أفلام هوليوود التاريخية تعمد إلى تشويه نضال الشعوب وتاريخها

كتاب “الفيلم في معركة الأفكار” وثيقة حية تكشف ما وراء السينما الأميركية

| أسامة الماجد

تتحكم‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬وصياغة‭ ‬الأفلام‭ ‬الأميركية‭ ‬عوامل‭ ‬عدة‭ ‬متشابكة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يفهمها‭ ‬بوضوح،‭ ‬ومن‭ ‬أقوى‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬إبراز‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للثقافة‭ ‬الأميركية‭ ‬والرومانتيكية‭ ‬المرعبة‭ ‬التي‭ ‬تروج‭ ‬لها‭ ‬عبر‭ ‬الحقب‭ ‬المختلفة،‭ ‬فأميركا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬الخمسينات‭ ‬تتبوأ‭ ‬مركز‭ ‬الصدارة‭ ‬والتفوق‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬دقت‭ ‬الساعة‭ ‬الأميركية‭ ‬وكان‭ ‬صدى‭ ‬دقاتها‭ ‬يعكس‭ ‬سيكولوجية‭ ‬قوة‭ ‬متقهقرة،‭ ‬إذ‭ ‬جرى‭ ‬قطع‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬قارة‭ ‬تلو‭ ‬أخرى،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يزحف‭ ‬الاحتجاج‭ ‬السينمائي‭ ‬بصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬ليعيد‭ ‬التوازن‭.‬

“الفيلم‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الأفكار”‭ ‬كتاب‭ ‬صدر‭ ‬العام‭ ‬1953‭ ‬لجون‭ ‬هوارد‭ ‬لوسن‭ ‬وترجمه‭ ‬الراحل‭ ‬د‭. ‬أسعد‭ ‬نديم،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬ألا‭ ‬أن‭ ‬أهميته‭ ‬الكبرى‭ ‬مازالت‭ ‬باقية‭ ‬كوثيقة‭ ‬حية‭ ‬تكشف‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬السينما‭ ‬الأميركية‭.‬

الفيلم‭ ‬ليس‭ ‬سلعة‭ ‬تجلب‭ ‬الربح‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬سلاح‭ ‬إيديولوجي‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬عقول‭ ‬الملايين‭ ‬ولذلك‭ ‬فهوليود‭ ‬قطاع‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬الفكرية،‭ ‬ولابد‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬أفلام‭ ‬هوليود‭ ‬كأسلحة‭ ‬طبقية،‭ ‬تخدم‭ ‬هدفا‭ ‬محددا‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬العلوي‭ ‬للثقافة‭ ‬الرأسمالية‭. ‬ويوضح‭ ‬لوسن‭ ‬بالأمثلة،‭ ‬أنه‭ ‬بالتحليل‭ ‬العلمي‭ ‬للأفلام،‭ ‬يمكن‭ ‬كشف‭ ‬الأساليب‭ ‬التي‭ ‬يلجأ‭ ‬إليها‭ ‬دعاة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬لخداع‭ ‬ضحاياهم‭ ‬ويقدم‭ ‬تحليله‭ ‬للأنماط‭ ‬الرئيسة‭ ‬لأفلام‭ ‬هوليوود،‭ ‬فيفضح‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭ ‬كسلاح‭ ‬مدمر‭ ‬وأداة‭ ‬طيعة‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الاحتكارات،‭ ‬ويثبت‭ ‬أن‭ ‬القاعدة‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬السينمائي‭ ‬الأميركي‭ ‬هي‭ ‬دعم‭ ‬السياسة‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭. ‬ثم‭ ‬يؤكد‭ ‬إيمانه‭ ‬بالسينما‭ ‬وثقته‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬الإمكانات‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬فنا‭ ‬شعبيا‭ ‬لو‭ ‬سيطر‭ ‬الشعب‭ ‬عليها‭ ‬وأصبحت‭ ‬تخدم‭ ‬مصالحه‭.‬

تقول‭ ‬الكلمات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭:‬

“إنتاج‭ ‬هوليوود‭ ‬مصطنع‭ ‬وغير‭ ‬إنساني‭ ‬بدرجة‭ ‬لا‭ ‬تصدق،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬إلى‭ ‬البلدان‭ ‬الأجنبية‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬نوايا‭ ‬حسنة،‭ ‬ولكن‭ ‬كأداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الغزو“‭. ‬

