عندما يصبح الذكاء نقمة في زمن الاحتيال والنصب

تحقيق "البلاد": حجم النصب في العام 2024 يقدر بتريليون دولار خسائر سنوية

| الصحافي الافتراضي “عبدالله”

الفئة العمرية من 30 إلى 44 عاما والأذكياء الناجحون هم الأكثر عرضة للنصب الذكاء العاطفي.. الدرع الواقية ضد الوقوع في الاحتيال

 

“اسمي ماريام، أرملة لرجل أعمال توفي في حادث، وليس لدي أبناء، أريد أن أترك لك 750 ألف دولار من ثروتي، لكنني بحاجة إلى رسوم قانونية بسيطة لنقل الملكية، هل يمكنك مساعدتي؟”.

قد يكون واضحا للغاية أن هذه الرسالة الافتتاحية رسالة “نصب واحتيال”، لكنها كانت في وقت مضى قبيل دخول “السوشيال ميديا”، بوابة لواحدة من أكثر عمليات الاحتيال تطورًا في العصر الرقمي، إذ تختلط العاطفة بالتكنولوجيا، والثقة بالخديعة، ومازالت مستمرة حتى وقتنا هذا ويقع في شباكها الكثيرون.

في هذا التحقيق الذي يكشف النقاب عن عالم خفي من الاحتيال، ليس عبر اختراقات إلكترونية فحسب، بل عبر استغلال نقاط الضعف النفسية لدى الأفراد، حتى الأذكياء والمتعلمين منهم.

 

من الأكثر عرضة للنصب؟

صورة مغايرة للضحية

من المخيف أن الضحايا ليسوا دائمًا من غير المتعلمين أو من الفئات الهشة، على العكس، كثير من الضحايا هم من الأذكياء، الناجحين، وحتى أصحاب النفوذ.

مالك شبكة “فوكس”، روبرت مردوخ، خسر 125 مليون دولار في قضية “ثيرانوس”، ووزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، كان من ضحايا مؤسِّسة الشركة إليزابيث هولمز. كذلك وزير الدفاع الأميركي السابق جيمس ماتيس. والسبب وراء ذلك، هو الثقة الزائدة والإحساس بالمناعة ضد النصب.

وأظهرت دراسة أوروبية أن العمر والجنس والتعليم ليست عوامل حاسمة في تحديد من سيقع ضحية، بل إن أكثر من يقع في الفخ هم الفئة العمرية من 30 إلى 44 عاما.

والنساء غالبًا يُستهدفن بمسابقات وهمية أو جوائز مزيفة. الرجال يُستهدفون بمشروعات استثمارية مربحة. الكبار يُستهدفون بعلاجات تعيد الشباب، والشباب يُستهدفون بوظائف أو علاقات زائفة، المفاجأة الكبرى أن كثير من هؤلاء يملكون مستوى ذكاء مرتفع، ودخلا فوق المتوسط.

وفي دراسة للمفوضية الأوروبية، تبين أن 79 % من الضحايا يعانون آثارا نفسية وجسدية طويلة المدى مثل الاكتئاب والخزي والانعزال الاجتماعي، مقارنة بـ 24 % فقط يعانون خسائر مالية مباشرة. إذن، فإن الألم الأكبر ليس في فقدان المال، بل في فقدان الثقة بالنفس.

 

ذكاؤك لا يحميك..

لكن ذكاءك العاطفي قد يفعل

الصفة المشتركة لدى الضحايا ليست الغباء، بل الاندفاع، والتسرع، والثقة الزائدة، وتشير دراسة علمية نُشرت بالعام 2018 إلى أن هناك علاقة عكسية بين الذكاء العاطفي وقابلية الشخص للوقوع في الاحتيال، وكلما ارتفع الذكاء العاطفي، زادت قدرة الشخص على استشعار الكذب حتى دون دليل واضح.

في الماضي، كان النصاب يرسل رسائل عامة لآلاف الناس ويأمل أن يقع أحدهم في الفخ، اليوم، تطورت التقنية إلى ما يُعرف بـ “Spear Phishing” أو التصيّد الدقيق.

يبحث النصاب في حساباتك على “فيسبوك”، “تويتر”، “لينكدإن”؛ ليرى نقاط ضعفك، اهتماماتك، علاقاتك، ثم يرسل رسالة تظهر كأنها من جهة موثوقة، ويطلب خطوة صغيرة: فتح رابط، أو إرسال رقم، أو تحويل مبلغ صغير، ومن هناك، تبدأ السلسلة.

يقول الباحث الأمني مارسيل كارسون “النصابون اليوم أصبحوا أشبه بالمحللين النفسيين.. فهم لا يبحثون عن معلوماتك فقط، بل عن شخصيتك”.

ليست كل الهجمات الرقمية مبنية على كود خبيث أو فايروس، كثير من عمليات الاحتيال تبدأ برسالة بسيطة: “حدث بياناتك” أو “لقد وصلتك أموال، افتح الرابط”، هذه التقنية تُعرف باسم “الهندسة الاجتماعية”.

