تحقيق "البلاد": الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل العمل في البحرين والعالم

| عمر الكعابنة

الأشخاص من خلفيات ملونة (السود واللاتينيون) يشكلون 32 % من إجمالي الوظائف المفقودة في الولايات المتحدة أكثر من 14 مليون وظيفة فقدت حتى مطلع العام 2025 بسبب الذكاء الاصطناعي في آسيا أمين التاجر: على الرغم من التطور البحرين بحاجة إلى بنية تحتية وتشريعات جاهزة لمواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي 85 مليون وظيفة في العالم بحلول نهاية العام 2025 نتيجة للأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي

 

في زمن تتسارع فيه الابتكارات بوتيرة غير مسبوقة، بات الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد تقنية حديثة، إنه قوة تغير شكل الاقتصاد، وتعيد رسم خريطة الوظائف على مستوى العالم. وفي خضم هذا التحوّل العميق، تقف البحرين، كغيرها من الدول، أمام مفترق طرق، فبين فرص واعدة تهب من بوابة الثورة الرقمية، ومخاوف حقيقية من فقدان آلاف الوظائف، تتعالى الأصوات المطالبة بالاستعداد الجاد، وبناء كوادر بشرية قادرة على فهم وتشغيل وتطويع هذه الأدوات الجديدة.

في هذا السياق، بين المتخصص في الذكاء الاصطناعي أمين التاجر، أن هناك شركات متخصصة في الذكاء الاصطناعي بالبحرين متمكنة في هذا المجال، وبعض الشركات لديها فهم جيد، وبعضها ما زالت في مرحلة التجربة، وهناك شركات لا تملك الفهم الكافي لكنها تعتمد على الإعلام والبروباغندا، وأصبحت السوق كبيرة، والكل يحاول الدخول فيها، لكن الشركات التي تمتلك الجوانب التقنية الحقيقية والخبرة الفعلية قليلة جدًا، ومن الصعب التعرف عليها إلا عبر التجربة.

وتابع بأن الذكاء الاصطناعي من المجالات التي يمكن أن تطيح بوظائف كثيرة بسرعة، خصوصا الوظائف التي تعتمد على تعليمات واضحة ومتكررة، أو التي تتمحور فقط حول التنظيم والتنسيق، فهذه الأنواع من الوظائف مهددة بالاختفاء؛ لأن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على التعامل معها بكفاءة عالية. وبين أن ما كان صعبًا سابقًا أصبح الآن ممكنًا بفضل نماذج اللغة الكبيرة (LLMs). وأصبح من السهل جدًا فهم نية المستخدم ومشكلته، وتقديم حلول مناسبة بسرعة، كما ظهرت الآن أنظمة الوكلاء الذكيين (Agents) التي تستطيع تنفيذ مهام معقدة بشكل مذهل، لكن في المقابل، ظهرت وظائف جديدة مرتبطة بتشغيل هذه النماذج، مثل كيفية استخدامها، ضبطها، تعديلها، دمجها، وتكاملها مع الأنظمة.

أما بالنسبة لوضع البحرين، فأشار التاجر إلى أن هناك تحديات تتعلق برأس المال البشري، وأكمل: نحن لدينا كفاءات، ولكنها ما تزال في بداية الطريق، وخبرتها العملية محدودة، وأحيانًا نجد استخدامًا سطحيًا للنماذج مثل “شات جي بي تي” فقط، دون تعمق حقيقي.

وأوضح: إن هناك فرصا كبيرة، سواء على مستوى الكفاءات البشرية أو على مستوى التقنية نفسها، فمن وجهة نظري المتواضعة، من المهم جدًا أن يتم تشغيل هذه النماذج على بيئة محلية خاصة، خصوصا للجهات الحكومية أو الشركات التي لا ترغب في أن تكون بياناتها على الإنترنت.

ولفت إلى أن هناك جهودا حكومية مشكورة، وبرامج تدريب ممتازة بدأت تظهر، وأضاف: لكن من رأيي، التشريعات والبنية التحتية ما زالت غير جاهزة بشكل كافٍ، واليوم أصبحت البيانات والبنية التحتية في أيدي مزودي “الكلاود”، وهذا موضوع حساس جدًا، ويحتاج إلى سياسات واضحة.

