سهرة ممتعة بالخليج المسرحي حافلة بالتساؤلات

"عند الضفة الأخرى" انهزام أنبل ما في الإنسان أمام الظروف الطاحنة

| أسامة الماجد من الرياض

من العروض الباهرة التي قدمت في مهرجان الخليج المسرحي بالرياض ونالت إعجاب الجمهور والنقاد والمهتمين، مسرحية "عند الضفة الأخرى" لمسرح الريف البحريني، التي استطاع بها المؤلف حسين العصفور أن يسيطر على جمهور الصالة عبر رسم صورة كاملة للقرية التي حلت بها لعنه الكسوف الكلي للشمس من خلال نماذج متعددة، ونجح المخرج طاهر محسن بذكاء في تعميق الحدث وتكثيفه ومعالجته، فمنذ الدقائق الأولى لرفع الستار نعلم أن ثمة صراعا يدور في هذه القرية الافتراضية التي لا نعلم لها اسما طوال المسرحية، صراعا يجري بين الناس البسطاء ويستعرض معنا المؤلف العصفور نماذج من أهل القرية ، بومحمود الباحث عن الذرية  وشريعة الأخلاق الجديدة وينتهي به المطاف إلى الشك القاتل في زوجته، وبائع الخضار والصياد جابر ورجل الدين وغيرها من الشخصيات التي تبحث عن إنسانيتها وحياتها اليومية. ووسط هذا الإطار البيئي العام يعرض المؤلف العصفور خطا آخرا، أكثر خصوصية، خط الحدث الشخصي، والشخصيات هنا لا تعرض مشكلة فحسب، أنها تروي حكاية وهذه النمطية في الشخصيات تجعلها أقرب إلى القوالب الكوميدية التي تناشد روح المتفرج النقدية، تماما كما فعل موليير، ولكن المسرحية مع ذلك مثل التراجيديات تصور انهزام أنبل ما في الإنسان أمام الظروف الطاحنة، وهي مع ذلك لا تتسم بالتشاؤم، فالمشكلة هنا لا تنبع من الطبيعة البشرية، ولكن من الظروف التي تفرضها الحياة. والظروف يمكن علاجها والعمل الجماعي هو السبيل إلى الحل.

لقد أمضينا معهم جميعا ومع جهودهم المخلصة سهرة ممتعة حافلة بالتساؤلات في أجمل عرض بالمهرجان حتى الآن، واتضحت لي حقيقة رائعة وهي أن لدينا هنا في مملكة البحرين ثروة حقيقية من الممثلين الفنانين المبدعين.

وزخرت الندوة التعقيبية للمسرحية بآراء متنوعة اتسمت بالموضوعية والجدية والكشف عن النواحي الإيجابية والسلبية على حد سواء، فالمعقب على العرض الناقد العراقي الدكتور محمد سيف لفت أنه رغم كونه شاهد العرض للمرة الأولى، إلا أنه كان قد اطلع على النص مسبقا، مما منحه فهماً أعمق للتحليل، وقدم خلال الندوة تحليلاً مفصلاً عن العمل الذي ركز على استكشاف التوجهات الفنية والجوانب التقنية للمسرحية، كما أنه ويلامس القضايا الإنسانية العربي. وأشاد بمعالجة المخرج طاهر محسن للنص، مؤكدًا أن العرض قدم بشكل متكامل، مستعينا بتقنيات بصرية مذهلة، واصفا إياه بأنه استلهم بعض عناصره من مسرح "الكابوكي الياباني"، خاصة في الانتقال السلس بين المشاهد، كما أبدى سيف بعض الملاحظات حول استخدام العتمة في بعض المشاهد مما جعل من الصعب على الجمهور التمييز بين العناصر المختلفة على خشبة المسرح، وأثنى على الإخراج ودور السينوغرافيا للمبدع ياسر سيف.

لقد أكد لنا عرض مسرح الريف بلا ادني شك على إن المسرح، ذلك الفن لا يمكن أبدا، أن يكون وسيلة لمتعة رخيصة، أو لربح سريع، إطلاقا، أن المسرح فكرة ورسالة وجهد ومثابرة على الدرس والعلم والاستفادة.