“فراغات الصمت” في ميزان العقلية اليابانية (2)

| البروفيسور المؤمن عبدالله

‭ ‬للصمت‭ ‬معان‭ ‬ووظائف‭ ‬عديدة‭ ...‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬لأخرى‭ ‬ومن‭ ‬ثقافة‭  ‬لغيرها،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬أبعادها‭ ‬وميزانها‭ ‬الثقافي‭ ‬واللغوي‭ ‬المحدد‭ ‬لها‭. ‬فهنا‭ ‬وحسب‭ ‬المعادلة‭ ‬الثقافية‭ ‬اليابانية‭ ‬يصبح‭ ‬“الصمت”‭ ‬فضيلة‭ ‬جميلة‭ ‬ذات‭ ‬تقدير‭ ‬مجتمعي‭ ‬كبير،‭ ‬لاسيما‭ ‬حين‭ ‬تتعرض‭ ‬للزجر‭ ‬أو‭ ‬للنقد‭ ‬أو‭ ‬الاتهام‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭ ‬نتيجة‭ ‬فعل‭ ‬أو‭ ‬تصرف‭ ‬ما،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬فعلته‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مقصود‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الخطأ‭ !...‬هنا‭ ‬ووفق‭ ‬ميزان‭ ‬حكمة‭ ‬“الصمت”‭ ‬اليابانية‭ ‬يصبح‭ ‬تركُ‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬تبرير‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬الخاطئ‭ ‬ـ‭ ‬بغير‭ ‬قصد‭ ‬ـ‭ ‬وتركُ‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصداقيته‭ ‬وصحته‭ ‬شيئًا‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬الفضيلة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الجميلة‭ ‬لدى‭ ‬العقلية‭ ‬اليابانية‭. ‬فالصمت‭ ‬هنا‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬العقلية‭ ‬اليابانية‭ ‬آية‭ ‬في‭ ‬النبل‭ ‬وثمرة‭ ‬العقل‭. ‬ويكون‭ ‬“الصمت”‭ ‬أيضًا‭ ‬مطلبًا‭ ‬اجتماعيًّا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬التباهي‭ ‬بعمل‭ ‬أو‭ ‬فعل‭ ‬حسن‭ ‬يتطلب‭ ‬مهارة‭ ‬ممتازة‭ ‬وكفاءة‭ ‬خاصة،‭ ‬إذ‭ ‬يُصبح‭ ‬هنا‭ ‬“العدول‭ ‬عن‭ ‬الكلام‭ ‬والتزام‭ ‬الصمت”‭ ‬سلوكًا‭ ‬واجبًا‭ ‬وحاضرًا‭ ‬وفق‭ ‬المعيار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬للعقلية‭ ‬اليابانية‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أننا‭ ‬سوف‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬وصعوبة‭ ‬في‭ ‬تفهم‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬الياباني‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأمور‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬فهو‭ ‬يتعارض‭ ‬ويختلف‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬العقلية‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬فكرٍ‭ ‬وفلسفةٍ‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭  ‬أحق‭ ‬الناس‭ ‬بصنع‭ ‬طريقته‭ ‬بنفسه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬ذاته‭ ‬التي‭ ‬تعطيه‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وفكره،‭ ‬وحمايتها‭  ‬بوصف‭ ‬هذا‭ ‬الدفاع‭ ‬وتلك‭ ‬الحماية‭ ‬عاملًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رفع‭ ‬شأنه‭ ‬وذاته،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذاك‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬بعض‭  ‬الأحيان،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬“وإن‭ ‬لزم‭ ‬الأمر”‭. ‬

‭ ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬فكر‭ ‬العقلية‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬إيثار‭ ‬النفس‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬تجده‭ ‬متشابهًا‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬وسلوكياتها‭ ‬المعاصرة‭. ‬لكننا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬سوف‭ ‬نجد‭ ‬لتلك‭ ‬الشخصية‭ ‬العربية‭ ‬تقاطعًا‭ ‬فكريًّا‭ ‬لها‭ ‬مع‭ ‬معادلة‭ ‬“الصمت‭ ‬اليابانية”‭ ‬وميزانها‭ ‬الثقافي‭. ‬فسوف‭ ‬نجد‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬المقولات‭ ‬والحكم‭ ‬العربية‭ ‬المأثورة‭ ‬التي‭ ‬تعزّز‭ ‬حكمة‭ ‬الصمت‭ ‬وترفع‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬بوصفه‭ ‬خلقًا‭ ‬حميدًا‭. ‬فمن‭ ‬أشهر‭ ‬الأقوال‭ ‬المعروفة‭ ‬بمجتمعاتنا‭ ‬عن‭ ‬حكمة‭ ‬الصمت‭ ‬مقولة‭ ‬“السكوت‭ ‬من‭ ‬ذهب“‭. ‬وبالطبع‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الكلام‭ ‬والسكوت‭ ‬جعلت‭ ‬للسكوت‭ ‬ميزةً‭ ‬وثمنًا‭ ‬أغلى‭. ‬وهنا‭  ‬يجدر‭ ‬بي‭ ‬أن‭ ‬أستشهد‭ ‬بالمقولة‭ ‬الشهيرة‭ ‬للعالم‭ ‬الجليل‭ ‬شمس‭ ‬الدين‭ ‬التبريزي‭ ‬التي‭ ‬يقول‭ ‬فيها‭: ‬“الصَمتُ‭ ‬أيضًا‭ ‬لَهُ‭ ‬صَوت،‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬بِحاجة‭ ‬إلى‭ ‬روح‭ ‬تَفهَمُه”‭.‬