وبين أن هناك مبادرات كثيرة ممتازة، لكننا نحتاج إلى جهود مجتمعية حقيقية، وليس فقط قرارات مركزية، مؤكدا وجود التوجه والرؤية لكن نحتاج إلى تنظيم أكبر، بالإضافة إلى بعض الترتيب.

بدوره تقصى الصحافي الافتراضي “عبدالله” عن المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي، وتبين له أن سوق العمل العالمية تشهد تحولات متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي، إذ تتبدّل الأدوار وتتلاشى وظائف كانت يومًا ما محورية في الاقتصاد الحديث. ووفقًا لتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، من المتوقع أن يتم الاستغناء عن نحو 85 مليون وظيفة في العالم بحلول نهاية العام 2025 نتيجة للأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. وفي الولايات المتحدة، تتجلى الأرقام بوضوح، فما بين 2020 و2024، تأثرت 2.4 مليون وظيفة، مع توقع فقدان 1.1 مليون وظيفة إضافية في العام 2025 فقط. وهذا التأثير ينعكس بشكل واضح على الوظائف الإدارية، إذ انخفضت معدلات التوظيف في مجالات الدعم المكتبي وإدخال البيانات بنسبة 45 % منذ العام 2022.

وسط التهديد ومع أن هذه التغييرات تحمل طابعًا مقلقًا، إلا أن الصورة ليست قاتمة بالكامل، إذ رصد “عبدالله” تقريرا صادرا عن بنك “جولدمان ساكس” يشير إلى إمكان أتمتة 18 % من الأعمال العالمية؛ ما قد يؤثر على نحو 300 مليون وظيفة بدوام كامل. في المقابل، يُتوقع أن يُسهم الذكاء الاصطناعي في خلق 97 مليون وظيفة جديدة عالميًا، تتركز في ميادين مثل التسويق الرقمي، الأمن السيبراني، وتطوير البرمجيات. كما تواصل سوق تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة نموها السريع، بزيادة سنوية تُقدَّر بـ 41 % في طلب الكفاءات المتخصصة. على الرغم من هذا التوازن الظاهري، فإن 48 % من الشركات الأميركية أعلنت خططا لإعادة هيكلة أقسامها وتقليص عدد الموظفين في 2025؛ بسبب استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

تفاوت المخاطر وبحسب بحث الصحافي الافتراضي “عبدالله”، تشير التقارير إلى تفاوت المخاطر بين القطاعات. الوظائف الإدارية تأتي على رأس قائمة التهديد بنسبة 26 %، تليها خدمة العملاء بنسبة 20 %، ووظائف الإنتاج بنسبة 13 %، ثم القطاع القانوني بـ 6 %، فالتعليم والفنون والإدارة العليا بنسب أقل تتراوح بين 3 % و5 %. الخطورة لا تتوقف عند نوع الوظيفة فقط، بل تمتد إلى الفئات السكانية أيضًا. إذ يتبيّن أن النساء يشكلن 61 % من الوظائف التي تم الاستغناء عنها في العام 2024، بينما يُعد الشباب (16 - 24 سنة) في طليعة المتأثرين نتيجة طبيعة وظائفهم غير المستقرة. والعاملون دون شهادات جامعية أكثر عرضة لفقدان وظائفهم بمعدل يزيد بـ 3.5 مرات مقارنة بغيرهم.

خريطة عالمية  تأخذ الأزمة بعدًا جغرافيًا، إذ تشير البيانات التي حصل عليها “عبدالله” إلى أن أكثر من 14 مليون وظيفة قد فُقدت حتى مطلع العام 2025 بسبب الذكاء الاصطناعي في آسيا، ويُتوقع أن يُستبدل 21 % من الوظائف بحلول 2026، خصوصا في قطاع التصنيع. أما الاتحاد الأوروبي، فيتوقع اختفاء أو تحوّل 12 مليون وظيفة في السنوات القليلة القادمة. منظمة التعاون الاقتصادي تشير إلى أن 27 % من الوظائف العالمية معرضة للخطر، خصوصا ذات المهارات المنخفضة. في الصين وحدها، يُقدَّر أن 77 % من الوظائف معرضة للأتمتة، بينما يتوقع تقرير “ماكينزي 2024” أن تصل خسائر الوظائف عالميًا إلى 800 مليون وظيفة بحلول 2030.

