الشباب بين الطموح والمعوقات ( 2 – 2)

تلعب الثقافة دورًا مهمًّا في الرقي النفسي والعقلي والاجتماعي للشعوب، ومع الأسف، يعاني الوطن العربي حالياً من تدهور في الثقافة في جميع اتجاهاتها وأنشطتها، كما يعاني الشباب من انحسار المطالعة والابتعاد عن تثقيف الذات وغياب الحوار الإيجابي البناء، وغياب التأمل والتفكير يبعد الشباب عن تحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم، والخوف الأكبر أن تصبح الأجيال في المستقبل غير قادرة على التعبير عن نفسها، سواء بالحديث أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى، والخوف كل الخوف أن تصبح اللغة العربية هي اللغة الثانية أو الثالثة مع مرور الزمن، بالإضافة إلى ذلك، فإننا نشاهد الكثير من خريجي الجامعات في الوطن العربي قد هجروا بإصرار العلم والثقافة، بينما المفروض أن تزداد اهتماماتهم بتطوير ذاتهم أكثر بعد التخرج. وتشير الكثير من الإحصائيات إلى تخلف الوطن العربي، ليس عن الدول المتقدمة فحسب، بل أيضًا عن الدول النامية، على سبيل المثال، إن نصيب كل 1000 مواطن في أوروبا 350 كتابا، وفي أفريقيا 40 كتابا، بينما لا يزيد عن 20 كتابا في الوطن العربي، كما أعد مركز دراسات الوحدة العربية ملفًّا إحصائيا على مدى عشرين عاماً بين عامي 1965 - 1985 جاء فيه أن الوطن العربي كان يصدر 4000 عنوان كتاب جديد في عام 1965 ووصل العدد إلى 7000 عنوان كتاب عام 1985 ثم تراجع إلى 2850 عنواناً، وبالمقارنة نجد أن اليابان التي يبلغ عدد سكانها نصف عدد سكان الوطن العربي تصدر سنوياً 35 ألف عنوان، وشتان بين الكتب التي تصدر في اليابان وبين الكتب التي تصدر في الوطن العربي. إن انحسار عادة القراءة لدى الأجيال الشابة رافقه انخفاض في مستوى المعيشة وتفشي الأمية بكل أنواعها، أضف إلى ذلك أن أكثر الكتب التي تصدر في الوطن العربي تعيد نفسها، واغلبها كتب قديمة لا تنسجم مع روح العصر وطبيعته وتجعل الأمة بأكملها في محنة. كما أن وضع الصحف في الوطن العربي ليس أفضل حالاً حيث هي بالمتوسط 110 صحف لم يزد عددها بشكل ملحوظ منذ 1984 وتقدر نسخها بـ 6 ملايين نسخة يومياً، بينما تصدر اليابان أكثر من 25 مليون نسخة صحيفة صباحية وأكثر من 12 مليون نسخة مسائية، أي ما مجموعه أكثر من 37 مليون نسخة يومياً. كما أنه لابد من الإشارة إلى أن الشباب العربي يمضي أكثر من 4 ساعات يومياً في مشاهدة التلفزيون وقابلة للزيادة مع غزو المحطات الفضائية، وأن 40 – 60 % من برامج التلفزيون العربية مستوردة، وكثير منها لا يناسب طبيعة هذه البلاد، كما أن البرامج التلفزيونية المحلية دون المستوى المطلوب، ولا تسهم في تثقيف المواطن العربي وزيادة وعيه وإدراكه. الاقتراحات والتوصيات ـ الوطن العربي أحوج ما يكون إلى الوعي من قبل الحكومات والشعوب وإدراك الحاضر وما يتربص بنا في المستقبل؛ فمن دون الوعي وإرادة التغيير والعمل لا يمكن أن نفعل شيئاً أو أن نصل إلى أي هدف. ـ علينا أن نسعى جاهدين بكل ما نملك من طاقات وموارد للخروج بالشباب من دائرة الإحباط والمواقف السلبية إلى دائرة النور والمشاركة الفعالة الإيجابية في بناء الوطن. ـ الوطن العربي أحوج ما يكون للحكماء والفلاسفة والمفكرين والباحثين... إنه أحوج ما يكون إلى للعقول النيرة التي تنير الطريق أمامه، والأيدي الماهرة التي تبني مستقبله، والأهم من هذا وذاك الجهود المخلصة التي تضحي من أجله. ـ أكثر ما يميز هذا العصر أنه عصر المواصفات، سواء بالنسبة إلى الإنسان أو أية سلعة منتجة، وبالتالي لا بد لنا من الاهتمام المتزايد بمواصفات الإنسان والسلع المنتجة والارتقاء بالجودة وإتقان ما نعمل. ـ ضرورة الاعتماد على التخطيط السليم والتنفيذ الجيد والمتابعة والتقييم والمحاسبة وتصحيح المسارات كلما وقعت زلات أو أخطاء، كذلك لا بد من وضع خطط تنموية قصيرة وأخرى متوسطة وثالثة استراتيجية بعيدة المدى. ـ ضرورة الاعتماد على العلم والتكنولوجيا والبحث العلمي، والمصادر الأساسية من أجل نهوض المجتمع العربي، كذلك لا بد من الحفاظ على الكفاءات العلمية وتطويرها وتحقيق طموحاتها كمًّا ونوعًا. ـ ضرورة السعي الجاد للانتهاء من الأمية في الوطن العربي، الداء الفتاك الذي يمنع أي تقدم حقيقي في الوطن أو تخفيضها على الأقل. ـ ضرورة الاهتمام بالشباب وتأمين حقهم في الحياة الحرة الكريمة، وذلك بتأمين حاجاتهم المادية والروحية وتلبية طموحاتهم، ولا سيما في تأمين المسكن والزواج وفرص العمل والتعليم الفعال والصحة. ـ ضرورة الاهتمام بالمرأة وتفعيل دورها في جميع أنشطة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ـ ضرورة زيادة الحريات الديمقراطية وتشجيع المنظمات والأندية الشبابية والاتحادات الطلابية والنقابات وكل ما يرتبط بالشباب من أنشطة ومجالات الإبداع الرياضية والفنية والثقافية وتشجيع مختلف الهوايات. ـ ضرورة اعتبار الإنسان العربي أسمى ما في الوجود بإنسانيّته، وهو الوسيلة والغاية، وضرورة ترجيح القيم الإنسانية والروح الجماعية على القيم المادية والفردية والاستهلاكية. ـ ضرورة الاهتمام المتزايد بالطفولة ورعايتها وتأمين حقوقها وحاجاتها وتحسين وتطوير دور الحضانة والمدارس وتشجيع الأطفال على اللعب وممارسة الهوايات المختلفة وتفجير الطاقات الخلاقة لديهم وتشجيعهم على التعبير عن الذات، فإن ذلك يخلق منهم مبدعين مستقبلاً. ـ ضرورة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، ولاسيما تلك الدول ذات التجربة الحديثة الناجحة مثل اليابان وبعض الدول النامية التي تطورت حديثاً مثل الصين، الهند، تايوان، كوريا الجنوبية، كوبا، البرازيل، وغيرها. إيهاب شاهين