تحقيق "البلاد": “قانون الإفلاس” بين غاية التشريع وســـوء الاستخـــدام!
| عمر الكعابنة
ثغرات قانونية وغياب الرقابة تستغلها الشركات للتهرب من الديون والقضاء في المرصاد قانون الإفلاس البحريني وُضع لإنقاذ الشركات لا لتهربها من الديون
تلجأ بعض الشركات التي تريد التهرّب من مسؤولياتها المالية إلى محاولة الاحتماء وراء أحكام قانون إعادة التنظيم والإفلاس، مستغلة بعض الثغرات أو الإجراءات الشكلية لتفادي سداد الديون أو لتأخير استحقاقاتها، في صورة لا تعبّر عن الغاية الحقيقية التي سُنّ من أجلها هذا القانون. فرغم أن المشرّع البحريني قد أقرّ هذا القانون برؤية إصلاحية تهدف إلى إنقاذ الكيانات الاقتصادية المتعثرة وتمكينها من إعادة الهيكلة بدلًا من التصفية، إلا أن الواقع العملي أفرز حالات حاول فيها البعض تطويع النصوص لأهداف تتعارض مع مبدأ حسن النية. في هذا التحقيق ، نسلّط الضوء على الإطار القضائي والرقابي الذي يحيط بتطبيق قانون الإفلاس في مملكة البحرين، من خلال آراء قانونية متخصصة قدّمها المحاميان الأستاذ سعد جابر الدوسري والأستاذ محمد فخرو، حيث استعرضا الآليات التي يعتمدها القضاء البحريني لضمان عدم إساءة استخدام القانون، إضافة إلى التعديلات التي أُدخلت عليه عام 2020 لتكريس الشفافية، وتعزيز دور الدائنين، وفرض جزاءات صارمة على من يحاول التحايل أو التلاعب. في ذات السياق، أكد المحامي سعد جابر الدوسري أنه قد تلجأ بعض الشركات إلى استغلال قوانين الإفلاس كوسيلة للتخلص من الديون والمسؤوليات المالية القائمة، يُعزى ذلك في بعض الأحيان إلى وجود ثغرات قانونية قد تسمح بإعادة هيكلة الديون أو تصفية الأصول دون الالتزام الكامل تجاه الدائنين، ومع ذلك، قد يكون هناك خلل قانوني في غياب الرقابة الصارمة أو المعايير الواضحة التي تحدد متى يكون الإفلاس مبررًا، مما يُفسح المجال لاستخدام القانون بطرق غير مقبولة. وفي السياق العملي، يتميز النظام القضائي البحريني برقابة صارمة وفعالة على دعاوى الإفلاس وإعادة التنظيم، حيث تم رفض عدد كبير من هذه الدعاوى لعدم التزامها بالشروط القانونية المنصوص عليها. كما أن هناك تدقيقًا دقيقًا في التقارير المالية المقدمة لضمان دقتها وشموليتها. هذا يعكس تبني النظام القضائي البحريني لمنهج دقيق في تقييم طلبات الإفلاس، حيث يتطلب تقديم الأدلة الكافية لدعم الادعاءات المقدمة. ويُظهر حرص القضاء على منع استغلال قوانين الإفلاس كوسيلة للتهرب من الديون الشرعية، مما يبرز وجود معايير قضائية واضحة تهدف إلى حماية مصالح جميع الأطراف المعنية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن إنشاء مراكز قانونية أو مالية زائفة بهدف الحصول على موافقة المحكمة لإعلان الإفلاس يخضع لرقابة صارمة. وبحسب تجاربنا ، نرى بأن القضاء البحريني يعمل على التدقيق والتحقق من نوايا الشركات لضمان عدم إساءة استخدام الإجراءات القانونية، مما يعكس التزاماً قوياً بحماية مصالح جميع الأطراف وضمان استخدام آلية الإفلاس بشكل عادل وشفاف. هذا النهج الرقابي يعزز الثقة في النظام القانوني ويضمن عدم إساءة استخدامه. حول حاجة القانون للتعديلات، أشار الدوسري أنه في ضوء التعديل لعام 2020، يمكن القول إن القانون البحريني لإعادة التنظيم والإفلاس قد شهد تحسينات تهدف إلى تعزيز الشفافية والعدالة في إدارة قضايا الإفلاس، وأهم التعديلات التي تمت على القانون رقم (22) لسنة 2018 تشمل: - المشاركة والإجراءات: تم تعديل المادة (19) لتؤكد حق المدين والدائنين وأي صاحب مصلحة في المشاركة في إجراءات الإفلاس والحصول على المعلومات اللازمة من المحكمة أو أمين التفليسة، مما يعزز الشفافية والوضوح في العمليات القانونية. - الطعن والاستئناف: عدلت