توزيع الفقدان تتصدر الولايات المتحدة المشهد بفقدان 1.9 مليون وظيفة حتى أوائل 2025، أما الهند، فقد خسرت أكثر من 650,000 وظيفة في قطاع تكنولوجيا المعلومات. وتظهر ألمانيا بخسارة 17 % من وظائف التصنيع، واليابان بخسارة 490,000 وظيفة في المستودعات. كندا، كوريا الجنوبية، المملكة المتحدة، أستراليا، البرازيل، وحتى الصين، جميعها سجّلت نسبًا متفاوتة من الفقدان الوظيفي بسبب اعتمادها المتزايد على الأتمتة، خصوصا في القطاعات الداعمة والروتينية.

الأكثر عرضة يوضح عبدالله في رصده أن الوظائف البيضاء (الإدارية والمكتبية) باتت تواجه خطرًا متزايدًا، إذ تُظهر دراسة حديثة من “ديلويت” أن 45 % من الوظائف التحليلية والإدارية باتت مهددة. في المقابل، الوظائف الزرقاء (اليدوية أو الحِرفية) ما تزال أقل تأثرًا، مثل البناء الذي يسجل خطرًا لا يتجاوز 7 %. وفي قطاع الرعاية الصحية، تمت أتمتة ما يقارب 30 % من مهام التوثيق السريري، بينما تُظهر البيانات تراجعًا بنسبة 33 % في وظائف المساعدين القانونيين المبتدئين منذ 2023.

فئات سكانية على المحك يتزايد القلق بشأن بعض الفئات الاجتماعية المعرضة للفقدان الوظيفي، فبحسب البحث الذي أقامه “عبدالله”، إن الأشخاص من خلفيات ملونة (السود واللاتينيون) يشكلون 32 % من إجمالي الوظائف المفقودة في الولايات المتحدة. كما أن الأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن، والعاملين بدوام جزئي أكثر عرضة للتأثر، مع صعوبات واضحة في التكيف أو الاندماج مجددًا. إضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى أن الوظائف عن بُعد، التي ازدهرت في فترة الجائحة، باتت في مرمى نيران الذكاء الاصطناعي، إذ من السهل استبدالها بأنظمة مؤتمتة أو أدوات ذكية تعتمد على الخوارزميات.

الصناعة.. البداية والنهاية رصدت تقارير دولية عدة، من بينها تقرير “ماكينزي” العالمي، أن قطاع التصنيع هو أكثر القطاعات المعرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي. أكثر من 60 % من المهام في المصانع يمكن أتمتتها كليًا؛ ما يهدد وظائف عمال التجميع، والمراقبة، واللحام، وغيرهم من العاملين في خطوط الإنتاج. وفي المقابل، ستبرز الحاجة إلى تقنيين في صيانة الروبوتات، ومهندسين متخصصين في أنظمة التشغيل الصناعي الذكي. الصناعة تتحول من الاعتماد على العضلات إلى الاعتماد على العقول.

إلى أين غدًا؟ قطاع النقل والمواصلات، خصوصا النقل البري، يعيش حالة من القلق. فمع تطور السيارات ذاتية القيادة، والطائرات المسيرة، بات من المرجح أن تنخفض الحاجة إلى السائقين بنسبة تصل إلى 57 % في العقدين المقبلين. منصة “المنتدى الاقتصادي العالمي” تشير إلى أن الشاحنات والنقل العام سيشهدان أتمتة واسعة؛ ما يهدد مئات الآلاف من وظائف السائقين. في المقابل، تزداد الحاجة لمهندسي البرمجيات، ومصممي الأنظمة الذكية، وفنيي الصيانة لهذه المركبات المؤتمتة.

