احتياطي حكومي من “البتكوين”
| د. إحسان علي بوحليقة
هل من رابط بين مذهب الرئيس ترامب الاقتصادي وقراره التنفيذي بإنشاء احتياطي من “البتكوين”؟ بدايةً، ما تعريف احتياطات الحكومة؟ هي أصول متاحة للسلطات النقدية وخاضعة لسيطرتها لتمويل اختلالات المدفوعات بشكل مباشر، والمدفوعات هنا تعني مدفوعات الحكومة للدول الأخرى، واحتياطيات الدول من أصول سائلة أو أصول عالية السيولة، مثل الذهب وحقوق السحب الخاصة والعملات الرئيسة مثل الدولار، اليورو، أو الين الياباني (احتياطي وودائع الدول الأجنبية)، وكذلك أسهم وسندات. والهدف من بناء الدول لاحتياطي هو حتى تمتلك الحكومة وأجهزتها السيولة للوفاء بالالتزامات التي حال أجلها أو سيحل في المدى القصير، ولذلك فإن الأصول ذات السيولة العالية، واستقرار قيمة تلك الأصول، والقبول بها من قبل الدول الأخرى كأدوات سداد ووفاء، هي معايير أساسية لا حياد عنها. وهذه الاحتياطيات تظهر كبنود في ميزان المدفوعات لكل دولة، وتعلن تفاصيلها نشرات صندوق النقد الدولي. هناك ما يبرر القول بأن نظرية ترامب الاقتصادية - كما مر في مقال الأسبوع الماضي - ترتكز على مبدأ تحقيق فائض في الميزان التجاري، والميزان التجاري هو عنصر من عناصر ميزان المدفوعات، ما يعني أن اهتمام ترامب يهدف لتحسين وضع ميزان المدفوعات - وهذا أمر تسعى لتحقيقه الدول كافة - وهذا الميزان هو عبارة عن رصد لتعاملات الدولة (الحكومة والقطاع الخاص والأفراد) مع الاقتصادات الأخرى تجاريا واستثماريا؛ لذا نجد الرئيس ترامب يتحدث دائما عن تعظيم الصادرات الأميركية واستقطاب الاستثمارات إلى أميركا في مسعى لمراكمة الثروة، ولو بالقوة الجبرية، وهو مبدأ “مركيتالي” عتيد قام عليه الفكر الاقتصادي للدول الاستعمارية الأوروبية منذ القرن الخامس عشر وما بعده. وعند النظر إلى ميزان المدفوعات الأميركي نجد أنه يعاني عجزا مزمنا، ففي العام 2023 وصل إلى 819 مليار دولار (3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي). ولذا، يسعى السيد ترامب لمعالجة هذا الضعف الاقتصادي بأن تحقق الولايات المتحدة فائضا في تعاملاتها الدولية، فهل طموحه واقعي أخذا في الاعتبار أن العجز في الحساب الجاري للولايات المتحدة هو عجز مزمن؟ لعله طموح واقعي وتحقيقه يصب في مصلحة الاقتصاد العالمي، لكن ليس واقعيا أنه سيتحقق “بجرة قلم” من خلال مضاعفة التعرفة الجمركية على الشركاء التجاريين والدخول معهم في حروب طاحنة “لإجبار” صادراتهم للولايات المتحدة على أن تتقلص. إذا ما المسرعات الممكنة لاختصار الزمن؟ لعل أحد تلك المسرعات، تكمن في استقطاب السيولة إلى الولايات المتحدة، للاستثمار في فئة من الأصول ليس لها اعتبار حاليا وتمتلك منها حكومة الولايات المتحدة الكثير، وذلك بإعطاء اعتبار للعملات المشفرة وجعل الولايات المتحدة العاصمة العالمية للعملات المشفرة، كما هو الحال في الأسواق المالية الأميركية التي تعادل في رسملتها (60 تريليون دولار) بقية أسواق العالم مجتمعةً. إذًا بناء الولايات المتحدة الأميركية احتياطيا من الأصول المشفرة ليس بهدف تعزيز احتياطات الحكومة في الأساس، بل لاستقطاب السيولة العالمية أو جزء وازن منها إلى التراب الأميركي. ومع مرور الوقت، وبعد اقتناع السلطات النقدية والمالية في دول العالم والمنظمات المالية العالمية، قد تصبح الأصول المشفرة (البتكوين وشقيقاتها) فئة جديدة تضاف إلى الاحتياطيات المعتبرة للدول. وهذا يعني إقبال ليس فقط الأفراد والشركات بل كذلك البنوك المركزية والصناديق السيادية لاكتناز تلك العملات المشفرة ضمن محافظها، وهذا يعني حاضنتها الأساس هي الولايات المتحدة، وتقدر قيمة الأصول المشفرة حاليا بنحو ثلاثة تريليونات دولار.
