في عُمَان جَلَبَةٌ ستُطوَى ولن تُروَى
| محمد عبدالله العلي
طَوَت عُمَان الحبيبة حادثة “الوادي الكبير” بسرعة. ليس لأن “أوزار” الحادثة قد وُضِعَت، بل آثارها أيضًا. فلا خطيب يتكلم عن فضائلٍ أو مناقبٍ أو حقوقٍ أو مآثرٍ لأحدٍ سوى فضيلة ومنقبة وحق عُمَان وسلامها وضرورة المحافظة عليه، فهذا البلد لم يعرف وجه المذاهب والطوائف كما هو العالَم، بل وليست به مُحفزَّات تحريكها نحو الجدار.
قد يظن البعض أن هذا مجرد إنشاء في القول، لكن زيارة لهذا البلد الكريم تثبتُ لكَ أنه واقع مُعاش، وتاريخٌ يُحكَى، فلا الأمكنة حكرٌ على أحد، ولا المساجد خاصةٌ بأحد، ولا الإسلام يمكن أن يختصره أحد في نفسه. هذه الثقافة تجذَّرت منذ زمن، وحافظ عليها العُمَانِيُّون، وكل مَنْ يخالف ذلك لا يجد لنفسه متسعًا في مجلس، ولا متنفسًا في مقام.
تاريخيًّا ردَّ الإمام ناصر بن مرشد اليعربي أموال بعض رعاياه المنهوبة في صُحَار - وهم على غير مذهبه - من خصومهم كشرط قبل أن يصالح المعتدين عليهم.
واعتمد سعيد بن سلطان على الشيخ أحمد الكعبي البحراني في الدبلوماسية والتجارة، وسفيرًا لـعُمَان في أميركا عام ١٨٤٠م، وعلى الشيخ عبدالله الظاهري، والشيخ محمد الإكواني والشيخ محي الدِّين القحطاني قضاةً وضباطًا في دولته وجميعهم ليسوا على مذهبه.
هكذا كان تاريخ العُمَانِيِّين، وهذه هي صورة لُحمتِهِم الدينية. لقد كان موقع عُمَان على البحر قد جعلها أرضًا كوزموبوليتية منذ قرون، ترى وتسمع فيها أكثر من ١٤ لغة، وأديانا ومذاهب وثقافات متعددة، حين وصل التمدد التجاري العُمَانِي من الصين ولغاية شرق أفريقيا، الأمر الذي أحدث تحولات مهمة في بُنْيَة المجتمع العُمَانِي، وعَدَّد من ثقافته، وجعله يألَف الآخر، بل تداخلت الدماء بالزيجات، والأفكار بالقناعات.
هذا التاريخ وطّن ثقافة القبول والتعايش، حتى صارت سِمَة عند العُمَانِيِّين، لا يتكلَّفون بشأنها البتَّة، لذلك ما حدث في الوادي الكبير جَلَبَةٌ ستُطوَى ولن تُروَى.
* كاتب بحريني