المسحر البحريني.. إرث رمضاني عريق
| د.محمد الزكري
لطالما كان شهر رمضان في البحرين والخليج العربي مليئًا بالعادات والطقوس التراثية التي تعكس روح المجتمع وتماسكه، ومن أبرز هذه العادات المسحر أو المسحراتي، الشخصية التي كانت تجوب الأزقة والفرجان ليلاً، تقرع الطبل وتردد نداءات دينية لإيقاظ الصائمين على السحور. ورغم تراجع دوره في العصر الحديث بسبب التكنولوجيا، إلا أن حضوره لا يزال يضفي على ليالي رمضان نكهة تراثية أصيلة. تعود أصول التسحير إلى مكة المكرمة، حيث كان المنادون يصعدون إلى جبل أبي قبيس فينادون بالسحور، وقد وثّق الرحالة ابن جبير في زيارته لمكة سنة 579هـ / 1183م أن المؤذن الزمزمي كان يؤدي دورًا مشابهًا للمسحراتي، مرددًا عبارات مثل:
"تسحروا غفر الله لكم.. تسحروا فإن في السحور بركة!"
ومن مكة، انتقلت هذه العادة إلى مدن إسلامية عديدة، ومنها البحرين، حيث تأثرت تقاليدها الرمضانية بالممارسات الإسلامية القديمة، خاصة في المحرق، التي لا تزال تحتفظ بجزء من هذه العادات حتى اليوم. المسحر في المحرق.. طقوس رمضانية تعكس تلاحم المجتمع
في المحرق، كان لكل حي أو "فريج" مسحر خاص به، يجوب الأزقة والفرجان، مرددًا نداءات رمضانية مثل:
"يا نايم وحّد الله.. يا غافي وحّد الدايم" "قوموا تسحروا.. رمضان يزوركم"
لكن دور المسحر لم يكن يقتصر على إيقاظ الكبار وحثهم على السحور، بل كان يمثل فرحة خاصة للأطفال الذين كانوا يركضون خلفه بحماس، يرددون معه الأناشيد والأهازيج الرمضانية، ويتنافسون في قرع الطبول الصغيرة التي يحملونها، مما كان يُضفي أجواءً احتفالية خاصة على ليالي رمضان في المحرق.
كان الأطفال يلتفون حول المسحر في الأزقة والدواعيس، يتبعونه من حي إلى آخر، وكثيرًا ما كانت العائلات تنتظر مرورهم لتشجيعهم أو حتى تقديم الحلوى لهم. هذه اللحظات العفوية صنعت ذكريات جميلة لا تزال حاضرة في وجدان الكثيرين ممن عاشوا طفولتهم في تلك الأزمنة. وفي العشر الأواخر من رمضان، كانت العلاقة بين المسحر والمجتمع تزداد تماسكًا، حيث كان يمر على البيوت لجمع زكاة الفطر، التي كانت تُقدم آنذاك على شكل قمح، تمر، أرز، أو نقود، وفي صباح العيد، كانت العائلات تستقبله بالعطايا والهدايا النقدية تقديرًا لجهوده طوال الشهر الفضيل.
المسحر بين الماضي والحاضر.. من تقليد شعبي إلى تجربة سياحية
رغم تغير أنماط الحياة وتراجع الحاجة إلى المسحر، إلا أن البحرين تسعى لإحياء هذا التراث الجميل عبر الفعاليات الرمضانية والمهرجانات التراثية، حيث يظهر المسحر في المجالس والأسواق الشعبية، بل وأصبح جزءًا من الأنشطة السياحية التي تعكس هوية البحرين الرمضانية. ويمكن للمسحر أن يلعب دورًا مهمًا في إثراء السياحة الرمضانية من خلال:
تنظيم جولات تراثية في المحرق، حيث يمكن للزوار التفاعل مع المسحر والاستماع إلى قصصه وأهازيجه الرمضانية.
إدماجه في الفنادق والمجالس الرمضانية ليعيش السياح الأجواء الرمضانية البحرينية الأصيلة.
إقامة عروض حية للمسحر في المراكز الثقافية والأسواق التراثية لإحياء هذا الموروث بين الأجيال الجديدة.
أجرة المسحر.. ضرورة لحفظ الموروث: على مر العصور، كانت أجرة المسحر تتغير حسب الزمان والمجتمع، ففي العصور الإسلامية القديمة، كان يحصل على جزء من الخراج أو المحاصيل الزراعية، بينما في القرن التاسع عشر، كان أجره مرتبطًا بالطبقة الاجتماعية، حيث يدفع الأثرياء أجرًا أعلى، فيما تكتفي الأسر المتوسطة بمبالغ رمزية أو بعض الأطعمة.
أما في البحرين، فقد كان أهل الحي يقدّمون للمسحر العيديات والهدايا النقدية والعينية في صباح العيد، فيما كان الأطفال ينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر لمشاركة المسحر فرحته بالعيد. واليوم، أصبح دعم المسحر ضروريًا للحفاظ عليه، سواء من خلال إدماجه في الفعاليات التراثية أو عبر مبادرات اجتماعية لضمان استمراره كجزء من الهوية الرمضانية البحرينية. يبقى المسحر البحريني رمزًا لتراث رمضان الأصيل، حيث لا يمثل مجرد شخصية رمضانية، بل هو جزء من الذاكرة الجماعية والموروث الثقافي، الذي يعكس قيم التآخي والتلاحم الاجتماعي. ورغم تحديات العصر الحديث، لا يزال بإمكان المسحر أن يكون سفيرًا للتراث البحريني، سواء من خلال الاحتفالات الشعبية أو ضمن التجربة السياحية الرمضانية التي تتيح للزوار فرصة اكتشاف روح البحرين في ليالي رمضان.
أخصائي تراث وسياحة