المحامي التاجر لـ “البلاد”: قضايا “المعلقات” موجودة ويجب ألا نضع رؤوسنا بالرمال
| إبراهيم النهام | تصوير: خليل إبراهيم
لا يجوز الخلع بالفقه السني في مقابل التنازل عن الأطفال... وممكن بالفقه الجعفري الفقهان السني والجعفري أجمعا على عدم أخذ شهادة مربي الحمام لدي قضايا شرعية لم تحسم منذ 20 سنة قانون الأسرة يقبل شهادة النساء... وقضاة “الجعفرية” لا يقبلونها شخص طلب 90 ألف دينار للتطليق... وآخر 50 ألف دينار آراء شرعية جديدة ومتقدمة عن أطفال الأنابيب والتبرع بالرحم وزرع الأجنة
قال المحامي محمد التاجر إن قضايا “المعلقات” من أهم الملفات التي يجب أن ينظر إليها اليوم بعين الجدية، والاهتمام، موضحًا أن هنالك نساء عالقات منذ أكثر من 20 عامًا، بلا بارقة أمل، مع وجود مطالبات من بعض الأزواج لدفع مبالغ فلكية لتحقيق الخلع أو الطلاق تصل إلى 90 ألف دينار بإحدى الحالات. وأوضح التاجر في حديثه لـ “البلاد” أن “الآراء الفقهية في المذهب الجعفري، محل إعجاب من قبل كثير من القضاة، في العديد من الدول، لأن فيها شمولية”، لافتا في هذا السياق إلى أن “هنالك فجوة كبيرة في أمر الحصول على الطلاق خلعًا، أو عدم وجود حلول للمتضررات في المحاكم”.
من وجهة نظرك، ما أهم التحديات التي تواجهها محاكم الأسرة اليوم؟ لدينا إشكالية كبيرة ومتكررة، عمرها أطول من عمري في مهنة المحاماة، التي بدأتها قبل 27 سنة، وتتعلق هذه المشكلة بالـ “المعلقات”، حيث تصل السنوات التي تنتظر بها المرأة منذ ساعة رفع الدعوة حتى حصولها على الطلاق، إلى سنوات طويلة جدًا، بل تستبق السجال الذي كان يدور في السابق بشأن إصدار قانون أسرة موحد، فيه شقان سني وجعفري. وتعود جذور المشكلة إلى ما قبل العمل بالقانون الأول في العام 2009، والذي كان مخصصا فقط للترافع أمام المحاكم السنية، في حين أن المحاكم الجعفرية كانت تعمل بالراجح في المذهب الجعفري، سابقًا كان السيد الخوئي، والآن السيد علي السيستاني. ولقد ارتفعت المطالبات بأن يكون هنالك شيء مكتوب، برفع أو وقف الشطط الذي يحصل من المحاكم، ويتسبب في جعل الطلاق صعبا جدًا، لذلك كان هنالك مطلب شعبي، بأن يكون هنالك قانون يسير عليه القضاء، يمنع أن يحكم كل قاضٍ بما يراه مناسبًا، حسب المقلد الذي يتبعه. ويجب ألا ننكر أن القضاء من مشارب مختلفة، اعتمادًا على من هو ولائي، شيرازي، سيستاني، إخباري، أصولي.. أو ما تندرج عليه كل تسمية من هذه التسميات.
ما مطالبات المتضررات من ذلك؟ إصدار قانون يبين بمواد واضحة، لا تدع مجالا للحيد عنها، عند أي قاض يصدر حكمه في الطلاق، وعليه فحين صدر القانون كانت الناس تأمل أن ينتهي اسم “المعلقات” أو المشكلات التي تحدث من وقت لآخر، ونسمع عنها، سواء في اعتصام امرأة أمام المحكمة، أو في قضية تنشر حيثياتها في الصحيفة، أو جريمة حصلت بسبب طول أمد التقاضي، أو بسبب المشكلات التي لا تُحل بالتفريق بين الزوجين بشكل سريع. على هذا الأساس، حين صدر قانون الأسرة كان هنالك أمل، خصوصًا مع تنظيمه الخطبة، الزواج، الحضانة، النفقة، حقوق الزوجين والأطفال، والذي كان يجب أن يأتي بآراء بشأن ما اعتمده بالرأي الراجح في المذهب المالكي، والمذهب الجعفري، وأنه إذا لم يكن هناك رأي راجح يؤخذ به في المذهب المالكي، يمكن أن يصار إلى اعتماد أحد الآراء في المذاهب الأربعة. أما في المذهب الجعفري فيحكم بالمشهور، وإذا تعذر أن يكون هنالك رأي راجح تستقر عليه المحاكم، يفترض النظر للقواعد الفقهية في الشريعة الإسلامية ككل.
