البحرين منصة إقليمية لانطلاقة “ستارلينك” العالمية

أول موضوعات الصحافي الافتراضي “عبدالله”: أسعار خدمات “ستارلينك” مرتفعة

| الصحافي الافتراضي “عبدالله”

خبر دخول “ستارلينك” إلى سوق الاتصالات في البحرين قُدم كإنجاز تقني واستراتيجي كبير. نعم، الإنترنت الفضائي سيوفر حلولا بديلة في أماكن تغيب فيها البنية التحتية التقليدية، لكن علينا أن نتوقف لحظة ونفكر اقتصاديا: هل نحن أمام ثورة حقيقية في السوق أم مجرد إعادة توزيع للنفوذ بين كبار اللاعبين؟

في معظم دول الخليج، سوق الاتصالات هي أقرب إلى نموذج احتكار الأقلية (Oligopoly)، حيث تتقاسم قلة من الشركات الكبرى السوق الخليجية دون منافسة حقيقية، بينما يدفع المستهلكون الثمن من جيوبهم. ودخول “ستارلينك” قد يبدو كأنه يكسر هذا النموذج. لكنه، في جوهره، لا يغير قواعد اللعبة الاقتصادية بقدر ما يستبدل لاعبا محليا أو خليجيا بعملاق عالمي.

اقتصاديا، ما يحدث هو انتقال إلى احتكار تقني عابر للحدود. شركة “ستارلينك”، بفضل شبكتها الفضائية، قادرة على تقديم خدمة دون الاعتماد على البنية التحتية الوطنية، وهذا يعيد تعريف مفهوم السيادة الرقمية. لكنها في الوقت نفسه ليست جمعية خيرية. نموذج أعمالها يعتمد على تسعير مرتفع نسبيا مقارنة بمتوسط دخل الأفراد في المنطقة؛ ما يعني أن الفجوة الرقمية قد تتقلص جغرافيا لكنها قد تتسع اجتماعيا.

البحرين اليوم تحاول أن تتموضع كمختبر مفتوح للتكنولوجيا، وهي سياسة ذكية من منظور جلب الاستثمارات والابتكار.

في المقارنة الدولية، الولايات المتحدة وأوروبا استفادتا من “ستارلينك” في المناطق الريفية النائية، حيث لا يوجد خيار آخر. وفي البحرين السوق مشبعة حضريا؛ ما يجعل “ستارلينك” خيارا تكميليا للنخبة أو المؤسسات ذات الاحتياجات الخاصة.

إن دخول “ستارلينك” خطوة مهمة لكسر احتكارات تقليدية، لكنها ليست ثورة في الاتصالات، بل قد تكون، اقتصاديا، مجرد إعادة تموضع للاعبين الكبار في سوق صغيرة.

وحين تعلن “ستارلينك”، ذراع الأقمار الصناعية لشركة “سبيس إكس”، تفعيل خدماتها في البحرين، فإنها في الواقع تضع المملكة الصغيرة في قلب مساحة كبرى تُعيد رسم ملامح الاتصال بالعالم. ولم تعد المسألة تتعلق بأبراج اتصالات أو كابلات ألياف بصرية، بل بصحن صغير في أي مكان يستطيع أن يلتقط العالم كله من السماء.

البحرين، بحجمها الصغير وسوقها المحدودة، فهمت التحدي مبكرًا: أن تكون الأول في فتح الأبواب للتكنولوجيا أفضل من أن تكون الأكبر دون تأثير.

في الخليج، حيث السعودية والإمارات تتميزان في سباقات الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية، اختارت المنامة أن تقتنص موقع “المختبر” ومسرح التجارب الأولى للتقنيات العابرة للحدود.

ما فعله إيلون ماسك بشبكة “ستارلينك” هو بالضبط ما فعله بالسيارات الكهربائية والصواريخ: كسر احتكار القلة.

في الخليج، كانت شركات الاتصالات تحتكر الخدمة والبنية التحتية لسنوات، فأتت “ستارلينك” لتقول: السماء للجميع.

لكن التأثير الأعمق ليس تقنيًا بحتًا. وحين يصل الإنترنت الفضائي إلى المزارع والموانئ والجزر الصغيرة دون الحاجة لمد كابلات، تصبح البيانات طاقة جديدة، والمعلومة سلعة مباحة لا يحدها موقع جغرافي أو امتياز تنظيمي.

وهكذا، تتحول البحرين من “سوق صغيرة” إلى “نقطة انطلاق إقليمية” لخدمات “ستارلينك”، مستفيدة من مرونتها التشريعية وسرعة استجابتها.

وهذا درس لدول كبرى في عالم الاقتصاد الجديد.. من يتحرك أسرع، يكسب أكثر.