الستة المبحرون مع الرياح... جاهدوا في الطريق وكان لهم الانتصار
| أسامة الماجد
تشعر كل شيء يصدمك في اللوحة السريالية. تشعر باللامنطقية والانفصال التام بين الأثر وعقلك، ولكنه لا يلبث أن يتسرب إلى ذاتك دون أن تحس ليستقر هناك ويعبث بأحاسيسك ما شاء له العبث، بعيداً عن الرقيب القاسي وأعني به العقل الواعي. فالأثر السريالي يقفز فوق عتبة العقل ضاحكاً ساخراً، فاتحاً آفاقاً مخيفة من حالات اللاشعور. وفقد الأصدقاء والمحبين والمعلمين أعتبره مثل صدمة اللوحة السريالية، وفي الأشهر الماضية من هذا العام 2023 فقدنا ستة من الأصدقاء: الناقد الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم، والفنان سعد الجزاف، والناقد الدكتور عبدالحميد المحادين، والفنان عبدالله وليد، والفنان منير سيف، وقبل أيام الفنان علي الشيراوي. كان هؤلاء الستة مثل المبحرين مع الرياح، ويعيشون في أعماق الفكر والثقافة والفن، وعملوا طوال حياتهم مخلصين إلى إشاعة جو تملؤه أزاهير الفن ويعبق فيه شذا الفكر من كل لون. "الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم" كان يعيش رحمه الله على الثقافة من أجل ممارستها على حد تعبير المفكر الفرنسي ريمون ارون، وأمثال هؤلاء في سائر المجتمعات تقريباً، هم القلة الغيورة المكرسة "الدكتور عبدالحميد المحادين" أبدع رحمه الله فكراً أصيلاً وأشكالاً جديدة وكانت ثقافته الواسعة وأهليته الفكرية سبباً في تسميته بمربي الأجيال، وكان ينتزع الإعجاب والإكبار من نفوس جميع المثقفين في البحرين. كان المحادين يعامل الألفاظ كأنها جواهر لكل واحد منها مكانه الفني في العقود النفيسة. "الفنان عبدالله وليد" كان رحمه الله يسبح مثل السمكة في مياه الفن والإبداع، ولا يجد له مكاناً في الفنون الأخرى. كان بحق منصة فنية يجمع بين الصدق والروعة. "الفنان سعد الجزاف" كان رحمه الله يؤمن بأن دوره الرئيسي في الحياة هو المسرح. المسرح بحماسته وقوته وعمق شخصيته ونظرته الإنسانية الشاملة. "الفنان علي الشيراوي" كان خليطاً مركزاً من الفكر الملتزم ومدرسة لـ"المعلمين". عاش في دوامة من الإبداع لا تستقر ولا تنتهي. ونفس وقفت في صلابة وإصرار التحدي. "الفنان منير سيف" كان فناناً مغترباً كجزيرة معزولة. وصامتاً كسكون الليل ويفرح بلقاء الأحبة في كل مناسبة . كل هؤلاء المبدعين الذين رحلوا عن عالمنا عبروا عن تجربتهم، وأمامهم وخلفهم وعن يمينهم وعن يسارهم طبيعة غنية تتحدى، جاهدوا في الطريق إلى تحقيق الذات وكان لهم الانتصار والاستنارة.