ويعود‭ ‬بنا‭ ‬المؤلف‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬ليذكرنا‭ ‬ببداية‭ ‬تيار‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الجنس‭ ‬والجريمة‭ ‬أو‭ ‬الشروع‭ ‬فيهما‭ ‬ـ‭ ‬كمحور‭ ‬لموضوعات‭ ‬أفلام‭ ‬هوليوود‭. ‬ويقدم‭ ‬لنا‭ ‬نموذج‭ ‬فيلم‭ ‬“الغضب‭ ‬الأبيض“‭ ‬بطولة‭ ‬جيمس‭ ‬كاجني‭ ‬1949‭ - ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬موضوع‭ ‬الجريمة‭ ‬للتسلية‭ ‬مصورا‭ ‬القتل‭ ‬بأنه‭ ‬عملية‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬البساطة،‭ ‬حيث‭ ‬يرتكب‭ ‬البطل‭ ‬8‭ ‬جرائم‭ ‬بعضها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مناظر‭ ‬دموية‭ ‬لغضب‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬مبرر‭ ‬ضد‭ ‬أصدقائه،‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬الإيحاء‭ ‬بأن‭ ‬شريعة‭ ‬الغاب‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬طريقة‭ ‬حياة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هوليوود‭ ‬تعمد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأفلام‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬تشويه‭ ‬نضال‭ ‬الشعوب‭ ‬وتاريخها،‭ ‬وهي‭ ‬تستخدم‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭ ‬لتبرير‭ ‬السياسة‭ ‬الأميركية‭ ‬إزاء‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب،‭ ‬ودست‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الثغرات‭ ‬على‭ ‬قادة‭ ‬نضال‭ ‬ثورات‭ ‬الشعوب‭ ‬والمراحل‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬الأمم،‭ ‬فقد‭ ‬أنتجت‭ ‬هوليود‭ ‬العام‭ ‬1953‭ ‬فيلم‭ ‬“يحيا‭ ‬زاباتا”‭ ‬الذي‭ ‬يصور‭ ‬الحركة‭ ‬الثورية‭ ‬لفلاحي‭ ‬المكسيك‭ ‬بقيادة‭ ‬ايمليانو‭ ‬زاباتا،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الشخصيات‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المكسيك‭ ‬والأميركتين‭.‬

القبعات‭ ‬الخضراء

والدنا‭ ‬محمد‭ ‬الماجد‭ (‬رحمه‭ ‬الله‭)‬،‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬“الأضواء”‭ ‬موضوعا‭ ‬مشابها‭ ‬عن‭ ‬تشويه‭ ‬السينما‭ ‬الأميركية‭ ‬لنضال‭ ‬الشعوب،‭ ‬حينما‭ ‬كتب‭ ‬عن‭ ‬فيلم‭ ‬“‭ ‬القبعات‭ ‬الخضراء”‭ ‬الذي‭ ‬عرض‭ ‬العام‭ ‬1968،‭ ‬من‭ ‬تأليف‭ ‬روبن‭ ‬مور،‭ ‬وإخراج‭ ‬وتمثيل‭ ‬جون‭ ‬وأين‭. ‬يقول‭:‬

“أقل‭ ‬ما‭ ‬يوصف‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم،‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬سخيف،‭ ‬وأن‭ ‬للذين‭ ‬صنعوه‭ ‬عقلية‭ ‬تافهة‭ ‬وغبية،‭ ‬والفيلم‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتزييف‭ ‬التاريخ‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬يحاول‭ ‬بطريقة‭ ‬فجة‭ ‬طمس‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يمثلها‭ ‬إيمان‭ ‬الفيتنامي‭ ‬بحريته‭ ‬وكرامته‭ ‬ودفاعه‭ ‬الوحشي‭ ‬ضد‭ ‬الغزاة‭ ‬الذين‭ ‬جاءوا‭ ‬لخنقه‭ ‬وإحراقه،‭ ‬والفيلم‭ ‬يعكس‭ ‬العقلية‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬رأيناها‭ ‬في‭ ‬أفلام‭ ‬الهنود‭ ‬الحمر،‭ ‬فالفيتناميون‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬عصابة‭ ‬شريرة‭ ‬ومريضة،‭ ‬أما‭ ‬الجندي‭ ‬الأميركي‭ ‬فهو‭ ‬وحدة‭ ‬الشجاع‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬النصر‭ ‬حليفه‭ ‬في‭ ‬النهاية‭. ‬وبطريقة‭ ‬مضحكة،‭ ‬وزائفة‭ ‬يحاول‭ ‬الفيلم‭ ‬تمجيد‭ ‬المفاهيم‭ ‬الخلفية‭ ‬للجندي‭ ‬الأميركي،‭ ‬صديق‭ ‬الأطفال،‭ ‬وحامي‭ ‬حمى‭ ‬الأرامل،‭ ‬والذي‭ ‬يضحي‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬حرية‭ ‬الإنسان‭ ‬وسلسلة‭ ‬من‭ ‬الأكاذيب‭ ‬الرخيصة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تفوت‭ ‬على‭ ‬أبسط‭ ‬الناس،‭ ‬واقلهم‭ ‬معرفة‭ ‬بأساليب‭ ‬الدعاية‭ ‬الأميركية”‭.‬

إن‭ ‬كتاب‭ ‬“الفيلم‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الأفكار”‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬المكتبة‭ ‬السينمائية،‭ ‬وهو‭ ‬سجل‭ ‬للماضي‭ ‬والمستقبل،‭ ‬فمعظم‭ ‬ما‭ ‬تنبأ‭ ‬به‭ ‬لوسن‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬مازال‭ ‬يتحقق‭ ‬وهو‭ ‬خط‭ ‬السياسة‭ ‬الأميركية‭ ‬للسينما‭.‬

‭* ‬ملاحظة‭: ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬الأفلام‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬السينمائي‭ ‬الأميركي،‭ ‬لكن‭ ‬ظهرت‭ ‬أيضا‭ ‬أفلام‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬تفكير‭ ‬الأديب‭ ‬وأصبحت‭ ‬هناك‭ ‬مشكلات‭ ‬تعالج‭ ‬سينمائيا‭ ‬كمشكلات‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬السينمائي‭ ‬القديم‭ ‬يعالجها‭ ‬بإطلاق‭ ‬الرصاص‭.‬