المواطنون يستذكرون طلعته الباسمة وسؤاله الدائم عنهم

أمير التواضع عيسى بن سلمان.. لن ينساك شعب البحرين

| إبراهيم النهام

تستذكر البحرين والعالم اليوم، ذكرى وفاة الراحل الكبير صاحب السمو الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة (طيب الله ثراه)، الذي وافته المنية في السادس من مارس 1999، بيوم مؤلم، حزين، إذ شاركت في تشييعه جموع غفيرة من عموم أبناء شعب البحرين الوفي، بعد مسيرة حافلة من العطاء، وخدمة الوطن والمواطنين، ووصلهم، والسؤال عنهم. ويمثل الأمير الراحل شخصية استثنائية بكل المقاييس، فكان متواضعا بشكل جم، ويصل الناس باستمرار ويلتقيهم، سواء بنزوله الميداني لهم، أو بلقائهم في مجلسه الأسبوعي، بل إنه كان يفعّل هذا المجلس المبارك حتى وهو خارج البحرين، حيث كان يسعد بلقاء الطلبة بالخارج، والمقيمين من المواطنين، ويأنس بالحديث معهم. ولد الأمير الراحل في 3 يونيو 1933 في الجسرة، وهو ذات اليوم الذي يصادف ذكرى فتح البحرين على يد الشيخ أحمد الفاتح آل خليفة قبل مئتي عام تقريبا. وتلقى (رحمه الله) تعليمه على يد معلمين أكفاء في دار والده، ثم التحق بعدها بمدارس البحرين، وحين أنهى تعليمه، سافر إلى أوروبا لتلقي المزيد من التعليم، وصقل معارفه، والاستفادة من تجارب الآخرين، وفهم أساس الحضارة الغربية المتنوعة، ومخرجاتها، والنهضة التي تعيشها شعوبها بشتى الحقول والميادين التنموية. وحين بلغ العشرين من العمر، عينه والده سمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة بمجلس الوصاية على البحرين، أثناء غيابه لحضور احتفالات تتويج الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا. وفي العام 1954 أنابه والده لحضور مراسم تتويج الملك فيصل الثاني ملك العراق، وفي العام 1956 عينه والده رئيسا لمجلس بلدي المنامة أكبر مدن البحرين، قبل أن يعينه في 31 يناير 1958 وليا للعهد، ليتولى (رحمه الله) مقاليد الحكم في 16 ديسمبر 1961 بعد وفاة والده. وأقيم لسموه (طيب الله ثراه)، حفل بهيج للتنصيب، والمبايعة، في قصر الشيخ حمد بالقضيبية، وكان في مقدمة المهنئين المغفور له صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة (طيب الله ثراه)، والمغفور له صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل خليفة (طيب الله ثراه)، وكبار العائلة المالكة الكريمة، ورجالات الدولة، والأعيان. ولقد تجمعت حشود المواطنين في باحة القصر، لسماع الخطاب السامي الذي وجهه صاحب العظمة إلى أبنائه المواطنين، ولقد شاركت في الاحتفالات الفرقة الموسيقية للشرطة، فرقة الخيالة، إضافة إلى الدراجات النارية، والسيارات التابعة للأمن العام. كما قامت إحدى الطوافات من علو منخفض، بإلقاء الهدايا التذكارية، ممثلة بأعلام البحرين، وصورة الحاكم، بموقع الاحتفالات، وأماكن مختلفة من البحرين، وسط فرحة وسعادة المواطنين.

وعليه، فلقد اتخذ يوم 16 ديسمبر من كل عام، عيدا وطنيا للاستقلال، كما أصدرت البحرين أول عملة وطنية (الدينار البحريني) في 1965، وفي ذلك التاريخ تسلم سموه مقاليد الحكم في البحرين، وتشكل مجلس الدولة الذي حولت مهامه فيما بعد لأول مجلس للوزراء العام 1971، وفي العام 1968 أصدر سموه مرسوما بتشكيل الحرس الوطني تحت قيادة جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة. وفي 14 أغسطس 1971 أعلن استقلال البحرين، وانضمت البحرين إلى هيئة الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، وتألفت حكومة يرأسها صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة (طيب الله ثراه)، وفي 2 يونيو 1973 أقر سمو الأمير الراحل مسودة دستور البحرين. وحققت البحرين في عهد سموه (طيب الله ثراه)، نهضة واسعة وكبيرة في شتى الحقول التنموية، خصوصا أنها أول دول خليجية تعثر على النفط، وقد ساهم سموه في تطوير القطاعات العمرانية، والصحية، والتعليمية، والمصرفية، بشكل واسع، فأنشأت المدارس، والمستشفيات، والمراكز الصحية. كما تأسست جامعة البحرين العام 1984، وتم استقطاب قرابة الستين وحدة مصرفية، منها أكثر من 20 مصرفا تجاريا، لتحتل البحرين بذلك مكانة متقدمة في المنطقة في المجال المصرفي والبنكي العالمي، وحلقة وصل مهمة ما بين الشرق والغرب؛ نظرا لموقعها المميز، والاستراتيجي، وكذلك قرار سموه بافتتاح مطار البحرين. كما أصدر سموه (رحمه الله) مرسوما بتأسيس قوة دفاه البحرين، التي تحولت لاحقا إلى وزارة الدفاع، وافتتح متحف البحرين الوطني، وأصدر مرسوما بتأسيس مجلس الدولة، وتعيين صاحب السمو الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيسا له. وفي العام 1986 تم افتتاح جسر الملك فهد، الذي ربط البحرين بشقيقتها الكبرى المملكة العربية السعودية، وعزز الحركة التجارية ما بين البلدين، وسهل تنقل البضائع ومختلف أنواع السلع والمنتجات الاستهلاكية. كما قطعت البحرين في عهد سموه (رحمه الله)، مجالات متقدمة في إنشاء الشركات الصناعية الكبرى، كشركة ألمنيوم البحرين (البا)، ومصنع لكريات الحديد الخام، وشركة نفط البحرين، والحوض الجاف، شركة أسري لإصلاح السفن، وشركة “البتروكيماويات”، ومشروع الغاز المصاحب، وغيرها. كما شهد عهد سموه، تأسيس المدن الإسكانية، التي كانت باكورتها مدينة عيسى، أول مدينة إسكانية نموذجية في الخليج؛ ليتم بعدها توزيع المساكن على المواطنين، في العديد من المناطق، مع انطلاق المشروعات السكنية المتعددة. كما توسعت الدولة في بناء القطاعات التعليمية المختلفة، كون التعليم ركيزة أساسية مهمة للنهضة، وكذلك بناء بيوت الله، ومراكز التحفيظ، وشبكات متطورة من الماء، والكهرباء، والمواصلات، والنقل، وغيرها. وفي هذه الحقبة المضيئة، اهتم سمو الأمير الراحل (طيب الله ثراه)، بتعزيز سياسات خارجية بالغة الحكمة، والاتزان، عبر جعل البحرين ثابتة في جذورها العربية تجاه قضايا المنطقة والعالم، وبأن تكون دوما جزءا أصيلا من مجلس التعاون الخليجي، والبيت العربي، في كل القرارات، والمواقف، منها موقف البحرين المشرف تجاه دولة الكويت إزاء العدوان العراقي الغاشم. في ذكرى وفاة سموه طيب الله ثراه، لا يسع شعب البحرين الوفي إلا استذكار نهجه المتسم بالتواضع والبساطة، والرقة، والتسامح، واللطف، والطلعة الباسمة، رحمه الله واسكنه فسيح جناته، انه سميع مجيب الدعوات.