الفقرة (ب) من المادة (30) لتحدد أن الطعن في قرارات المحكمة يتم أمام محكمة الاستئناف العليا المدنية خلال ثلاثين يوماً، مع إمكانية وقف القرار بالطعن بناءً على قرار محكمة الاستئناف، مما يوفر مرونة في معالجة النزاعات. - تعيين أمناء التفليسة: شملت المادة (33) تعديلات على كيفية تعيين أمناء التفليسة، حيث يمكن للدائنين الذين يمثلون نسبة معينة من الديون طلب تعيين أمين آخر، مما يتيح للدائنين دوراً أكبر في اختيار من يدير أصول التفليسة. - التصرف في الأصول الرئيسية: تمت إضافة مادة جديدة برقم (56) مكرراً تحدد الشروط والإجراءات الواجب اتباعها عند بيع أو التصرف في جزء رئيسي من أصول التفليسة، ما يضمن موافقة الدائنين ويعزز من الرقابة المحكمة على هذه التصرفات. وأكد، هذه التعديلات تهدف إلى تحسين إدارة قضايا الإفلاس وضمان حماية مصالح جميع الأطراف المعنية، من خلال تعزيز الشفافية والمشاركة الفعالة للدائنين في الإجراءات. وأخيراً، ستكشف التجربة عن الحاجة إلى أي تعديلات إضافية، وحالياً القانون بوضعه الحالي يوفر إطاراً قانونياً متيناً للتعامل مع قضايا الإفلاس. من ناحيته نوه المحامي محمد فخرو على امر في غاية الأهمية وهو ان المشرع البحريني حينما قام بسن احكام قانون إعادة التنظيم والافلاس فقد وضع في نصب عينيه هدف رئيسي وهو إعادة تنظيم اعمال المـدين –المؤسسات او الشركات التجارية- وتجنُّب تصفيتها كلما كان ذلك ممكناً على نحو معقول، ويتحقق ذلك من خلال وضع خطط و إجراءات تساعد المؤسسة او الشركة التجارية على الخروج من مرحلة الاضطراب المالي لمحاولة سداد الديون ، وهو ما تقوم به المحكمة المختصة بالفعل في الواقع العملي لتطبيق اهداف المشرع البحريني وتحقيق العلة التشريعية من سن قانون إعادة التنظيم والإفلاس رقم (22) لسنة 2018.
وأضاف، للأسف الشديد ساد الاعتقاد لدى الوسط التجاري بأن احكام قانون إعادة التنظيم والإفلاس تعد وسيلة لهروب اصحاب المؤسسات او الشركات التجارية من سداد الديون التي في ذمتهم ، إلا ان هذا الاعتقاد غير صحيح. حيث ان المشرع البحريني في قانون إعادة التنظيم والافلاس رقم 22 لسنة 2018 قد وضع شروط لابد من تحققها لقبول دعوى المدين لافتتاح إجراءات الإفلاس حيث اشترط تحقق الشروط التالية: -1 عجز المدين عن دفع ديونه خلال ثلاثين يوما من تاريخ استحقاقها او انه سوف يعجز عن دفعها في مواعيد استحقاقها . -2 اذا كانت قيمة الالتزامات المالية تتجاوز قيمة اصوله . بل ان المشرع البحريني قد اعطى الحق كذلك للدائن برفع دعوى قضائية ضد المدين للمطالبة بإفتتاح إجراءات الإفلاس وذلك في حال توافر الشروط التالية:- -1 إذا عجـز المدين عن دفْع دينه في موعد استحقاقه بعد إعذاره كتابياً، وعدم المبادرة بالوفاء به خـلال ثلاثين يوماً من تاريخ إعذاره. -2 إذا كانت قيمة التزامات المدين المالية تتجاوز قيمة أصوله. -3 يجب أن تُرفع لائحة دعوى الإفلاس من ثلاثة دائنين على الأقل إذا كان مجموع مطالباتهم يقل عن عشرين ألف دينار. ولضمان حقوق الدائنين فقد اعطى المشرع البحريني الدائنين الحق بالاعتراض على قرار المحكمة المؤقت لإفتتاح إجراءات الإفلاس وذلك خلال الميعاد القانوني. وبين فخرو أن المشرع قد اعطى الدائنين وكل من له مصلحه في الدعوى في حال تمت الموافقة على افتتاح إجراءات الإفلاس الحق في المشاركة في إجراءات الإفلاس وفي الحصـول – من المحكمة أو أمين التفليسة – على المعلومات المتعلقة بأعمال المدين وأموره المالية والإجراءات والتدابير المتخَذة، وذلك كله وِفقاً لأحكام هذا القانون مع الاخذ بعين الاعتبار بسرية تلك المعلومات والبيانات . وتابع ، أن مما يؤكد على ان احكام قانون إعادة التنظيم والافلاس قد وضع ضمانات حقيقية وفعالة تحد قدر