شمس العرب تسطع على العلوم الأوروبية
تقدم المستشرقة الألمانية زيجريد هونكي في كتابها "العقيدة والعلم وحدة الدين الأوروبي وعلم الطبيعة" ترجمة محمد أبو حطب، مبحثاً علمياً تعرض فيه لتاريخ الفكر والعلم الأوروبي من زاوية جديدة، وهي فكر العصر الحديث الخاص بعلم الطبيعة، والبحث عن جذوره في فكر العصر القديم المتمثل في الفكر اليوناني والروماني ونصوص الإنجيل وما جاء من معارف قدمها الفكر الثنائي للفلسفة اليونانية والمدرسية والأرسطية، ينتهي هذا العرض التاريخي عند هبوب نسمات تطور علم الطبيعة من خلال آراء العديد من العلماء الذين بحثوا أسرار وقوانين الطبيعة بعيداً عن الفكر الثنائي المشار إليه. وتواصل الكاتبة عرضها للفكر الأوروبي من خلال مفكرين واجهوا اضطهاد ومطاردة محاكم التفتيش، وحكم عليهم بالهرطقة أو الموت حرقاً من قبل الكنيسة، إلا أنه على الرغم من هذا الاضطهاد والمطاردة، فإن مسيرتهم لم تتوقف وأطلقوا نيران شعلة العلم الأوروبي مستندين في ذلك إلى معارف وخبرات وتجارب العلم العربي والإسلامي المزدهر آنذاك. لعل الاضطهاد الذي عاشه العالم الإيطالي جاليليو أكبر دليل على جمود وقسوة الكنيسة ورجالها نحو هؤلاء العلماء، وما كان على جاليليو إلا أن يواجه حرباً شعواء لمجرد أنه تجاسر وأعلن كروية الأرض، وأنها تدور حول الشمس، ويلقى الرجل في شيخوخته ألواناً من العذاب لم ترحم شيخوخته، حتى اضطر مرغماً إلى التراجع عن آرائه في الوقت الذي توهجت في الشرق الدعوة إلى علوم النفس وعلوم الكون الطبيعية والكيمياء والرياضيات والطب وفتح الغرب عيونه في ظلمات العصور الوسطى على أنوار الشرق. تستهل زيجريد هونكي كتابها بمقدمة قصيرة واضعة لها عنوانا مثيرا: "علم الطبيعة في قفص الاتهام" وهي تهدف بذلك إلى تذكير القارئ بالاتهام الموجه لعلم الطبيعة وارتباطه اللصيق بقوة شيطانية، الأمر الذي يفرغ عالمنا من سحره وجماله ويسلب الإنسان من تفرده وكيانه.