ناشرون في مهرجان العين للكتاب

الاستدامة في قطاع النشر نهج يتطوّر والكتاب الإلكتروني جزء من الحلول

في مدينة العين التي تكاد الطبيعة فيها أن تنطق لتحكي عن ثقافة الاستدامة، باعتبارها وصية الأجداد والآباء، وسلوكاً تتجلّى ثماره في جماليات واحاتها النابضة بالخير على امتداد النظر، التقى 150 ناشراً في الدورة الجديدة من "مهرجان العين للكتاب 2023"، الذي ينظمّه مركز أبوظبي للغة العربية تحت شعار "العين أوسع لك من الدار"، لتزهر المدينة معرفة وثقافة، ويتسابق مجتمعها على اقتناء الكتب والإصدارات التي يتيحها المهرجان لروّاده.

 

ولأن الاستدامة ليست فقط عنواناً لهذا العام في دولة الإمارات، بل هي ضرورة ومطلب مُلحّ يفرض نفسه على مختلف القطاعات، ليتكامل دور العطاء والاستمرارية التي تضمن حصول الأجيال القادمة على نصيبها من الموارد والإنتاج في مختلف حقوله، كان لا بدّ من استطلاع آراء عدد من الناشرين المشاركين في المهرجان حول الاستدامة في قطاع النشر. وقد خرجنا بهذه الحصيلة التي تضمّنت قاسماً مشتركاً تمثّل في إجماع الناشرين على الدور الحاسم للتوجّه نحو زيادة النشر الإلكتروني لتعزيز استدامة قطاع النشر والحدّ من استهلاك الورق والحبر والطاقة التي يحتاج إليها إنتاج الكتاب المطبوع.

 

رحلة الكتاب مع الاستدامة

وتعليقاً على هذه المسألة، قال الناشر فواز المطيري، صاحب دار قهوة لخدمات نشر الكتب: "تقوم المعادلة في إنتاج الكتاب واختيار الورق على حرص الناشر وسعيه لإبراز شخصية الدار وهويتها التي تحقّق لها ولإصداراتها الصورة الراسخة في ذهن الجمهور. ونحن نعتمد على الورق الخفيف الذي يجعل خامة الكتاب أقل وزناً، وهذا ينسجم مع توجّه نحو الاستدامة والتقليل من استخدام الورق كما كان يحدث في طبعات الكتب السابقة". وأضاف: "الناشر يتلقّى النص من المؤلّف، ثم يمرّ الكتاب برحلة الطباعة التي تعتمد على عدّة موارد هي التي تصبح محور الاستدامة، وأن هذا التوجّه بدأ يطرح نفسه على صناعة النشر للوصول إلى الحدّ المعقول من استهلاك الورق والحبر والطاقة اللازمة لإنتاج الكتب، ثم ننتقل إلى دور القارئ الذي يمكن أن يسهم أيضاً في الاستدامة من خلال طبيعة التعامل مع الكتاب وتدويره، إضافة إلى استدامة الطلب على القراءة التي تمثّل أساس استدامة صناعة النشر".

 

استخدام الورق المعاد تدويره

وعن الخطوات العملية التي تتيح للناشرين والقرّاء القيام بدور جوهري في مجال الاستدامة، يرى خبير النشر أحمد عفيفي، الذي يعمل في هذا القطاع منذ 20 عاماً ويدير جناح دار كتاب الإماراتية، أن الممارسات الصديقة للاستدامة في قطاع النشر تبدأ بالتضامن المشترك بين الناشرين والقرّاء من حيث الإقبال على اقتناء الكتب التي تستخدم الورق المعاد تدويره، وصولاً إلى رفع نسبة الإنتاج من الكتب التي تعتمد في طباعتها على هذا الورق ليكون مناسباً للقراءة ويساعد في التقليل من وزن الكتاب، وبالتالي يخفّف من تكاليف الشحن، والحاجة إلى استخدام الورق الجديد، إلى جانب اعتماد الطباعة بالحبر الصديق للبيئة، وتكثيف التوعية المجتمعية حول الاستدامة وتحفيز مجتمع القرّاء على دعم هذا التوجّه في مختلف جوانب الاستهلاك.

 

النشر صناعة ثقافية ملزمة بتبنّي الاستدامة

أما عامر متولي، مدير المبيعات في دار مكتبة كلمات الإمارات، فيرى أن صناعة النشر بما تستهلكه من خامات وثيقة الصلة بموارد الطبيعة ملزمة بتبنّي الاستدامة، وتصدّر غيرها من القطاعات، ويقول: "عملية النشر ليست مجرد صناعة بل ثقافة وتأصيل للقيم الجمالية وترسيخ لكل ما يعزّز من جودة حياة المجتمعات على صعيد الفكر والممارسة. ومن هنا ظهر مفهوم (الكتاب الأخضر)  في قطاع النشر، وهو مفهوم بدأت مظاهر تطبيقه تأخذ طريقها إلى التنفيذ، كاستجابة من المساهمين في هذا القطاع في الرحلة نحو الاستدامة، واستجابة للتحدّيات البيئية العالمية، وإدماج صناعة النشر بالاستدامة في مختلف مراحل صناعة الكتاب.

وأضاف: "دورة حياة الكتاب تمرّ برحلة الطباعة ثم التوزيع وصولاً إلى استهلاك الكتاب، وتفرض إعادة التدوير والاستخدام المستدام للموارد، بالإضافة إلى الانفتاح المتزايد على الكتاب الإلكتروني كجزء من الحل في مسعى التقليل من استنزاف مصادر صناعة الورق".

 

تحقيق التوازن بين الحاجة إلى الكتاب وترسيخ نهج الاستدامة

وخلال جولتنا في جناح جمعية الناشرين الإماراتيين تعرّفنا على العديد من المبادئ التي تنتهجها في هذا المجال. فهي تعتبر أن الاستدامة في قطاع النشر وفقاً لموقعها الإلكتروني، مسؤولية تكاملية، وأن تكريس هذا النهج يتطلّب تحقيقاً للتوازن بين حاجة مجتمع المعرفة وجمهور القرّاء إلى إنتاج الكتاب من جهة، وبين أداء دور فاعل يسهم الناشرون من خلاله في الحفاظ على البيئة. كما حدّدت الجمعية ضرورة الشروع في تبنّي البدائل وتكثيف الأبحاث والدراسات حول ما يمكن أن يسهم به القطاع في تعزيز الاستدامة.