقفاص الدجاج، العريش، الحبال، السلال، الحقائب، الحصير، المهفة. 

كل هذه المنتجات، من أياد بحرينية، تؤكد أن النخلة لم تكن يومًا مجرد شجرة، بل كانت وما زالت إرثًا حيًّا تتناقله الأجيال، صغيرها وكبيرها، لتبقى رمزًا للعطاء، ومصدرًا للرزق، وساحة للإبداع، وجسرًا يعبر بنا نحو تراثنا الأصيل.