قراءة تحليلية في الاستثمارات والاقتصاد السوري
| عمر الكعابنة
قرار ترامب بإنهاء العقوبات استند إلى رؤية سياسية ترتكز على البراغماتية الاقتصادية القرار يهدف لكبح تمدد خصوم الولايات المتحدة وإعادة فتح السوق السورية أمام الشركات الغربية الاقتصاد السوري يعاني أزمة هي الأسوأ منذ عقود نتيجة الحرب الطويلة والعقوبات الغربية وتدمير البنى التحتية فرصة للحصول على تمويل خارجي وتسهيل حركة التحويلات المالية والاستثمارية
في خطوة إيجابية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يونيو 2025 عن رفع غالبية العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، يأتي هذا التحول في ظل محاولات إعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي والدولي، وإعطاء فرصة للنمو الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب. يُمثل هذا القرار منعطفا مهما في السياسة الأميركية الشرق أوسطية، ويفتح الباب أمام تدفقات استثمارية محتملة من الدول العربية والغربية، ما يستدعي قراءة تحليلية دقيقة للفرص والتحديات الاقتصادية المقبلة.
أولا: السياق السياسي لقرار ترامب أتى قرار ترامب بإنهاء العقوبات استنادا إلى رؤية سياسية ترتكز على البراغماتية الاقتصادية، إذ اعتبر أن العقوبات المفروضة على سوريا قد فشلت في تحقيق نتائج سياسية ملموسة. وبالنظر إلى المتغيرات الجيوسياسية، رأى ترامب أن الوقت مناسب لإعادة توجيه السياسة الأميركية تجاه سوريا عبر القنوات الاقتصادية؛ بهدف كبح تمدد خصوم الولايات المتحدة وإعادة فتح السوق السورية أمام الشركات الغربية. كما ترافق القرار مع بوادر سياسية من دمشق، شملت تشكيل حكومة انتقالية مؤقتة وتقديم تعهدات بإطلاق إصلاحات اقتصادية وهيكلية.
ثانيا: الواقع الاقتصادي السوري حاليا يعاني الاقتصاد السوري من أزمة خانقة هي الأسوأ منذ عقود، نتيجة الحرب الطويلة والعقوبات الغربية وتدمير البنى التحتية. تشير تقديرات المؤسسات المالية الدولية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لسوريا في العام 2023 تراوح بين 29 و60 مليار دولار، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار في التقديرات بسبب ضعف الشفافية. وشهد الاقتصاد السوري انكماشا بلغ نحو -1.5 % في العام 2024، مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية. أما على مستوى الأسعار، فقد سجلت البلاد معدلات تضخم تجاوزت 25 % سنويا، وسط تدهور كبير في قيمة الليرة السورية، التي وصلت إلى نحو 15,000 ليرة مقابل الدولار الأمريكي بحلول منتصف 2025. وترافق هذا الانهيار المالي مع نسب بطالة مرتفعة تجاوزت 15 %، فيما يعيش أكثر من 69 % من السوريين تحت خط الفقر، بينهم نحو 27 % يعانون من فقر مدقع، ما يعكس هشاشة الوضع المعيشي والاقتصادي.
ثالثا: التوقعات الاستثمارية بعد رفع العقوبات يُتوقع أن يسهم قرار رفع العقوبات في فتح أبواب جديدة أمام الاستثمارات، خصوصا مع إمكان عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي، ما يتيح الحصول على تمويل خارجي وتسهيل حركة التحويلات المالية والاستثمارية. من بين أبرز القطاعات المرشحة للاستثمار هناك مشروعات الطاقة، حيث تخطط الحكومة لتنفيذ مشروعات ضخمة لإنتاج ما يقارب 4000 ميجاواط من الطاقة الغازية و1000 ميجاواط من الطاقة الشمسية، بدعم مباشر من مستثمرين خليجيين وأميركيين. كما يُتوقع أن تستقطب عمليات إعادة الإعمار استثمارات ضخمة، خصوصا في مجالات الإسكان والنقل والاتصالات والصناعات الزراعية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى إمكان دخول ما بين 5 و10 مليارات دولار من الاستثمارات بالعامين المقبلين، خصوصا من دول الخليج مثل السعودية والإمارات وقطر، التي بدأت بالفعل بعقد محادثات تمهيدية مع شركاء سوريين. أما الشركات الأميركية، فمن المرجح أن يكون دخولها حذرا ومحدودا، مركّزا على القطاعات الخاصة وتحت ضمانات قانونية صارمة.
رابعا: التحديات التي تواجه الاستثمارات على الرغم من الإيجابية الظاهرة في قرار رفع العقوبات، إلا أن عقبات عدة ما تزال قائمة أمام المستثمرين. فبعض العقوبات الفردية المتعلقة بشخصيات في النظام السوري ما تزال فعالة، ما يُبقي حالة من الحذر لدى الشركات الدولية. كما يشكل غياب الاستقرار الأمني الكامل تهديدا مباشرا لأي استثمار طويل الأمد، خصوصا في المناطق التي لم تُحسم فيها السيطرة بشكل نهائي. وإضافة إلى ذلك، ما تزال البيئة القانونية في سوريا تعاني من ضعف واضح، مع غياب نظام قضائي نزيه وشفاف قادر على حماية الاستثمارات الأجنبية. ويبقى قانون قيصر، المعتمد من الكونغرس الأميركي، عقبة إضافية، إذ إنه لم يُلغَ بالكامل رغم الخطوات التي اتخذها ترامب، ما يترك حالة من الغموض القانوني لدى المستثمرين، خصوصا في ما يتعلق بالتعاملات بالدولار الأميركي.
خامسا: السيناريوهات المستقبلية المحتملة في ظل هذا التحول السياسي، يمكن تصور سيناريوهات عدة لمستقبل الاقتصاد السوري. في السيناريو المتفائل، قد تؤدي التسهيلات الأميركية إلى تدفق استثمارات عربية واسعة، وتطبيع إقليمي شامل مع سوريا، ودعم أميركي تدريجي يمهد لعودة كبرى الشركات الغربية إلى السوق السورية. أما في السيناريو الواقعي، فقد تقتصر الاستثمارات على مشروعات البنى التحتية والطاقة، مع اشتراطات سياسية واضحة لتمويل عمليات إعادة الإعمار، فيما تُبقي الولايات المتحدة بعض العقوبات كأداة ضغط مستمرة. أما السيناريو المتشائم، فيفترض تعثر الحكومة الانتقالية في تنفيذ إصلاحات فعلية، وتأخر الاستثمارات؛ بسبب استمرار الفساد وانعدام الأمن، مع احتمال عودة التوترات الإقليمية والدولية التي تعرقل أي تقدم اقتصادي.
خاتمة يمثل قرار ترامب برفع العقوبات عن سوريا تحولا استراتيجيا في مسار العلاقات بين واشنطن ودمشق، ويُعد فرصة نادرة لإعادة بناء الاقتصاد السوري المنهك. إلا أن هذه الفرصة تظل رهينة بمدى جدية الحكومة السورية في تنفيذ إصلاحات جذرية وتهيئة بيئة استثمارية شفافة وآمنة. كما أن مواقف القوى الإقليمية والدولية، لاسيما الكونغرس الأميركي والاتحاد لنهوض اقتصادي شامل، سيكون لها تأثير مباشر على حجم ونوعية الاستثمارات المتدفقة إلى سوريا. في النهاية، فإن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان القرار سيمثل بداية حقيقية قليل.