أنا ابن أكثر من لغة وثقافة وحضارة...
من الصعب اختلاج بضع كلمات، للتنفيس عن غربة وطن، ومن الصعب غربلة تجارب إبداعية، تتجاوز الرغبة في الالتحام الكتابي، والخوض في مخاض ملحمي بين النص والقصيدة وصاحب القلم، هو تلاقٍ لتلاءم الأنفاس، وترجمة اللغات الشعرية بين أضلع الشاعر العراقي عبد الهادي سعدون الذي هرب من وهج الدكتاتورية الصدامية، إلى لغة اشتهاها وتعلمها، لذا هو يؤمن بالقدر ولا يؤمن بالتجارب الضيقة، بل بالتلاقح وبالتعبير التجديدي في كل مرة، وفي كل هفوة، عبر الالتقاء بالآخر، والهمس بالآداب المعاصرة. ولنتعرف أكثر على الشاعر سعدون، تغلغلنا في ذاته، واقتحمنا بعض ذكرياته الناضجة من رؤيته الذاتية.
وسألناه:
كيف جاءت فكرة الهجرة؟ ولماذا إسبانيا بالتحديد؟
- الحقيقة كان هرباً أكثر منه هجرة، وكوني وجدت الفرصة متاحة لي بعد حرب الخليج الأولى، للخروج من العراق، ولأنني مثل مئات الآلاف من العراقيين لم نعد نطيق بطش وقسوة الدكتاتورية الصدامية، ولأننا لم نعد نجد مخرجاً آخر للخلاص غير الهرب. أما لماذا إسبانيا، فلأنني كنت قد درست الأدب واللغة الإسبانية في جامعة بغداد وهو ما سهل لي التواصل وإيجاد قبول دراسي في إحدى الجامعات الإسبانية، كما إن صديقا للعائلة، سهل لي الوصول إلى مدريد والتسجيل في إحدى جامعاتها. ولو لم يكن ذلك، لكنت قد وجدت مكاناً في إحدى الدول العربية أو أي دولة أوروبية أخرى تقبل بي لاجئاً. أشعر أنني محظوظ بشكل وبآخر، لأن إسبانيا قد وفرت لي مناخاً من الحرية والاختيار كي أعبر عن نفسي بصورة غير مشروطة.
أنت كاتب وشاعر وسارد ومترجم وصاحب مجلة، أين تصنف نفسك في كل هذا؟ وهل التعدد يثري التجربة أم يؤثر أحدها على الآخر؟
- أعتبر نفسي قبل كل شيء قارئا ومتابعا للثقافة قبل أن أكون كاتباً. الكتابة وتعدد نشاطاتها الأخرى كالترجمة والنشر، إنما تأتي تباعاً، وليس العكس إطلاقا. مثلما أنا متحمس للقراءة والمتابعة الجادة، أحرص على أن أكتب ما أراه مناسباً في لحظته، من هنا كتبت القصة والشعر والنقد والسيناريو السينمائي، وغيره مما لا داعي لذكره هنا. وكله يأتي مكملاً لبعضه البعض، ففي المحصلة النهائية كل واحد منا هو مجموع ما يزاوله. وكي أكون صادقاً معك، فعملية الكتابة تحتاج مرانا دائما ورغبة صادقة بالكتابة بعمق وتفرغ في كل صنف من أصناف الكتابة، وكلها يجب أن تخرج بالدرجة نفسها، وإلا فمعنى ذلك أن تركز نفسك بصنف أدبي وتترك الآخر. لا أعرف مدى نجاحي من فشلي في ذلك، وكله متروك للقارئ والنقد بالطبع. الترجمة على أي حال أعتبرها عملية إبداعية مكملة لفهم الآخر وتوصيله لعوالمنا، وبالتالي الاستزادة منه ومن نصوصه. إن التعددية -ومن وجهة نظري- إثراء للتجربة وحافز للمزيد من التجريب والاكتشاف المتأني.
في بداية القرن العشرين جاءت ظاهرة أدب المهجر، واستمرت بصورة غير منتظمة كيف ترى أدب المهجر في البداية والآن؟
- أدب المهجر نشأ بظروف متقاربة وإن اختلفت الأزمنة والأمكنة. إن كل مثقف قد كتب أدبا بعيدا عن الأرض الأولى، نسميه أدب المهجر، ويكون متأثرا بالبيئة الجديدة، ومن هنا يصبح أدباً مختلفاً، ولكن لا يعني ذلك اغترابه عن الأصل. أعتقد أن آداب المهجر وجدت منذ العصور الأولى، وليس هذا بجديد عن أي ثقافة وحضارة أخرى، وإن كنا نعرف عن العرب وظاهرة أدب المهجر بصورة خاصة مع بدء القرن العشرين، التي شكلت أجياله انتقالة كبيرة بفهمنا المعاصر للثقافة والأدب ودفعت بالآداب العربية لتجربة ناضجة ستأتي بثمارها في مختلف الفنون والآداب، وغني عن التعريف ذكر حركاتها وأسماء أدبائها. أما الآداب المهجرية اليوم، فقد توسعت نتيجة الهجرات والمنافي الشاسعة التي احتوت أجيالا متتالية من المثقفين العرب بسبب التسلط والدكتاتوريات والحروب، ناهيك عن سهولة الوصول والتواصل في زمن العولمة. أعتقد أننا اليوم نشارك كأدباء مهجريين بظاهرة مهمة انتبه لها النقاد الغربيون، وهي أن الأدب والثقافة العالمية بشتى صورها يقودها أجيال الأجانب المهاجرين كل في دولته المتبناة، وهذا بحد ذاته أكبر ظاهرة تعيشها اليوم الآداب العالمية. إن غربلة بسيطة لأسماء ونتاجات إبداعية مختلفة ستحيلنا بالتأكيد لثقل وأهمية المهجريين بالتجديد والمشاركة الفاعلة اليوم مثلما كان عليه في بداية القرن العشرين. ولكن لننتبه إلى أن كل ذلك إيجابي ويدخل في مجال التلاقي والإضافة لا التنافر والتهميش لثقافة مقابل أخرى.
