بمهرجان البحر الأحمر السينمائي

فيلم "إلى أرض أخرى".. فلسطين حاضرة 

| عبدالستار ناجي

ضمن عروض مهرجان البحر الأحمر السينمائي 2024، يأتي الفيلم الفلسطيني "إلى أرض أخرى"، والذي كان قد عرض في مايو الماضي في مهرجان كان السينمائي، حيث الذهاب إلى موضوعه الهجرة من جديد، والتأكيد على حضور فلسطين في الذاكرة نبض لا يُنسى.

ونشير هنا إلى أنه كلما حضر المخرج مهدي فليفل، كانت فلسطين هي الحاضر المحوري، حيث العزف على إيقاع فلسطين بكثير من الفهم والموضوعية، وأيضًا الاحترافية، وهو في أحدث أعماله "إلى أرض مجهولة".

رغم الموضوع الذي يشتغل عليه فليفل، وينخرط في إطار أفلام الهجرة، إلا أن فلسطين تظل النبض الحقيقي لإيقاع هذا العمل بكل مضامينه وأبعاده.

المتن الروائي للفيلم، الذي كتبه مهدي فليفل بالتعاون مع فيصل بوليفة وجيسون وكالجان، يتحرك في إطار الثنائي شاتيلا ورضا (أبناء عمومة)، الذين اجتهدوا من أجل تأمين مبلغ يمكنهما من السفر خارج أثينا، التي وجدوا أنفسهم قد حُشروا بها، ولا منفذ إلا عبر شراء جوازات مزورة تمكنهما من العبور إلى بقية الأنحاء الأوروبية.

إلا أن الرياح تسير بما لا تشتهي أحلام وطموحات هذا الثنائي، حينما يؤدي إدمان رضا على المخدرات إلى خسارة كل شيء، حيث يبدأ الحلم بالتلاشي والاختفاء. في إطار متواز، يبدأ تحرك رفيقة شاتيلا للذهاب إلى خطة تحمل كل مفردات التطرف، ولا يجد رضا حلًا إلا الموافقة بعد أن دمر كل الأحلام عبر تعاطيه للمخدرات. وتتمحور فكرة رضا حول الإعلان بأنهما مهرّبان محترفان يقومان بإيصال الذين تقطعت بهم السبل ويريدون الخلاص، والعمل على خطفهم وسرقة أموالهم. وكأنه لا حل لتحقيق الحلم إلا بقتل أحلام الآخرين، ولربما قتلهم.

منذ المشهد الأول، يدفعنا مهدي فليفل إلى عمق الأزمة، وكأنه يريد اختصار المسافات عبر تقديم وتحليل الشخصيات المحورية. وفي الفيلم، يدهشنا الفنان الشاب محمود بكري (بشخصية شاتيلا)، وهو نجل الفنان الفلسطيني القدير محمد البكري، ويسير على نهج والده وأشقائه، ومن بينهم صلاح وآدم وزياد. وفي الفيلم أيضًا: آرام صباغ (بدور رضا)، ومحمد الصرافة، وإنجيليكي بأبوليا، ومحمود غسان، ومعتز الشلتوني.

رحلة تحقيق الحلم تبدو منذ اللحظة موءودة، وكلما تمر اللحظات تتسع الهوة وتتوالى الخيبات والعثرات، وتتعمق مضامين الغربة، ولربما الضياع في تلك الأنحاء القصية التي لا تحمل نبضك أو إيقاعك الإنساني.

فيلم مصنوع بعناية ومتماسك. مجموعة الشباب في الفيلم تشتغل باحترافية، رغم أن بعضهم يقف أمام الكاميرا للمرة الأولى. ونتوقف عند اسم المخرج مهدي فليفل، فهو مخرج فلسطيني دنماركي تخرج من NFTS في المملكة المتحدة. في عام 2012، تم عرض أول فيلم وثائقي طويل له "عالم ليس لنا"، وحصد أكثر من جائزة من أنحاء العالم.

مهدي فليفل في فيلمه يتجاوز الكثير من الصيغ التقليدية والمستعادة عبر ذلك الإيقاع المحكوم، والحوارات العفوية الخالية من الشعارات، والتي تجعل المشاهد يدخل إلى عوالم تلك الشخصيات وأحلامها الباهتة التي أضلت الطريق إلى التحقيق.

رحلة تنطلق من أحد المخيمات في لبنان إلى أوروبا، والتخطيط لأن تكون المحطة الأساسية هي ألمانيا. فكيف يكون الطريق إليها بعد أن تبخرت تحويشة العمر وطوق النجاة الذي كان من المفترض أن يقودهم إلى الحلم؟

في الفيلم كتابة تحمل الكثير من المعايشة للحالة الآنية للمهاجرين، حيث تلك الدوامة التي تظل تدور حولهم أولًا، ولكنها سرعان ما تعصف بهما ليدخلا في لجّتها وقسوتها وآلامها ووجعها الذي يحبس الأنفاس، ونحن نعيش عذابات تلك الشخصيات التي تمثل شرائح حية للنسبة الأكبر من المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل إلى حيث المجهول.

فيلم شديد القسوة، ولكنه في الحين ذاته شديد الشفافية والوضوح. أدار دفته المخرج مهدي فليفل، الذي يحقق نقلة إضافية في مسيرته السينمائية، ونتوقع منه الأكثر.

ورغم زحمة الملاحظات، بالذات على صعيد بناء الشخصيات وتطورها، حيث سرعان ما تسقط في دائرة الجريمة والتورط بكمّ من المغامرات التي توصل شخصية رضا إلى جرعة زائدة، ثم الموت في مشهد ختامي لعله الأهم ضمن مشهديات الفيلم، الذي يحقق معادلة أساسية هي التأكيد على حضور اسم فلسطين في كافة المحافل. وهو أمر نشدد ونؤكد عليه لتظل القضية الفلسطينية وموضوع الهجرة حاضرين في الذاكرة والوجدان.