“المثلث الذهبي” يعلن ولادة نظام عالمي بديل: قراءة في إنجازات قمة الصين-آسيان-الخليج

| أ.د. دينغ لونغ، أستاذ بمعهد الدراسات شرق الأوسطية في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية

 يكمن الإنجاز الأساسي للقمة في تحقيق التركيبة الذهبية “التكنولوجيا + الموارد + رأس المال”  “المثلث الذهبي” يغطي 2.15 مليار نسمة ويبلغ حجم اقتصاده 24.87 تريليون دولار  القمة وصفها المراقبون الدوليون بـ”التحالف الاقتصادي الآسيوي الجديد”

في 27 مايو 2025، شهدت كوالالمبور العاصمة الماليزية انعقاد القمة الأولى بين الصين ورابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجلس التعاون الخليجي، التي أعلنت رسمياً عن تشكيل “المثلث الذهبي” الذي يغطي 2.15 مليار نسمة ويبلغ حجم اقتصاده 24.87 تريليون دولار. هذه القمة التي وصفها المراقبون الدوليون بـ”التحالف الاقتصادي الآسيوي الجديد”، لم تكتفِ بإصدار بيان مشترك من 4234 كلمة، بل قدمت نموذجاً للتعاون بين دول الجنوب العالمي في ظل صعود النزعات الأحادية بحيث تساهم في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للجنوب العالمي. الأثر التكاملي الاقتصادي - بناء كتلة اقتصادية مقاومة للمخاطر يكمن الإنجاز الأساسي للقمة في تحقيق التركيبة الذهبية “التكنولوجيا + الموارد + رأس المال”: حيث توفر الصين النظام الصناعي الأكمل عالمياً والتقنيات المتقدمة، وتقدم آسيان سوقاً استهلاكياً من 600 مليون نسمة وقدرات تصنيعية كبيرة، بينما يتمتع مجلس التعاون الخليجي بصناديق ثروة سيادية تريليونية و40 % من احتياطيات النفط العالمية ليشكل دعامتي رأس المال والطاقة. تجسد هذا التكامل في ستة مجالات تعاون رئيسية بالبيان المشترك، تشمل التكامل الاقتصادي وأمن الطاقة والتحول الرقمي. وتتجلى ملامح هذا التعاون الثلاثي في ثلاث تحولات جوهرية: أولا: إعادة هيكلة عميقة لسلاسل التوريد - مثل اعتماد السعودية لتقنيات خفض الانبعاثات الصينية في تكرير النفط، وتوريد إندونيسيا لخام النيكل مباشرة إلى مصانع البطاريات الفيتنامية، مما شكل سلسلة جديدة “استخراج من الخليج - تصنيع في جنوب شرق آسيا - إنتاج ذكي في الصين” بتكلفة أقل بـ 30 % من النمط التقليدي ثانيا: ابتكار آليات التعاون المالي عبر التسويات بالعملات المحلية وبناء صناديق استثمار مشتركة لمواجهة تدفقات رأس المال الخارجية بسبب رفع الولايات المتحدة لأسعار الفائدة. ثالثا: تجاوز حجم التبادل التجاري الثلاثي 900 مليار دولار عام 2024، بما يساوي ضعفا لحجم تجارة آسيان مع الولايات المتحدة، ما يعكس إمكانات وطموحات الشرق لإعادة صياغة قواعد التجارة العالمية. القيمة الجيواستراتيجية - الحل الشرقي لتفكيك “إطار المحيطين الهندي والهادي” يحمل اختيار ماليزيا مكاناً للقمة دلالة خاصة، حيث كانت هذه الدولة الرئيسة الدورية لآسيان قد أعلنت المبادرة الثلاثية في بيانها المشترك مع الصين بتاريخ 17 أبريل. بخلاف التحالفات الغربية الاستبعادية، يؤكد البيان المشترك خمس مرات على مركزية آسيان في البنية الإقليمية، مقدماً نموذجاً جديداً للحوكمة يقوم على التعددية بقيادة دول متوسطة الحجم. على مستوى المواجهة الجيواستراتيجية، تشكل القمة ضغطاً على الهند عبر ربط دول المحيط الهندي (بنغلاديش، المالديف، سريلانكا) مع دول آسيان الإسلامية وروابطها الدينية مع الخليج، مما يحاصر التمدد الاستراتيجي الهندي. الأهم من ذلك، تربط هذه الآلية للمرة الأولى منطقتي آسيا-المحيط الهادئ والشرق الأوسط، متيحاً للصين تجنب مأزق مضيق ملقا عبر طرق برية مباشرة إلى الخليج العربي. الابتكار في الحوكمة العالمية - نموذج عملي لمقاومة “الانعزالية العالمية” في مواجهة حرب التعريفات التي شنتها إدارة ترامب، أكد البيان المشترك على “تعزيز الثقة بنظام منظمة التجارة العالمية متعدد الأطراف”، مما رفع قدرة التفاوض الجماعي للدول الـ21. وبين عامي 2017 - 2024، شهدت التجارة الثلاثية زيادة قدرها 375 مليار دولار، متفوقة بثلاثة أضعاف على زيادة حجم التجارة مع الولايات المتحدة، ما يؤكد على الجدوى الاقتصادية  “الإقليمية المنفتحة”. في مجال التحول الطاقوي، تجاوزت القمة نمط تجارة النفط التقليدي عبر إدراج التعاون في تقنيات الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية، الهيدروجين).  وتستثمر دول الخليج في التقنيات الصينية عبر صناديقها السيادية، بينما تستفيد من قدرات آسيان التصنيعية، بحيث كوّنت مثلثاً جديداً “دول الموارد - دول التكنولوجيا - دول الإنتاج” ما يقدم مساراً عملياً لإدارة التغيرات المناخية العالمية. بواكير القرن الآسيوي الجديد كما أوضح رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ في كلمته في القمة: “يتعين على دولنا استخدام مزايا كل دولة لتمكين الآخرين والاستفادة من مزايا الآخرين للتطوير الذاتي”، إذ يشكّل هذا المنطق علاقات دولية جديدة تتجاوز اللعبة الصفرية. عندما تلتقي “مصنع العالم” في آسيان و “قاعدة الإنتاج الذكي” الصينية و “خزانة النفط” الخليجية في إطار مؤسساتي، فإن تأثيراتها لن تقتصر على إعادة رسم خريطة التجارة العالمية، بل قد يعيد تشكيل قواعد النظام الدولي في مرحلة ما بعد الهيمنة الغربية.