كتبت شعرًا عن الغربة وذهب متخيلك إلى ديارك الأولى، أين حلم السعدون وواقعه في هذا الخضم المتضارب بين المكانين - بين الحلمين - بين الحضارتين- مما لا شك فيه أنك خرجت من بيئة وثقافة وأنساق تختلف عن التي تعيشها الآن. أين السعدون من هذه الأنساق كلها؟
- الإنسان ليس ابن بيئة واحدة، بل أكثر من بيئة واحدة. كما وجدتني بعد هذه الرحلة الطويلة بين أكثر من عالم، أشعر أننا بذرة أكثر من ثقافة وعرق وتجربة، وهو بحد ذاته ثراء كبير لو يدركه الواحد منا. أشعر بارتياح تام عندما أحسني قريباً من الثقافة العالمية بكل وجوهها، وهذه النقطة بحد ذاتها لا تعني بعدي عن عوالمي العراقية والمشرقية، بل العكس تعمقها وتسحبها نحو الانفتاح الضروري لكل تجربة ثقافية. لا أؤمن بالأحادية ولا التجربة الضيقة، كل الإنسانية ذات ثقافة واحدة، وهذه ليست حكراً على بلد ولا عرق معين. التلاقي والتقابل والتلاقح الحضاري هو الحاضر في كل مناسبة وليس التنافر والتناحر والصراع. الاختلاف ليس بالضرورة صورة سيئة عن تعدد الثقافات، بل رغبة للتجاوز و المضي نحو التجديد. أشعر أنني ابن لأكثر من لغة وثقافة وحضارة، وهذه حقيقة الإنسان وواقعه وما أؤمن به في كل لحظة بشكل اكبر.
لك “ألواح” المجلة والموقع ولهما انتشار بين المثقفين والأدباء، كيف بدأت الفكرة وكيف استمرت ولماذا توقفت؟
ـ فكرة الشروع مع ألواح (المجلة والمنشورات) عام 1997، كانت بسبب الحاجة لمشروع ثقافي وإصدار أدبي يجمع الشتات العراقي في منافيه المتناسلة بصورة خاصة والأدب العربي وعلاقته بالعالم بصورة عامة، ونحن طوال الوقت راهنا على هذه الفكرة ونجحنا بشكل وبآخر دون أن نرهن خصوصيتنا وتعاملنا النزيه مع الأديب والخاصية الثقافية لكل فرد. شئنا لها أن تكون جسراً ما بين الثقافات، وباباً للحرية والتجربة والنشر بعيداً عن الرقابات السلطوية المتجذرة في عالمنا العربي وفي الذات المبدعة، في أحيان أخرى، نتيجة الضغوطات والتسلط الأعمى. عبر أكثر من 23 عدداً وعشرات المواضيع والأعداد الخاصة طرقنا بها كل الموضوعات المحرمة أو غير المرغوب التحدث بها في عالمنا العربي، وقدمنا من خلالها تصورات وأجيالا وأسماء ونصوصا شكلت ثقلاً فكرياً في صلب العملية الأدبية. لقد نشرنا ملاحق وكتبا وترجمات فاقت أكبر المؤسسات الحكومية إذا ما نظرنا لها من ناحية الوضع الاقتصادي المستقل الذي نهجناه دون الحاجة لأي تمويل من أي جهة معينة. مشروع ألواح لم يتوقف للآن، وإن شئنا التريث قليلاً للبحث عن صيغ مناسبة جديدة ترفع من قيمة ألواح واستمراريتها.
ما مشروع السعدون الثقافي والإبداعي على مستوى الذات والآخر؟
- الواحد منا هو مجموع ما يعمله، وأنا أجد نفسي في كل ما أنجزه، حتى العمل الذي نتصوره تافهاً يصب بالضرورة في المصب نفسه. قبل أن أسعى لمنجز ثقافي وإبداعي، أسعى للتأكيد على أنني أعمل في طريق يؤدي لفائدة معينة سواء في الكتابة أو الترجمة أو النشر. غرضي ليس العثور على عشبة الخلود كما فعل جدي كلكامش الميزوبوتامي، بل أن أقنع نفسي أن ما أزرعه كبذرة قد تزهر ما يشكل يوماً نبتة مورقة.
