عن قضايا حقيقية..

مسلسل ”وحوش“.. يضع الدراما في مكان آخر

| طارق البحار

مسلسل "وحوش" يثير جدلاً كبيراً في رمضان هذا العام، حيث يشهد حضوراً بارزاً ضمن المسلسلات الخليجية التي تعرض في الشهر الفضيل. يختلف المسلسل عن المعتاد في رمضان، حيث يتناول موضوعات الرعب بشكل غير تقليدي، وهو ما يعد خرقاً للمألوف في هذه الفترة من العام، التي غالباً ما تتسم بالأعمال الدرامية العاطفية والتاريخية.

المسلسل الذي يتكون من 10 حلقات، من إخراج محمد سلامة من مصر وسعيد الماروق من لبنان، يضم كوكبة من نجوم التلفزيون الكويتي، مثل شجون الهاجري، هيا عبد السلام، فيصل العميري، بشار الشطي، علي كاكولي ومنصور البلوشي. وقد تم تقسيم المسلسل إلى أربع قصص، حيث يُعرض كل من القصة الأولى والثانية في حلقتين، بينما تتم معالجة القصتين الأخريين في ثلاث حلقات لكل منهما.

المسلسل أثار الكثير من الجدل بعد طرحه في أول أيام رمضان، حيث تباينت ردود الفعل بين المتابعين. فبينما نال إعجاب البعض بجرأته في معالجة قضايا اجتماعية حقيقية بأسلوب درامي، اعتبر آخرون أن استخدام الأحداث المؤلمة في هذا السياق غير مناسب وغير لائق. 

تدور القصة الأولى حول حادث حريق وقع في عام 2009، حيث دمر حريق هائل خيمة زفاف وأدى إلى مقتل 57 شخصاً وإصابة 90 آخرين بجروح خطيرة. وتكتشف الأحداث أن الحريق كان مدبراً من قبل الزوجة الأولى للعريس، التي كانت غائبة عن الحفل. وذلك بعد أن اكتشف العريس أنه وقع في حب امرأة أخرى وتزوجها.

مسلسل "وحوش" يبرز بقوة هذا العام في الساحة الرمضانية، محققاً تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي بفضل جرأته في تناول قضايا مثيرة للجدل.

ما يميز المسلسل هو تقديمه لهذه الحقائق بهذه الطريقة الجريئة والمباشرة، مما يساعد في تسليط الضوء على الجرائم المروعة التي لا يزال المجتمع يتعامل معها. من المهم حقًا أن نرى الدراما الخليجية تتجرأ على معالجة هذه القضايا دون تردد، مما يتيح للمخرجين والكتاب تقديم أعمال تتميز بأسلوبها الفريد، وتوفير الفرصة للممثلين لأداء أدوار معقدة يمكنهم أن يغوصوا فيها ويجسدوا شخصياتها بكل عمق.

تغذي الغيرة والغضب الأعمى مشاعر المرأة التي تشعل الخيمة بالبنزين، مما يتسبب في مقتل معظم المدعوين، ليتم الحكم عليها بالإعدام بسبب جريمتها البشعة. منذ اللحظة الأولى، يُؤسس المسلسل لعنصرين حاسمين في هذه القصة الأولى. الأول هو مشهد ارتكاب الجريمة وتأثيرها المدمر على حياة الأشخاص، ما يترك المشاهد في حالة من التوتر والاضطراب النفسي. أما الثاني، فيتمثل في جودة الإنتاج والتمثيل وسرد القصة، حيث ينجح الممثلون في تقديم الأدوار بكل صدق وواقعية، دون التلاعب بالأحداث أو التقليل من أهمية المعاناة التي عاشها المتأثرون بتلك الجرائم.

على الرغم من تناول الموضوعات الشائكة والمثيرة للجدل، يحرص المسلسل على إبراز تفاصيل دقيقة من فترة الزمن الذي تدور فيه القصص، من السيارات إلى الملابس والمواقع، ما يعزز مصداقية العمل ويجعل النتيجة النهائية مثيرة للإعجاب.

القصة الثانية من المسلسل تدور حول مُعتدي على الأطفال اختطف واعتدى على 17 طفلاً في عام 2007، ليُقبض عليه ويُنفذ فيه حكم الإعدام شنقاً في 2013. أما القصة الثالثة، فتتناول لصاً طلب من سائق سيارة الأجرة في عام 1983 توصيله إلى منازل قريبة من البنوك، ليقوم بعدها بقتل السائقين وسرقة أموالهم.

مسلسل "وحوش" يُقدّم حكايات مؤلمة وقوية تعكس عمق تعقيدات النفس البشرية وتأثير الأحداث المؤلمة على الأفراد والمجتمع.

ربما تكون القصة الرابعة والأخيرة هي الأصعب في المشاهدة والأكثر إيلامًا. في عام 2002، بدأ البحث في جميع أنحاء الكويت بعد اختفاء فتاة صغيرة في السادسة من عمرها. بعد أيام من البحث، تم العثور على جثتها في منطقة نائية، وعليها علامات تشير إلى تعرضها للتعذيب الوحشي. هزت هذه القضية المجتمع الكويتي بشدة، حيث كان الكثيرون يأملون في حلها، وفي الوقت نفسه كانوا يعيشون في خوف من الخطر الذي قد يكون مختبئًا بينهم.

بعد تحقيق موسع، تبين أن ثلاثة رجال كانوا وراء اختطاف الفتاة، وادعوا أن دوافعهم كانت "جريمة شرف" للانتقام من علاقة غير قانونية بين شقيق الضحية وأخت اثنين من القتلة. 

ومع مثل هذه القصص المروعة، لا يمكن للمتابع أن يجد أي متعة، ولكن يمكنه فقط تقدير الجهد والحرفية المبذولة في تقديم هذه الحكايات بهذا الشكل. إذ أن هذه القصص، التي غالبًا ما تُحكى كحكايات تحذيرية للأجيال، أو تُحقن بتفاصيل أكثر فظاعة لجعلها أكثر إثارة للفضائح، تقدم الحقائق بطريقة قوية تكشف عن بشاعة هذه الجرائم في المجتمع.