كيف بدأت هذه القصة مع صدور قانون الأسرة بشقيه السني والجعفري؟ صدور القانون في البداية كان بالعام 2009، وكان يخص الشق السني فقط، حتى صدور القانون الموحد العام (2017)، حيث إنه وفي كل مادة، رأي للسني ورأي للجعفري، وبحيث تأخذ كل محكمة ما يخصها بهذا الشأن. ولكن المشكلة الرئيسة هنا، هي المواد المتعلقة بالطلاق، منها المادة (95) التي تمثل الحل النهائي للجوء المرأة للخلع، إذا تعذر للمرأة أن تحصل على الطلاق بشكل أو بآخر، بناء على شهود، أو بينة، أو أدلة، أو تقارير، أو أحكام صادرة بحق الزوج، فإنه يفترض أن تطبق المحكمة المادة (95) بالخلع. والمادة (95) بها مسافة شاسعة بما قررته المادة بالشق السني، وهو حق المرأة في بذل المهر أو أقل منه، وتحصل على الطلاق خلعًا، وبناء على ما ورد بالقرآن الكريم، أما في المحاكم الجعفرية فلا يمكن للمرأة أن تحصل على هذا الحق، لأنه اشترط أن يرضى الزوج بالبذل الذي تقدمه. هل لديك حالات في هذا الشأن؟ بكل تأكيد، لدي حالات في المحاكم، طلب فيها البعض 90 ألف دينار، لكي يطلقها، والبعض يطالب بـ 50 ألف دينار، وهذه مبالغ طائلة وكبيرة وتعجيزية. وبشأن الخلع، يرى الفقه السني، أنه لا يجوز الخلع في مقابل التنازل عن الأطفال، وهو أمر محدد بالقانون رقم (95)، في حين أنه بالقانون الجعفري ممكن، واشترط ألا يكون ذلك مضرًا بالأطفال.
منذ متى يتكرر هذا الجدل؟ منذ 7 سنوات، أي منذ تطبيق قانون الأسرة، وفي هذه المادة تحديدًا، وأشير هنا إلى أنه بالمذهب الشيعي، هنالك فقهاء يعملون بالاجتهاد في كل ما يستجد من أمور دينية، ومسائل مستحدثة، ويأتون بفتوى جديدة بكل ما يتعلق بالحياة. ومنها على سبيل المثال وليس الحصر، طفل الأنابيب، التبرع بالرحم، زرع الأجنة، فوائد البنوك، والتي بها آراء جديدة ومتقدمة، عبر الرجوع للمرجع الأعلى أو المرجع الذي يقلده الفرد، للإجابة عن أي استفسارات، وسيكون هنالك رأي فيها. والآراء الفقهية في المذهب الجعفري، محل إعجاب من قبل الكثير من القضاة، في الكثير من الدول، لأن بها شمولية، ولذا أعتقد أن هنالك فجوة كبيرة في أمر الحصول على الطلاق خلعًا، أو عدم وجود حلول للمتضررات في المحاكم.
هل تجد أن اختيارك لكلمة “معلقات” صحيح ويعبر عن طبيعة الحالة؟ أعرف أن كلمة “المعلقات” حساسة جدًا لدى القضاء، لأنهم يرون أن المحاكم لم تعد تعلق أحدًا، وأن القضية يمكن لها أن تنتهي خلال عام ونصف العام. ولكنها وإن انتهت بالرفض، فإن المدعية ستضطر أن تلجأ لدعوى أخرى، والتي قد تأخذ بدورها 8 أشهر، تضاف إلى السنة والنصف بمحكمة درجة أولى، ومن ثم التمييز، ما يعني الوصول إلى 3 سنوات، وإذا رفضت تبدأ المدعية من جديد، وتأخذ مثل هذه الفترة، وهكذا.
هل لديك حالات تأخرت بالمحاكم بسبب التعنت بالطلاق؟ لدي قضايا ظلت في المحاكم الجعفرية لفترة وصلت إلى 20 سنة، منها قضية فتاة دخلت المحكمة وعمرها 19 سنة، واليوم عمرها 28 سنة، ولم تتطلق بعد، فمن المسؤول عن تدمير شبابها؟
ما الذي تريد أن تقوله تحديدًا؟ ألا نضع رؤسنا في الرمال، وأن نعترف بأن لدينا مشكلة، ويجب أن نواجهها، ونعمل على حلها، ونحن قادرون على ذلك، وأول جهة مجلس النواب، الذي يقدم مشروعات قوانين، وتعديلات، ولذا أتساءل لماذا لا يتم وضع اليد على الجرح في هذا الأمر؟ سواء في القانون، أو الإجراءات، أو غيرها.
