مهرجان البحر الاحمر السينمائي.. فيلم (هوبال) .. لماذا قتل الحلم 

| عبدالستار ناجي 

ضمن عروض مهرجان البحر الاحمر السينمائي في دورته الرابعة لعام 2024 يأتي الفيلم السعودي (هوبال) من توقيع المخرج عبدالعزيز الشلاحي وسيناريو الكاتب مفرج المجفل (الكاتب الاكثر غزاره اليوم في المملكة العربية السعودية والذي تتنوع كتاباته بين الشعر والرواية والسيناريو) . 

يأخذنا (هوبال) وهو النداء على الجمال الى حكاية اسرة سعودية تعيش في الصحاري السعودية المترامية الاطراف قريبا من منطقة الخفجي على الحدود السعودية الكويتية في فترة مطلع التسعينيات خلال فترة العدوان الصدامي على الكويت.

اسرة تتلقي اوامرها من الجد (ابراهيم الحساوي) والذي يكرر بان الاخرة قربت ويحذر ابناءه الخمسة وأحفاده من الاقتراب من المدينة ومن يخالف الاوامر يتم عدم الاعتراف به وعزله من الاسرة وعدم السماح له بالعودة للأسرة ، وهذا ما حصل فعلا من أحد الابناء الكبار الذي اضطر الى الهجرة الى المدينة مع زوجته وابناءه وهو يعمل في سلك الحرس.

تعليمات صارمة من اب غير متعلم واسرة معزولة الا من معلم يمر بين الحين والاخر لتعليم الاحفاد اللغة العربية فقط. 

في الفيلم مجموعة بارزة من الاسماء منهم ابراهيم الحساوي وميلا الزهراني ومشعل المطيري وحمدي الفريدي ومطرب فواز وريم فهد ودريعان الدريعان وعبدالرحمن عبدالله وراوية احمد ..والاطفال انس عايد ونور سين ويزن العطوي وغيرهم 

ان اعتقاد الجد (ليام) بقرب الاخرة يجعله يطور مفردات العزلة حول اسرته واحفاده في مرحلة تقترب من العزلة التامة وسط تلك الصحراء النائية بعيدا من التعليم والحياة والغد.

وامام واحدة من التحديات الكبري التي تواجه تلك الاسرة حيث تصاب إحدى الحفيدات (ريفة) بمرض الحصبة ليتم عزلها وعدم الاقتراب منها لتسوء حالتها لحد التدهور . ورغم محاولات والدتها (ميلا الزهراني) بشخصية (سارا ) من اجل الطلب لإرسالها الى المدينة للعلاج الا ان كل تلك الطلبات والتوسل يواجهان برفض الجد وبالتالي رفض الاب.

في خط متوازي نلاحظ اهتمام (عساف) ابنة عم (ريفة) بأمر علاجها والتفكير جديا بالعمل على ان تصل الى المدينة لعلاجها وانقاذها على خلفية مجموعة من الاحداث التي راحت تتطور حيث المعطيات الاولية لغزو الدكتاتور صدام حسين لدولة الكويت، امام تلك المواجهة الاولي الصعبة التي تواجها الاسرة بعد مواجه سابقة تستدعيها ذاكرة الفيلم ادت الى اغتيال أحد الابناء من قبل أحد الاشقاء بعد قراره بان يأخذ زوجته للعلاج حيث يتعرض له بالسيارة ليقتله.

امام مرض (ريفة) وقرار الجد بعدم السفر بها للعلاج في المدينة تبدأ الشخصيات بالانكشاف، حيث الاخ الاكبر والد ريفة يعمل المستحيل اسبوعيا من اجل الذهاب الى المدينة لجلب الماء حتى واضطر الى هدره قبيل الموعد، وهناك الابن الاخر المدمن على التهام التبغ، والابن الثالث الذي تسبب في اغتيال والد عساف دخل في حالة من التأنيب للضمير ليسجن نفسه في حالة من الصمت.

في تلك الفترة يقرر الجد بان يذهب الى عمق الصحراء ليتفرغ للعبادة والصلاة والاستغفار مع ايمانه بان الاخرة باتت على الابواب في فترة عزلة تبدأ خيوط كشف الشخصيات حيث الاخ الاكبر نكتشف بانه يذهب الى المدينة لأنه متزوج من امرأة اخرى برغبة ان تنجب له صبيا، والابن الاخر مدمن على مضغ التبغ والثالث في سجنه النفسي وامتناعه عن الكلام والرابع مطرود من العائلة. 

عندها يقرر عساف ان يسرق إحدى السيارات من اجل الذهاب بريفه الى المدينة لعلاجها وليلحق به العم الصمت والذي يلحق به، ولكنه يرفض تجربة القتل التي قام بها من ذي قبل مع والد عساف ليتركه يكمل مشواره الى مدينة الخفجي حيث يوصلها الى إحدى المصحات لعلاجها في الوقت الذي يصاب به بالعدوي كما تصاب بقية افراد الاسرة . 

ومع شفاء ريفة تسوء حالة عساف الذي يعودون به الى الصحراء ولتأخذ حالة بالتدهور لتقرر والدة ريفة ومعتوقة احدى الفتيات التي تم تبنيها من قبل الاسرة بان يتم اخذ عساف للعلاج في المدينة، ولكنه يموت في الطريق.