وفي كتاب “Think Like a Freak”، يشير الكاتبان ستيفن ليفيت وستيفن دوبنر إلى أن النصاب الذكي لا يوجه رسائله إلى الجميع، بل يستخدم رسائل غير معقولة عمدًا لفلترة غير القابلين للتأثر بها، ويحتفظ فقط بأكثر الناس استعدادًا للوقوع في الفخ.

حتى “رسالة الأمير النيجيري” المشهورة والقديمة نوعا ما تزال تعمل ووفق تقرير “فاينانشال تايمز” للعام 2019، وما تزال تحقق أرباحًا مهولة بسبب تصميمها غير المنطقي الذي يستهدف الفئة الأكثر قابلية.

 

حجم النصب عالميا: تريليونات تتبخر بصمت

وفقًا لتقرير التحالف العالمي لمكافحة الاحتيال “ACFE”، بلغت خسائر الاحتيال في العام 2024 وحده نحو تريليون دولار، وهو رقم مذهل، يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لدولة كبرى مثل سويسرا. وإذا احتسبنا أنواع الاحتيال الأخرى كالرشوة، والفساد، والاختلاس، فإن الرقم يقفز إلى 5 تريليونات دولار سنويًا، بما يعادل 7 % من الإنفاق العالمي.

الخطير في الأمر أن هذه الإحصاءات قد تكون أقل من الواقع؛ لأن معظم الضحايا لا يُبلغون عما تعرضوا له خشية وصمة “السذاجة”، أو بسبب قناعتهم بأن استرجاع الأموال شبه مستحيل (تقدّر فرص استرجاع الأموال بـ 4 % فقط).

 

خسر الأميركيون 10 مليارات دولار بسبب الاحتيال في عام واحد

وفقًا لبيانات لجنة التجارة الفيدرالية “FTC”، خسر الأميركيون نحو 10 مليارات دولار بسبب الاحتيال في العام 2023، لكن ما أنواع الاحتيال التي يُرجَّح أن يقعوا ضحايا لها؟

أكثر أنواع الاحتيال شيوعًا، بحسب بيانات من “YouGov Profiles”، هو الاحتيال البنكي أو احتيال بطاقات الائتمان، إذ تعرّض له 26 % من الأميركيين عموما. ويُعدّ كبار السن الذين تبلغ أعمارهم 55 عامًا أو أكثر أكثر عرضة لهذا النوع من الاحتيال (35 %)، بينما تقل النسبة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا.

في المرتبة الثانية من حيث الشيوع، يأتي كل من احتيال الهوية واحتيال أمان البيانات بنسبة 13 % لكل منهما، يليهما الاحتيال في التسوق أو المزادات بنسبة 10 %. وفي كل هذه الحالات، يظهر أن الأميركيين الأصغر سنًا أقل عرضة لهذه الأنواع من الاحتيال مقارنة بكبار السن.

لكن لا يعني هذا أن كبار السن في الولايات المتحدة أكثر عرضة لجميع أنواع الاحتيال. فعلى سبيل المثال، 8 % من الأميركيين وقعوا ضحية لاحتيال العلاقات العاطفية (romance fraud)، لكن هذه النسبة ترتفع إلى 11 % بين فئة 18 - 34 عامًا، بينما تنخفض إلى 5 % فقط بين من هم فوق 55 عامًا (وربما يكون هذا بسبب قلة نشاط كبار السن على تطبيقات المواعدة).

وبالنسبة للاحتيال في التبرعات الخيرية، فإن 10 % من فئة الشباب (18 - 34) قد وقعوا ضحية له، مقارنة بـ 3 % فقط من من تجاوزوا 55 عامًا.

ومع ذلك، فإن 38 % فقط من الأميركيين يمكنهم القول إنهم لم يتعرضوا لأي نوع من أنواع الاحتيال، وهي نسبة متقاربة بين الفئات العمرية:

 

- 39 % من فئة 18 - 34

- 37 % من فئة 35 - 54

- 36 % من فئة 55 +

 

كيف نحمي أنفسنا؟

شكّك دائمًا: لا تُصدّق أي رسالة تطلب بيانات أو أموال، حتى لو بدت من مصدر موثوق.

لا تتسرّع: لا تقرر تحت ضغط “الفرصة الأخيرة”.

اسأل خبيرًا: قبل أن تحول الأموال أو تشارك معلوماتك، استشر شخصًا محايدًا.

درّب نفسك على الشك: كما تتعلم قيادة السيارة، تعلم قيادة آمنة للإنترنت.

ارفع ذكاءك العاطفي: لا تحكم فقط بعقلك، بل بقلبك. الإشارات الصغيرة غالبًا ما تنقذك.

في النهاية، الاحتيال ليس جريمة ضد الأغبياء، بل ضد البشر. وكل إنسان قابل أن يكون ضحية، إذا نُقر على الوتر الصحيح.

 

المصادر: 

تقرير التحالف العالمي لمكافحة الاحتيال “ACFE” كتاب “Think Like a Freak” “فاينانشال تايمز” (FT)  “Neural Technologies” “إندبندنت العربية”  دراسة بعنوان “الذكاء العاطفي واتخاذ القرار في عمليات الاحتيال المالي”