"هيروشيما حبيبتي".. تميز في دلالة المضمون ووحدة التصادمات وتوتر الحدث
| أسامة الماجد
للسينما لغة ينبغي للسينمائي أن يتقنها وكلما أتقنها بشكل أفضل، كلما كان متميزا، وقد اكتشف المخرج الفرنسي الراحل" آلان رينيه" وهو أحد أبناء الموجة الجديدة في السينما الفرنسية التي ظهر روادها في نهاية الخمسينات، أسلوبا أسطوريا للتعبير، والاستخدام الحاذق للقطة الطويلة جدا المكونة من مشهد واحد، التي يتيح لها الكادر العام اندماجا حقيقيا في حيز المشهد، وتوليفة مهمة لربط الأحداث الكاملة.
ادرج فيلم "هيروشيما حبيبتي" للمخرج رينيه والمنتج سنة 1959 في قائمة الروائع المائة، في تلك الفترة، وهو ضمن مكتبتي السينمائية إلى جانب العديد من الأفلام الكلاسيكية التي لا يستطيع أي مهتم الاستغناء عنها. هذا الفيلم الذي رشح للعديد من الجوائز منها جائزة الأوسكار من سيناريو وحوار مارجريت دوراس، وبطولة إيمانويل ريف، وإيجي أوكادا، تجري أحداثه على طريقة القصيدة الشعرية، وحبكته في سرد قصة اللقاء العاطفي لمهندس ياباني وفتاة فرنسية، ومن حولهما تتداعى ذكريات الحرب البشعة. في الجزء الأول من الفيلم يقدم لنا رينيه عن طريق فن المونتاج، مأساة هيروشيما من خلال أجزاء من الأفلام التسجيلية ومن بعض الأفلام الروائية اليابانية، وقد أعيدت صياغتها معا ببراعة وقوة. وبهذا الأسلوب لحق رينيه بالتقليد العظيم في المدرسة الروسية الكلاسيكية، وهو الذي فعله المخرج العبقري جودار نفسه فيما بعد ولكن بصورة مختلفة.
ومع الأحداث التي تدور بين الممثلة الفرنسية والمهندس الياباني في حبهما الخاطف، خلال 24 ساعة، في بيوت المدينة وشوارعها ومطاعمها، وفي المحطة، تختلط ذكريات الحرب في فرنسا والعقاب الشديد الذي لحق بالمرأة، وكانت في ذلك الحين شابة صغيرة السن لأنها أحبت عسكري ألماني شاب، قتلوه بعد ذلك أمام عينيها، وتلتحم الدراما الفردية بالمذبحة الجماعية في صرخة إنسانية، واحدة تنطلق من قلب الفيلم فتهز أعماق المتفرج. كيف يحصل هذا للإنسان ولملايين البشر، في رسالة واضحة عن مآسي الحروب ودورها في تحطيم البشرية وقتل الناس بزر واحد. هذا الفيلم الذي قدمه رينيه في نهاية الخمسينات، كان أجمل وأقوى إنتاج للموجة الجديدة في السينما الفرنسية آنذاك، والعديد من الأفلام العالمية سجلت مشاكل الحرب، وإذلال الإنسان للإنسان، ولكن قوة فيلم "هيروشيما حبيبتي" تتغلغل عميقا في داخل النفس، كما انه يطرح القضية بمضامينها الإنسانية، والنضالية للتأكيد على أن مسألة توقف الحروب كيان حياتي لا يتجزأ ومطلب للإنسانية جمعا. ولعلي أشير إلى نقطة مهمة وهي بروز جيل جديد من المخرجين في فرنسا، من المهم أن نقارن بين رؤيتهم وأسلوبهم وأفكارهم، وبين من سبقوهم بالنسبة لموضوع واحد، وعلى الرغم من ذلك فإنهم جميعا يشتركون في شيء واحد وهو امتلاكهم معرفة حرفية عالية المستوى بمهمتهم. ومن مميزات الفيلم أيضا، الدراما الحقة، ودلالة المضمون، وحدة التصادمات، وتوتر الحدث، وغنى الشخصيات، وكل هذا يحققه الإخراج العميق أو الداخلي. أي فقط بفضل النفاذ العميق للمخرج في "دراماتورغية" النص المكتوب وفتح مغاليفه على نحو جلي ومؤثر في النفس، فالمخرج رينيه بين لنا انه ملزم على الدوام في أن يفكر بالمتفرج وبالكيفية التي سيستوعب أو يتقبل الفيلم من خلالها، على اعتبار أن فن إشباع الفيلم بتفاصيل الحياة لم يعد مجرد طريقة تميز الإخراج، بل صفة نوعية لأسلوبية الاتجاه المتقدم في السينما المعاصرة إن صح القول. والرائع في الفيلم أيضا أن لقطاته تنقل المتفرج إلى مكان الفيلم وزمانه ومركزه الدرامي، كما في مشهد الاحتفال الشعبي في الشارع وسير الأطفال والشباب وهم يحملون صور ضحايا القنبلة الذرية، وهي أفضل وسيلة للتعبير الواقعي ومبدأ الوحدة الجمالي.