هكذا هو المتن الروائي للفيلم، الذي تتداخل به الاحداث والشخصيات بهدف وفي احيان كثيرة بلا هدف محوري لمواجهة حالة الهيمنة التي كان يفرضها الجد والتي يرضخ الابناء لتلبيتها وعدم العصيان في تلك العزلة السوداوية المرعبة . 

في الفيلم الكثير من الحكايات، ولكنها تظل في احيان كثيرة بعيدة عن اثراء المضامين الاهم والمقولات الاعمق للفيلم . 

ففي الوقت الذي تبدو به شخصية الطفل عساف مهيئة وبشكل حقيقي لتجاوز تلك الظلمة والعزلة المفروضة والتضحيات الكبيرة التي قدمها لعل اقلها السفر بابنة عمه ريفة المريضة الى المدينة وسط تلك الظروف الصعبة التي كانت تتحرك في المنطقة . الا ان تلك الشخصية التي تبدو كمخلص ورهان مستقبلي مشبع بالأحاسيس والمبادرة والرغبة في التعلم وطرح الكثير من الاسئلة للتعلم والاكتشاف نجد ان الفيلم يقتل تلك الشخصية وكانه يؤد الحلم والحب والغد والرهان والمستقبل بينما تبقي تلك الشخصيات المتورطة والكاذبة والمزيفة والقاتلة والتي تؤمن بأفكار تجاوزها الزمن، وهذا ما يجعلنا نتساءل لماذا ؟ بل لماذا كبيرة ؟ خصوصا ونحن امام مرحلة تراهن على جيل الغد والمستقبل جيل يقدم التضحيات والمبادرات، فلماذا تظل الظلمة ويظل الفكر الرجعي مسيطرا على تلك الاسرة حتى رغم اختفاء الجد في ظروف مجهولة خلال رحلته للعزلة والتعبد . 

نعلم بان الخوف من المجهول يذهب بالبعض الى العزلة والابتعاد عن المجتمع، ولكن نحن نتحدث عما بعد تلك الصدمة التي ادت الى قتل الرهان والمستقبل والحلم وكان نهاية تلك الاسرة هو الموت والبقاء بلا امل .. وحلم .. غد.

في النصف الاول من الفيلم كمية من الحوارات التي تحول الشاشة الى فعل اذاعي تغيب عنه الحلول البصرية المرتقبة من مخرج بمكانه عبدالعزيز الشلاحي (عطوي) و (المغادرون)و (المسافة صفر )، (حد الطار ) واخيرا مسلسل (خيوط المعازيب) فاذا به يظل حبيس النص غير قادر على مغادرته وتحقيق رؤية وحلول بصرية تكسر من حدة الحوار الكثير الذي يظل يتحرك في ذات الدائرة ولا يحقق الاضافة لتعميق الشخصيات.

وهناك كم من الالتباسات بالذات في الحديث عن حرب الخليج بالذات فيما يخص مواعيد الحرب حيث بدء الاحتلال والاجتياح العراقي للكويت في 2 اغسطس 1990 بينما جميع التواريخ هي العام فبراير ومارس من عام 1990 . بينما الحرب الجوية والارضية والمواجهات العسكرية كانت في مطلع عام 1991 وصولا الى تحرير دولة الكويت في 26 فبراير 1991 .

في فيلم هوبال حالة من الظلم الصريح لمواقع التصوير رغم جمال وبهاء تلك المواقع حيث صحراء جدة ونيوم ومحافظة رماح بالقرب من الرياض . وهي منطقة ثرية بالتضاريس لم يتم استخدامها لتكون جزء من الحدث او حتى العزلة بما فيها مشهد اختفاء الجد في أحد الحفر الكبيرة التي بلا قرار.

في الفيلم مناطق اشراق من بينها تلك الموسيقي التصويرية التي حققتها الفنانة سعاد بوشناق، وايضا الحضور للفنانة ميلا الزهراني والفنانة الموهوبة امل سامي (ريفة) ومحمد فرحان (عساف) وراوية احمد (معتوقة) .

ونعود لبيت القصيد (هوبال) ذلك النداء وتلك الصرخات الى الحيوانات بالذات الجمال للعودة والحضور والتى كان يستجيب لها الحيوان لم تصل للإنسان لان نداء الحب والتغيير والامل والمستقبل ظل معطلا امام سطوة الفكر المتحجر الذي قمع كل شي .فلماذا ظلت تلك الصرخة معطلة . لقد صفق الجمهور السعودي مطولا في العرض الاول لمجموعة من المشاهد من بينها قرار عساف بالسفر مع ريفة للعلاج وقرار الام ومعتوقة لأخذ عساف للعلاج وهنا مجموعة من التحديات والقرارات التي تتماشي مع رؤية المستقبل والتغيير والغد فلماذا قتل فيلم (هوبال) كل تلك الطموحات التي تفاعل معها الجمهور ويريدها ويعشقها ويراهن عليها للخروج من العزلة والموت المحتم، مجرد سؤال.