الإمكان من تلاعب وتعمد بعض التجار او أصحاب الشركات ضعفاء النفوس من اصطناع الإفلاس بغية الاستفادة من احكام القانون للهروب من الديون ، وهو قيام المشرع البحريني بإعطاء الحق للمحكمة من تلقاء نفسها او بناء على طلب يقدم من أي شخص له مصلحه بفرض غرامة مالية لا تتجاوز العشرين الف دينار ونشر قرار الغرامة على نفقة المحكوم عليه في صحيفة يومية سواء في مملكة البحرين او خارجها على المدين الذي يتعَمُّد اصطناع الإفلاس . كما ان الباب السابع من قانون إعادة التنظيم والافلاس قد وضع احكام تتعلق بالمسئولية الجنائية وقرر بأن يعاقَب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبالغرامة التي لا تقل عن خمسمائة دينار بحريني ولا تجاوِز مائة ألف دينار بحريني أو بإحدى هاتين العقوبتين، على وجه التحديد كل من: - أخفى عمْداً كل أمواله أو بعضها أو غالَى في تقديرها؛ وذلك بقصد الحصول على إجراء من إجراءات الإفلاس. - مكَّن عمْداً دائناً وهمياً أو ممنوعاً من الاشتراك في إجراءات الإفلاس أو مغالياً في دَينه من الاشتراك في المداولات والتصويت أو تركه عمْداً يشترك في ذلك. - تعَمَّد المغالاة في تقدير ديونه. - عقَد مع المدين اتفاقاً سرياً يُكسِبه مزايا خاصة إضراراً بباقي الدائنين مع علمه بذلك. - قام بسداد ديون بعض دائنيه أو منَحهم حق ضمان بقصد الإضرار بالدائنين الآخرين، وترتَّب على ذلك السداد عجْزُه على تسوية ديونهم بالكامل. - قدَّم إلى المحكمة أو إلى أمين التَّفْليسة بيانات كاذبة أو مضلِّلة مع علمه بذلك. - حجَب عمْداً عن المحكمة أو عن أمين التَّفْليسة أية بيانات أو معلومات أو سجلات أو مستندات من تلك التي يتعيَّن عليه تزويد المحكمة أو أمين التَّفْليسة بها، أو حال عمْداً دون تمكينهما من الاطلاع عليها. ومن ثم فإنه باستقراء كافة تلك الشروط والأحكام القانونية سوف نستنبط بأن المشرع البحريني قد اسبغ الحماية القانونية لحقوق الدائنين ، كما وضع قواعد عامة ومجرد تحاكي قدر الإمكان الحالات التي من الممكن ان يقوم بها المدين عند إساءة استعمال القانون للإستفادة من احكامه بغية التهرب من سداد الديون التي في ذمته اضرارا بدائنيه ووضع جزاءات عليها . وفي الختام أكد فخرو أن قانون إعادة التنظيم والافلاس كسائر القوانين تعد نتاج فكر بشري لذلك فإنه قد يحتاج الى تعديل في احكامه حتى تواكب الواقع الاقتصادي. في المحصلة، كشف التحقيق عن أن بعض الشركات في البحرين تسعى إلى استغلال قانون إعادة التنظيم والإفلاس للتهرب من التزاماتها المالية، مستفيدةً من ثغرات أو إجراءات شكلية تتعارض مع مبدأ حسن النية والغاية الأصلية من القانون، والتي تهدف إلى إنقاذ الكيانات المتعثرة عبر إعادة الهيكلة بدلاً من التصفية. ورغم هذه الممارسات، فإن النظام القضائي البحريني يمتلك آليات رقابية صارمة، بما في ذلك رفض الدعاوى غير المبررة، والتدقيق في التقارير المالية، وفرض جزاءات على التحايل، مما يحد من إساءة استخدام القانون، كما أن التعديلات التي أُدخلت عام 2020 عززت الشفافية وحقوق الدائنين، مثل مشاركتهم في اختيار أمناء التفليسة والرقابة على بيع الأصول. كما أكد الخبراء القانونيون أن التشريع البحريني يوفر ضمانات قوية لحماية الدائنين، مثل اشتراط إثبات العجز المالي، وفرض عقوبات جنائية على من يصطنع الإفلاس، إلا أن التحديات العملية تكشف عن حاجة محتملة لتعديلات مستقبلية لسد أي ثغرات متبقية. وأشار المحاميان إلى أن القضاء يلعب دوراً حاسماً في موازنة مصالح الأطراف، عبر منهجية دقيقة في تقييم طلبات الإفلاس، مما يعزز الثقة في النظام، بيد أن التجارب العملية ستحدد مدى كفاية هذه الضوابط، خاصة في ظل تطور الأساليب المالية المعقدة التي قد تستغل الثغرات بطرق جديدة.