ضمن خطة الصحيفة لنشر الدراسات المتخصصة بالتعاون مع المركز

"البلاد" تنشر رؤية مركز الخليج للأبحاث للمشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد

| محرر الشؤون العربية

قال مركز الخليج للأبحاث في تعليقه على سقوط نظام الأسد أن سوريا تدخل مرحلة جديدة معقدة مليئة بالفرص والتحديات الكبرى، وأن هناك أربع سيناريوات للمشهد، الأول سيناريو الاستقرار النسبي، والثاني صراع داخلي على السلطة، والثالث استمرار القوى الداعمة للمعارضة في فرض أجنداتها السياسية، أما الأخير فهو تحول سوريا إلى دولة هشة.

وقال المركز الذي يرأسه الدكتور عبد العزيز بن عثمان بن صقر، أن العالم استيقظ على أنباء هروب الرئيس السوري بشار الأسد من البلاد، ودخول جماعات المعارضة إلى دمشق؛ وإعلان رئيس الوزراء في كلمة تم بثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأنه التزم بيته، انتظارًا لتسليم مؤسسات الدولة لقادة المعارضة؛ الأمر الذي استحسنه هادي البحرة قائد الائتلاف الوطني الثوري، الذي أعلن بيان سقوط النظام ودخول الجناح العسكري للمعارضة مدينة دمشق.

وبين المركز أن هذا السقوط السريع للنظام السوري أثار العديد من التساؤلات المتعلقة بتلك المعارضة، التي استطاعت ــ في اثني عشر يومًا ــ أن تسقط نظامًا استمر في السلطة لأكثر من نصف قرن، واستطاع أن يقمع المعارضة نفسها لأكثر من ثلاثة عشر عامًا.

وبين أن سقوط نظام بشار الأسد لم يكن مجرد تطور داخلي أو تحوّل مفاجئ في موازين القوى المحلية، بل كان نتيجة مباشرة لتشابك معقد بين الأزمات الداخلية للنظام كانت في قلب هذه التحولات، حيث قدّمت دعمًا مكثفًا ومباشرًا لفصائل المعارضة المسلحة من خلال التدريب، والتخطيط، والتزويد بالأسلحة الحديثة.

وأوضح ان تركيا كانت بمثابة الشريان اللوجستي الرئيس للمعارضة المسلحة؛ حيث فتحت أنقرة حدودها أمام تدفق السلاح والمقاتلين، كما أنشأت قواعد تدريب مخصصة على أراضيها لتأهيل القوات المعارضة. ولم يكن هذا الدور مجرد دعم سياسي أو لوجستي، بل تضمن مشاركة مباشرة في عمليات التخطيط والإمداد لتعزيز مصالح تركيا الاستراتيجية، لا سيما في الحد من النفوذ الكردي في الشمال السوري، والذي اعتبرته تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي.

وأشار إن إسرائيل بدورها ومن خلال الضربات الجوية المكثفة التي استهدفت مواقع عسكرية ومخازن أسلحة تابعة للنظام السوري وللميليشيات الإيرانية تسببت في إضعاف النظام والحد من نفوذ إيران وحزب الله في الوقت ذاته، وهو ما ظهر في ضعف قدرته على مقاومة تقدم المعارضة.

وفي المقابل، كان هنالك غيابًا ملحوظًا لدور حلفاء النظام التقليديين، روسيا وإيران، في اللحظات الحاسمة؛ فقد انشغلت روسيا بالصراع الأوكراني وتزايد الضغط الدولي عليها. فيما تراجعت إيران نتيجة الضربات المتلاحقة لذراعها الطويلة في المنطقة "حزب الله"، فضلًا عما تواجهه من عقوبات اقتصادية خانقة وأزمات داخلية متصاعدة وهذا الفراغ استغلته المعارضة المسلحة وحلفاؤها الدوليون لتحقيق تقدم كبير على الأرض. مرحلة جديدة معقدة

وأكد مركز الخليج للأبحاث، انه مع انهيار النظام، تدخل سوريا مرحلة جديدة معقدة مليئة بالفرص والتحديات الكبرى، التي تتعلق بإعادة الإعمار وبناء الدولة، مع استمرار التساؤلات عن مدى تأثير القوى التي دعمت المعارضة حتى استطاعت الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في صياغة المستقبل السوري؛ وكيف ستواجه المعارضة المسلحة، التحديات الداخلية الهائلة؛ والتي يُعد أبرزها هو التناقضات الأيديولوجية والسياسية بين فصائلها، والتي تهدد بتحول الانتصار إلى صراع داخلي يعيق بناء الدولة.