زرت العديد من البلاد الأجنبية وتعرفت على تجارب عديدة أين موقع الأدب العربي عامة من هذه الأنساق والثقافات التي تعرفت إليها؟ وما مدى العلاقة التي تربط الأدب العربي بالإسباني ومن دون النظر إلى التاريخ والدولة الأندلسية والخلافة العربية الإسلامية هناك؟
- الالتقاء بالآخر عن طريق السفر والملتقيات في قارات مختلفة، إنما هو التقاء حقيقة بالنفس. نعرف ذاتنا من خلال نظرة الآخر لنا وتقييمه لثقافتنا وآدابنا. ومنها خرجت بانطباعات متعددة، لعل أغربها أن البعض ينظر لنا من خلال آدابنا الماضية وليس عن طريق الالتقاء بنا من خلال آدابنا المعاصرة. وهذا بحد ذاته يدفعنا للمزيد من النشاط لتوصيل ثقافتنا المعاصرة كونها امتدادا مشرفا لثقافتنا الماضية، ولكنها بحد ذاتها آداب وثقافة جديرة بالاعتبار مثلها مثل أي ثقافة عالمية أخرى. من هنا يتطلب منا العمل، ليس المثقف لوحده، بل المؤسسات الثقافية عامة، لإعطاء هذه الصورة الصائبة عن عوالمنا المتعددة. بصورة عامة الجهل متفش والخلل ليس من الآخر بالضرورة، بقدر ما هو جهل متعدد الأطراف، يطالنا نحن قبل الآخرين. على أي حال، الأدب العربي يجد في الآونة الأخيرة اهتماما كبيرا في الأوساط الغربية، وهناك إقبال لقراءته وترجمته وتحليله، ومع ذلك لا يزال يحبو قياساً بآداب أخرى ليست أكثر أهمية من آدابنا العربية. ولكنها على أي حالة خطوة معتبرة، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار، مكانتنا قبل عقدين، منها عن الوقت الحالي.
جئت إلى البحرين شاعرًا ومترجمًا، أخبرني بصدق الكاتب وليس بصدق الشاعر، كيف رأيت البحرين أدبًا وثقافة ومكانًا وشعبًا؟
- مشاركتي الأخيرة في اليوم العالمي للشعر في البحرين جاء لدعوة كريمة من أسرة الكتاب والأدباء في البحرين، وهي فرصة لا تقدر بثمن للالتقاء عن قرب بهذه الكوكبة الهائلة من المثقفين. لقد كان لي فكرة وإن كانت بسيطة عن الثقافة والإبداع البحريني، ولكن التواجد بينكم والاطلاع المباشر قد ولد لدي تصورا أن هناك نقصا كبيرا بالتلاقي والمعرفة بين ثقافات عالمنا العربي، وأن ما نعرفه واحدنا عن الآخر لا يتعدى السطح على أكبر تقدير. لقد وجدت حقيقة ثورة أدبية وفكرية وفنية كبيرة لم أتخيلها، كما إن تعدد الخبر والمناخات ساهم وسيساهم بشكل أوسع على تنضيج التجربة وانطلاقها على مديات أوسع. لقد خرجت بخبرة واسعة وفهم آخر للبحرين لم أكن أحملها قبل ذلك. ببساطةً، إن التجربة الشعرية والقصصية والفنية التي اطلعت عليها وأنتظر الاستزادة منها، إنما هي جديرة بمكان أول في عالمنا العربي وإنها لا تقل قيمة ولا مكانة عن غيرها من آداب العالم الأخرى، ولا أقول هذا عن الأسماء المعروفة من أدباء البحرين، بل يتعدى ذلك حتى آخر الأسماء في الأجيال التالية.
ما جديدك؟
- الحقيقة في أكثر من مجال. مستمر بترجمة روائع الأدب الإسباني للعربية شعراً ونثراً، بعد نشر منتخبات شعرية جديدة لصاحب نوبل خوان رامون خمينث، أعمل على تجهيز منتخبات شعرية لأنطونيو ماتشادو ودراسة عن أدب الموريسكيين المسلمين في إسبانيا. وقبل فترة أصدرنا انطولوجيا الشعر العراقي باللغة الإسبانية التي تضم أكثر من 30 شاعراً معاصراً، وهي الانطولوجيا الثالثة التي نترجمها ونشرف عليها. من ناحية نتاجي الإبداعي صدرت ترجمة روايتي انتحالات عائلة للغة الإسبانية، وستصدر قريباً منتخبات شعرية في كوبا وأخرى في مدريد. من ناحية أخرى أجهز لنشر كتاب شعري باللغة العربية بعنوان (أبواب للانتظار، عتبات للرحيل) لنشره في تونس قبل نهاية العام الحالي، ومثله كتاب قصصي بعنوان (سُكَرُ الباه).