كيف تقيم أداء مكتب التوفيق الأسري؟ لم يؤدِ إلى نتائج إيجابية، ويمكن رصد ذلك بالنظر لنسبة إنجاز هذه المكاتب في قضايا الطلاق وغيرها، وكم نسبة الصلح الذي يصلون إليه قبل وصول القضية للمحكمة، والبدء في إجراءات قد تصل إلى 3 سنوات.
كنت قد أشرت بتصريحات سابقة إلى بعض الملاحظات بشأن المادة (97) من قانون الأسرة، فما أهميتها؟ تتطرق المادة (97) إلى التطليق للعلة، والتي لا تستقيم معها الحياة الزوجية، لأسباب قد تكون عقلية، أو عضوية، حيث تطلق بعض المحاكم وفقًا لتقرير، في حين أن محاكم أخرى إذا لم تتسلم تقريرا من اللجان الطبية فإنها لا تطلق. حسنًا، إذا كان الشخص الذي لديه علة عقلية، أو جسمانية، تمتنع معها الحياة الزوجية في ثالوثها، المبيت والإنفاق والسكن، تمنع الرحمة، المساكنة، الإنجاب، مثل هذه الأمور، إذا رفعت دعوى لامرأة تقول بأن زوجها يعاني من العجز الجنسي، فإذا كان رافضًا للفحص، لماذا لا يعد رفضه قرينة عكسية ويحكم بالتطليق؟ لأن رفضه الفحص الطبي، يعني أن لديه مشكلة.
شخص آخر يتعاطى المسكرات، وهنالك حكم سابق ضده، فلماذا لا تعترف بعض المحاكم بذلك، وتحكم بتطليق الزوجة، لوجود علة يستحيل معها العشرة الزوجية؟ في أي نوع من التطليق، سواء تطليق بالخلع، أو لأي علة، أو للضرر والشقاق، التطليق الموجب لتدخل المحكمة، للحلول بدل الزوج في إجراء التطليق، هو ما لا تستقيم معه الحياة الزوجية، بمعنى أن المرأة متضررة، وأن الرجل لا يستطيع أن يقيم حدود الله، وهي كذلك. وهناك أمور لا تحتملها، كوجود ضرر مادي، أو ضرب، أو سلب حقوقها المادية، أو استغلالها ماديًا، أو ضرر معنوي، من شتم، وقذف، أو الخيانة الزوجية، أو عدم المقدرة على الإنجاب، كل هذه الأمور للأسف تخضع لتقدير المحكمة، وهو تقدير يدفع القاضي إلى أخذ ما يراه مناسبًا، وتقدير هذا الضرر. واتجاه المحكمة للخلع، يكون في حالات كثيرة يشترط خلالها الرجل مبلغا مغالى فيه، أو التنازل عن الحضانة، أو تتنازل عن بيت، أو عن نصيبها في بيت، فهذه المطالبات تمثل الضرر على المرأة التي لا تحتمله، والتي توجب على المحكمة أن تتدخل وتعمل بالتطليق. وكذلك، فيما يتعلق بحق المحكمة في استخدام الرخصة المخولة في القانون، بشأن تعيين الحكمين، واحد من أهله، وواحد من أهلها، ويمكن أن يكون محاميا، أو قاضيا، أو رجل دين، حيث قد يأتي تقرير بأن الذي من طرف الزوج، يقول لم ترجع، بخلاف الذي من طرف الزوجة، فعلى المحكمة إذا لم تخولهم وفقًا لهذا بالصلح، أن تعمل بسلطتها التقديرية، وأن ترى أيا من التقريرين أرجح.
وماذا عن شهادة الأقارب والمعارف بشأن الخلافات، ألا تراها حاسمة لكل هذا الجدل والقيل والقال؟ هنالك إشكالية أخرى نعاني منها، حيث إن المادة (140) من قانون الأسرة التي صيغت بطريقة تقول إن شهادة النساء مقبولة، خصوصًا فيما يطلعن عليه، حيث تعتمدها المحاكم السنية، وترفضها المحاكم الجعفرية، مع أن هنالك محكمة تراقب كل ذلك، وهي محكمة التمييز. وصحيح أن الشهادة يجب أن تكون حسية، ومتطابقة، وهو ما شهده الشخص بنفسه، بما رأى، أو سمع، ولكن هنالك إشكالية بأن الشهادة لا تقبل بالطلاق، والخلع، وفي الحدود، والنسب، وحتى رؤية الهلال، إلا بشهادة شاهدين عدلين. وبهذا الأمر به تشديد، كأن لا تقبل شهادة من لا يصلي، أو من يربي الحمام (مطبق بالسني والجعفري)، والسبب أن مربي الحمام، يكون موجودا بكثرة على السطح، كما أنه قد يكشف العورات وأسرار البيوت من خلال وجوده بهذا المكان، كما أن عملية بيع الحمام، قد يشوبها التزييف، وعليه يكون وفق رأي المحاكم أن الأوجب عدم أخذ شهادته.