شخصيات قصصه تستلهم مخرجي السينما العباقرة

مكسيم غوركي يتقدم على كتاب عصره ومفكريه في السينما

| أسامة الماجد

السينما‭ ‬تصور‭ ‬الواقع‭ ‬الملموس،‭ ‬والفيلم‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الفنون‭ ‬الأخرى،‭ ‬وقد‭ ‬تأثرت‭ ‬السينما‭ ‬وأثرت‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬الأشكال‭ ‬الفنية‭ ‬المختلفة،‭ ‬ولسنا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬التحدث‭ ‬عن‭ ‬جمالية‭ ‬وتاريخ‭ ‬السينما‭ ‬الروسية،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬التوقف‭ ‬عنده‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬مؤلفات‭ 

الأديب‭ ‬الروسي‭ ‬الكبير‭ ‬مكسيم‭ ‬غوركي‭  ‬استرعت‭ ‬انتباه‭ ‬السينمائيين،‭ ‬ففي‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭  ‬من‭ ‬وجود‭ ‬السينما‭ ‬السوفيتية،‭ ‬عرف‭ ‬أبطال‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬قصصه‭ ‬وأقاصيصه‭ ‬ورواياته‭ ‬ومسرحياته‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬سينمائية‭ ‬مثل‭: ‬“الأم“،‭  ‬“طفولتي“،‭ ‬“بين‭ ‬الناس“،‭ ‬“جامعاتي“،‭ ‬“فورما‭ ‬غوردييف“،‭ ‬“تشيلكاش“،‭ ‬“قضية‭ ‬آل‭ ‬ارتامونوف“‭.‬

ولكن‭ ‬يبقى‭ ‬الفيلم‭ ‬الشهير‭ ‬”الأم”‭ ‬الذي‭ ‬أخرجه‭ ‬فيسفولود‭ ‬بودوفكين‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1926،‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الأفلام‭ ‬الروائية‭ ‬السوفيتية،‭ ‬وفيما‭ ‬بعد‭ ‬جرى‭ ‬إخراج‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬غوركي‭ ‬أحد‭ ‬الذين‭ ‬أدركوا‭ ‬أهمية‭ ‬السينما‭ ‬متقدما‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬عصره‭ ‬ومفكريه،‭ ‬فهو‭ ‬يعتبرها‭ ‬برهانا‭ ‬على‭ ‬عزيمة‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬وطاقته‭ ‬وبصيرته‭ ‬في‭ ‬سعيه‭ ‬الدائب‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ولذلك‭ ‬فهو‭ ‬يقول‭:‬

“يجب‭ ‬على‭ ‬الأدباء‭ ‬أن‭ ‬يشتركوا‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬السينمائي‭ ‬اشتراكا‭ ‬حيا‭ ‬وفعالا،‭ ‬وعلينا‭ ‬نحن‭ ‬الأدباء‭ ‬أن‭ ‬نكتب‭ ‬السيناريوهات‭ ‬فهذا‭ ‬عملنا”‭. ‬

بل‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬تنبأ‭ ‬غوركي‭ ‬بمستقبل‭ ‬السينما‭ ‬العام‭ ‬1915‭ ‬قائلا‭:‬

“إني‭ ‬أشعر‭ ‬بسينما‭ ‬المستقبل‭ ‬التي‭ ‬ستشغل‭ ‬مكانا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬حياتنا،‭ ‬فسوف‭ ‬تكون‭ ‬السينما‭ ‬ناشرة‭ ‬المعارف‭ ‬ومبسطة‭ ‬للمؤلفات‭ ‬الفنية،‭ ‬ومتى‭ ‬تغلغلت‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬ديمقراطي‭ ‬وأخذت‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬متطلبات‭ ‬الشعب‭ ‬وذوقه،‭ ‬ومتى‭ ‬شرعت‭ ‬تبذر‭ ‬المعقول‭ ‬والطيب‭ ‬والأبدي،‭ ‬فإن‭ ‬دورها‭ ‬سيكون‭ ‬عظيم‭ ‬الشأن،‭ ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬سوف‭ ‬يؤمن‭ ‬للسينما‭ ‬مستقبلها”‭.‬

في‭ ‬فترة‭ ‬لاحقة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬حول‭ ‬رائد‭ ‬المسرح‭ ‬الملحمي‭ ‬الملتزم‭ ‬ومجدده‭ ‬“برتولد‭ ‬بريخت”‭ ‬رواية‭ ‬“الأم”‭ ‬لغوركي‭ ‬إلى‭ ‬مسرحية،‭ ‬والقصة‭ ‬تحكي‭ ‬حكاية‭ ‬الأم‭ ‬بلفايا‭ ‬فلاسوفا‭ ‬التي‭ ‬حبا‭ ‬بابنها‭ ‬العامل‭ ‬الثوري‭ ‬وخوفا‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬اضطهاد‭ ‬السلطات،‭ ‬تضطلع‭ ‬بمهمة‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬القيصرية،‭ ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬عبقرية‭ ‬غوركي‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬جو‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬والظروف‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬الجماهير‭ ‬آنذاك‭ ‬وطريقها‭ ‬الصعب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬الثورة‭ ‬المنشودة‭.‬

وفي‭ ‬عصرنا‭ ‬الحديث‭ ‬قال‭ ‬الناقد‭ ‬السينمائي‭ ‬الأميركي‭ ‬ستانلي‭ ‬كاوفمان،‭ ‬إن‭ ‬شخصيات‭ ‬غوركي‭ ‬دائما‭ ‬تستلهم‭ ‬مخرجي‭ ‬السينما‭ ‬العباقرة،‭ ‬وهم‭ ‬قلة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬فشخصياته‭ ‬تجمع‭ ‬الحزن‭ ‬والفلسفة‭ ‬والشعر‭ ‬والسياسة‭ ‬على‭ ‬نمط‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭. ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تقدم‭ ‬خدمة‭ ‬كبيرة‭ ‬للنص‭.‬