مفترق طرق التحول الرقمي وصل إلى عتبات البنوك. باتت الروبوتات الاستشارية تحلل المحافظ المالية، وتمنح التوصيات، وتتخذ قرارات التمويل بسرعة تفوق البشر، وهو ما يهدد وظائف التحليل المالي التقليدي، ومندوبي القروض، والمستشارين الماليين. إلا أن الصورة ليست قاتمة كليًا. فالمؤسسات المالية تسابق الزمن لتوظيف علماء بيانات، ومتخصصين في أمن المعلومات، ومطورين في مجال التكنولوجيا المالية (FinTech).

تضييق المساحات في خطوة غير متوقعة قبل سنوات، بدأ الذكاء الاصطناعي يخطو داخل مكاتب المحاماة، ليحل محل المساعدين القانونيين، ويشارك في تحليل العقود وسوابق القضايا. ووفقًا لتقرير”Deloitte”، ما يقارب 39 % من الوظائف القانونية معرضة للأتمتة، خصوصا في المستويات المبتدئة. بينما تتوسع الحاجة إلى مختصين في “LegalTech”، وأمن البيانات القانونية، ومحامين يفهمون التشريعات المرتبطة بالتكنولوجيا.

إلى “الروبوت” لم تعد وظيفة الكاشير آمنة، بعد أن تبنت متاجر كبرى تقنيات الدفع الذاتي، والروبوتات التفاعلية، وحلول التخزين الذكية. التجارة التقليدية تنحسر، والتجارة الذكية تتسع. وبحسب دراسات جامعة “أوكسفورد مارتن”، فإن 45 % من وظائف التجزئة معرضة للاختفاء، بينما تفتح الآفاق أمام وظائف في التسويق الرقمي، وإدارة التجارة الإلكترونية، وخبراء تجربة المستخدم.

قبضة الذكاء على الرغم من أن الرعاية الصحية المباشرة ما زالت تتطلب اللمسة الإنسانية، إلا أن المهام التشخيصية والتحليلية أصبحت هدفًا واضحًا للذكاء الاصطناعي. تشير تحليلات حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على الأطباء في قراءة الصور الشعاعية، كما تُستخدم روبوتات دقيقة في الجراحة. هذا التحول يفتح الباب أمام أطباء رقميين، ومحللي بيانات صحية، ومطوري حلول الطب عن بُعد.

المهارات المطلوبة لعالم جديد استنادًا إلى أكثر من تقرير دولي، أن البقاء في سوق العمل لم يعد مرتبطًا بالمؤهل فقط، بل بالقدرة على المرونة والتكيف. من أبرز المهارات المطلوبة: - التفكير التحليلي والإبداعي. - استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة. - التعلم المستمر والانفتاح على المهارات الجديدة. - التواصل الإنساني، والذكاء العاطفي.

 

المصادر المستخدمة في التحقيق:   المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) – تقرير مستقبل الوظائف 2023   “جولدمان ساكس” – تقرير تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف 2023   “ماكينزي العالمية” – تقارير “مستقبل العمل بعد كوفيد - 19” و “الوظائف المفقودة والمكتسبة”   منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) – تقارير الذكاء الاصطناعي وسوق العمل   البنك الدولي – دراسات عن أتمتة الوظائف في الأسواق النامية   “ديلويت” – تقرير الذكاء الاصطناعي وتحولات القوى العاملة 2025   مكتب إحصاءات العمل الأميركي (BLS) – بيانات تسريحات العمل والتوظيف   “ستاتيستا” (Statista) – إحصاءات الذكاء الاصطناعي والتأثير القطاعي   “برايس ووترهاوس كوبرز” (PwC) – تقرير “هل ستسرق الروبوتات وظائفنا؟”   منظمة العمل الدولية (ILO) – دراسات تأثير التكنولوجيا على الوظائف   معهد بروكنجز (Brookings Institution) – تقرير الأتمتة والذكاء الاصطناعي   “CNBC” و  “Bloomberg” – تقارير إخبارية عن تسريحات العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي   شركة IBM – تقارير مستقبل العمل والذكاء الاصطناعي