تأسيس الرئيس ترامب لاحتياطي من “البتكوين” في حقيقة الأمر يعني إيجاد صانع سوق للعملة الافتراضية بما قد يعزز من استقرار قيمتها، لكن ذلك لن يحدث تلقائيا فقد يكون هدف الرئيس الصعود بقيمة “البتكوين”، ولتحقيق ذلك يخصص مليارات الدولارات لبناء الاحتياطي خلال فترة زمنية قصيرة، فيرتفع السعر ويهبط تبعا لذلك، وقد يكون هدف الرئيس فعلا بناء احتياطي مستقر، يماثل الذهب، ليس بقصد المتاجرة بل كاحتياطي سيادي، لكن شتان؛ فالذهب ملجأ عندما تتراجع قيمة الأصول المالية تعلو قيمته؛ فيكون أداة للحفاظ على استقرار المحافظ الاستثمارية، أما الأصول المشفرة فلا تمتلك تلك الميزة فقيمتها غير مستقرة البتة، على الأقل منذ انطلاقتها حتى الآن، ما يعني أنها لا يمكن أن تخدم الهدف الأساس للاحتياطي وهو التحوط في حال انهيار قيمة العملة الوطنية الأميركية (الدولار).
وبغض النظر عن هدف ترامب من بناء الاحتياطي، فالأمر يتعلق بالكيفية التي يدار بها هذا الاحتياطي من جهة، ومن جهة لعلها الأهم أن تسعى بقية الدول لبناء احتياطيات من “البتكوين” باعتباره “الذهب الافتراضي”، وهذا يتطلب توافقا من المنظمات المالية الدولية والدول الأعضاء فيها، فإن لم يتحقق ذلك فستكون “البتكوين” لا تمتلك اعترافا عالميا بأهميتها، ولنتذكر أن الذهب كان هو المثبت للعملات إلى أن انتهى دوره ذاك في العالم في العام 1973 على يد الولايات المتحدة عندما أوقفت ربط الدولار بالذهب، وتوقفت عن تحويل الدولار إلى ذهب بواقع 35 دولارا لأونصة الذهب، وكان ذلك بسبب ضعف الاقتصاد الأميركي آنئذٍ الذي أنهكته حرب فيتنام، فأخذ يطبع الدولارات بما يتجاوز قدرته على الوفاء بغطائها من الذهب.
اليوم تبني الولايات المتحدة احتياطا افتراضيا مُشفرا، وقد يعني ضربة للنظام المالي العالمي، بالسعي للتحوط من الهزات استنادا إلى أصل افتراضي بينه وبين الاستقرار “عداوة”، فكيف يمكن أن يصلح أن يكون احتياطا ما دام:
لا يتمتع بقبول دولي حتى يقي الدولة من الهزات في تعاملاتها مع الدول الأخرى؟ لا عملات ترتبط به لتحدد قيمتها من خلاله؟ لا يمكن استخدامه كملاذ، فهو أكثر “هيجانا” وتقلبا وتشقلبا من أي أصل مر على تاريخ البشري، بما في ذلك الملح الذي كان يستخدم أصلا للتبادل في العصور الغابرة من الرومان وسواهم؟ على كل حال، وتجنبا للغبن ونفيا للجهالة نحن - بل العالم - بحاجة لقراءة كتاب الرئيس ترامب “البتكوين كاحتياطي وطني”، وهو كتاب لم يؤلف بعد، أو بتعبير أدق لم يُنشر بعد، وما رشح منه حتى الآن هو العنوان فقط. بكلمة، لعل العنوان الأنسب للكتاب هو “إنشاء محفظة حكومية من العملات المشفرة”، محفظة وليس احتياطي، وفارق هائل بين الأمرين.