ويعد استمرار النفوذ الخارجي، ممثلًا القوى الدولية والإقليمية التي دعمت المعارضة لتحقيق مصالحها، هو التحدي الأكبر، بالنظر إلى أن هذه القوى لن تتخلى بسهولة عن نفوذها في سوريا الجديدة، وقال ان السؤال الجوهري هنا: هل ستسمح هذه القوى لسوريا بالاستقرار وإعادة بناء دولة ديمقراطية ومستقلة، أم أن تدخلاتها ستستمر لتعميق الانقسامات وإبقاء البلاد في حالة من الفوضى؟

وأضاف يمكن للمراقب أن يتصور سيناريوهات مستقبلية لسوريا ما بعد الأسد، السيناريو الأول: سيناريو الاستقرار النسبي وإعادة الإعمار وتحقيق هذا السيناريو يتطلب نجاح المعارضة في توحيد صفوفها، وتشكيل حكومة انتقالية بدعم دولي، يركز على إعادة الإعمار وبناء دولة ديمقراطية، وتراجع النفوذ الخارجي تدريجيًا، بحيث تتمكن سوريا من تحقيق الاستقرار.

أما السيناريو الثاني: ضربات جوية مكثفة استهدفت مواقع عسكرية ومخازن أسلحة تابعة للنظام وللميليشيات الإيرانية: وهو الذي يتم إبان نجاح تيارات المعارضة أو المقاومة عند الانتهاء من مرحلة الوصول إلى السلطة؛ وكانت الجماعات الجهادية في أفغانستان عقب خروج السوفييت في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي نموذجًا واضحًا له؛ واحتمال حدوثه في سوريا غير مستبعد لأمرين: الأول: وجود تناقضات بين فصائل المعارضة؛ والآخر: تضارب مصالح القوى الخارجية، والذي قد يدفعها إلى تشجيع صراع داخلي على السلطة، لتحقيق مصالحها وتوسيع نفوذها، ما يؤدي إلى تفكك الدولة.

والسيناريو الثالث: سيناريو استمرار القوى الداعمة للمعارضة في فرض أجنداتها السياسية على سوريا الجديدة، مما يؤدي إلى ضعف الحكومة المركزية وتحويل البلاد إلى مناطق نفوذ متفرقة؛ أو تحولها إلى نظام سياسي مقسم بالتراضي، أقرب إلى الاتحاد الفيدرالي. وتعد التجربة العراقية، التي شهدت تدخلات خارجية مستمرة أسهمت في ضعف الدولة، هي مثال واضح لما قد تواجهه سوريا إذا لم يتم وضع حد للتأثيرات الخارجية.

وبخصوص السيناريو الرابع: سيناريو تحول سوريا إلى دولة هشة: وهو مرتبط بفشل المعارضة في بناء دولة مستقرة، نتيجة التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية، مما يجعل سوريا دولة ضعيفة غير قادرة على إدارة شؤونها أو الدفاع عن سيادتها. وسيترجح هذا السيناريو إذا تصارعت جماعات المعارضة فيما بينها لتحقيق المكاسب الخاصة بكلٍ منها، وتصاعد الصراع من خلال الدعم الخارجي، ليؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والسياسية.

ويبقى التمني بأن يتحقق سيناريو الاستقرار وإعادة البناء؛ وأن تنأى سوريا الغد عن الانزلاق إلى سيناريوهات الفوضى والتدخلات الخارجية المستمرة؛ وهو ما يتطلب إرادة داخلية قوية، تقدم مصلحة الوطن واستقراره على المصالح الذاتية للجماعات والتنظيمات، التي شاركت في إسقاط النظام؛ كما يتطلب قدرة على مواجهة التحديات،ومنع التدخلات الخارجية، وضمان استقلال القرار السوري؛ وهو ما يطمح إليه الشعب السوري ومحبيه من شعوب العالم.