للقراءة: "لا تقولوا إننا لا نملك شيئا"
برعت "مادلين ثين" في تدوين رواية على قدر كبير من النضج والتعقيد، الفكاهة والجمال، رواية هي في آن حميمة وسياسية بنحو كبير، مدت جذورها في تفاصيل الحياة في الصين لكنها استثنائية في كونيتها.
ومما يلفت القارئ والناقد الأدبي هو قوة الحبكة ومتانة الأسلوب ورقة الكلمات وشاعريتها بحيث إن المتلقي لا يكاد يلتقط أنفاسه وهو يلتهم صفحات هذه الرواية الأخاذة، فنرى الكاتبة تقفز من زمن إلى زمن في لعبة سردية ذكية، إذ يتنقل الراوي بحرية بين الماضي والحاضر، تارةً للأمام، وطوراً للوراء. وخلال صفحات هذا الأثر الروائي المهم تعرفنا ثين على موسيقى بتهوفن وباخ وشوستاكوفيتش وكثير من الموسيقيين الغربيين، وعلى الإرث الأدبي والفكري والفني للكتاب والفلاسفة والرسامين والموسيقيين الصينيين منذ زمن السلالات الحاكمة والاحتلال الياباني وحتى يومنا الحاضر.
نتعرف على آلات موسيقية صينية لم نسمع عنها من قبل، ولا يفوت الكاتبة أن تصف لنا درجات السلالم وطرائق العزف والأحاسيس التي ترافق الاستماع للألحان والمؤلفات الموسيقية؛ وهذا بالطبع لم يأت من الفراغ، على نحو ما يقول اليونانيون، بل من خلال دراسة عميقة، متخصصة، لأن كاتبتنا درست الموسيقى والباليه قبل شروعها بالكتابة الإبداعية. نعم، . حازت ثين على شهادة البكالوريوس في الرقص المعاصر من «جامعة سيمون فريزر» قبل نيلها شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعية من «جامعة كولومبيا البريطانية»، بعد حصولها على منحة دراسية.
وفضلاً عن ذلك، لا يفوت القارئ اللبيب أن ينتبه إلى أن الكاتبة تعمدت أن تتخذ روايتها هذه بنية مؤلف موسيقي، فالجزء الثاني من الرواية سمته المؤلفة «الفصل صفر»، وهو يتكون من سبعة أجزاء على غرار درجات السلم الموسيقي السبع، وفي نهاية الكتاب تضع لنا الخاتمة التي سمتها: «التقفيلة»، وهي المقطع الختامي من اللحن الموسيقي. وهذه إشارة واضحة إلى أن الكاتبة تريدنا أن نتلقى أو نتذوق عملها الروائي باعتباره مؤلفاً موسيقياً حاله حال تلك المؤلفات التي أبدعها الموسيقيون الأثيرون لديها من أمثال باخ، ودميتري شوستاكوفيتش، وليونارد كوهين، وغلين غولد، وسواهم. ولم لا، وهي التي موسقت كلماتها ووفرت لنا متعة ما بعدها متعة حين أخذتنا إلى عالمها المشحون بالعواطف الجياشة، وكدنا نذرف الدموع ونحن نقرأ بشغف ما دونه قلمها الذهبي. اقرؤوا معي هذه الكلمات الجميلة التي تتحدث فيها مادلين ثين عن بطلها الشاعر وين الحالم: «كل شيء في الجو هو زوجته الحبيبة، سويرل، السماء الفيروزية، الرمل الذي يومض كالنجوم، نور الشمس الذي يلامس جلودنا». الزوجان وين الحالم وسويرل، لم يعودا يعيشان معاً. لقد تقاذفتهما حملات الرئيس ماو يمنةً يسرة، ولم يتمكنا من العيش معاً، وتعين عليهما أن يقضيا شطراً كبيراً من حياتيهما في الصحراء. وها هم المدانون يكابدون ظروفاً قاسية بسبب جرائم لم يرتكبوها بل لفقت ضدهم زوراً وبهتاناً. دعونا نقرأ السطور الآتية: «كانوا قد نقلوني في عربة خفيفة ذات دولابين يجرها حصان إلى جيابانغو. على مدى أشهر، رفضت أن أصدق أنني حللت هناك. رجال جريمتهم الوحيدة هي الانتقاد النزيه، كانوا يحفرون الخنادق ويصيبهم الهزال. خلال تلك الحقبة، هناك في ديارهم، كانت أسرهم تقيم في أمكنة مخزية، كان أطفالهم يعاملون بازدراء في المدارس أو يطردون منها بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، صودرت بيوتهم، رميت ممتلكاتهم في الزبالة، أرغمت زوجاتهم على التسول في الشوارع، على إفراغ المراحيض العمومية والإبلاغ عن أزواجهن. كنا قادرين على الاحتجاج مطالبين بكل ما نريده إنما ذلك لا فائدة منه. أ .. أخبرنا الحراس أننا محظوظون، ليس لأننا فقط استثنينا من الإعدام، بل لأن ثمة سقوفاً فوق رؤوسنا وأحذية في أقدامنا».
وفي حوار مع الكاتبة تقول إنها تعودت أن تكتب أعمالها السردية في جو من الهدوء التام أو شبه التام، لكنها في روايتها هذه كانت تستمع للموسيقى خلال مراحل تأليفها ووضعها في قالب روائي محبوك حبكاً متقناً. لكنها وجدت أن الإصغاء إلى باخ وبروكوفييف وشوستاكوفيتش كان يغني عملية الكتابة، وفتحت الموسيقى خيالها ووعيها المفاهيمي بطرائق غير متوقعة، وشقت بني سيمفونياتهم، بارتيتاتهم، سوناتاتهم، تنويعاتهم إلخ. طريقها إلى وعيها بوصفها طرائق تفكير وأشكالاً سردية. كما تشير في الحوار عينه، أن الموسيقى كانت على الدوام مضفورة مع الحركة، مع الرقص وسرد الرقص. وكان التحدي الوحيد هو أن تعبر عن بعدية وفيزيائية الموسيقى. ومن هنا، تقول محاورتها: «بقدر ما يمكن قراءة الرواية موسيقياً، يمكنني أيضاً أن أقرأها باعتبارها رقصة - رقصة اللغة، رقصة الشخصيات الروائية، رقصة الفضاء، والزمن».
فازت مادلين ثين بجائزة جيلر الأدبية الكندية المرموقة عن روايتها الأخيرة "لا تقولو إننا لا نملك شيئاً"، وهي أثمن جائزة في مجال الرواية في كندا، إذ تبلغ قيمتها 100 ألف دولار كندي. وكتبت اللجنة المانحة إنها فتنت بما تحتويه الرواية.
كذلك رشحت الرواية للبوكر ووصلت إلى القائمة القصيرة.