شامة بن شعبان: ”أن تكون طفلاً على هامش الحياة وليس لك رأي في مصيرك“
| طارق البحار
حضرت مؤخرا المنتجة والكاتبة التونسية شامة بن شعبان مهرجان الشارقة للطفل والشباب؛ لتقديم فيلمها (قدحة)، والتي تشارك في بطولته بإلإضافة إلى أنها كاتبة سيناريو وحوار الفيلم الذي يعد تجربة الكتابة السينمائية الطويلة الأولى لها بعد عدة من كتابة أفلام تسجيلية مع العديد من المشاركات العربية والعامية وهو قصة إنسانية أبطالها أطفال يقدمون نفسهم من زوايا مختلفة، وفيه تتناول مساحات جديدة، وهم يقفون لأول مرة أمام الكاميرا بقيادة المخرج أنيس الأسود. في لقاء خاص مع شامة بن شعبان أكدت بمسافات البلاد أن الكتابة والإعداد للفيلم أخذ العديد من السنوات من التجهيزات والاستعدادات. ويروي الفيلم قصة "قدحة" طفل يبلغ 12 عاما، يتعرض لحادث مرور يدخل على إثره المستشفى، وتتلقى والدته مساعدة إحدى الأسر التي تتكفل بمصاريف المستشفى، وتوفر لعائلته مسكنا، لكن سرعان ما يعرف الطفل سر تغير مستوى عيش عائلته، فتنقلب حياته رأسا على عقب. الفيلم مليء بالحساسية، والرمزية والتناقضات التي تعطي هذه المأساة المعاصرة الأسطورية الخالدة، ويقدم في وجهة نظر هذا الصبي الذي يغادر والده إلى إيطاليا سنوات قبل الشروع في الرحلة البحرية المحفوفة بالمخاطر، والتي تأخذ الكثير حين الهجرة بطريقة غير شرعية إلى أوروبا، ومثل البحر دائما يعكس شوق الفتى الذي يقضي معظم وقته على الشاطئ مع أصدقائه حتى يوم تعرضه لحادث بليغ! وبسبب أنها غير قادرة على تحمل الفواتير الطبية، تجد والدته المساعدة من فاعلي الخير، الذين لديهم أيضًا ابن في المستشفى يسعى للعلاج من مرض مزمن في الكلى، وسرعان ما يستيقظ قدحة من العمليات يجد أن الأسرة لم تغط نفقاته الطبية فحسب، بل عرضت أيضًا على والدته وأخته وله منزلًا للعيش فيه، وتقترح الأسرة أيضًا تسجيل غاديا في مدرسة فرنسية خاصة راقية، وهو نفس الشيء الذي حضره ابنهم. يصبح قدحة مضطربًا ومريبًا، فهو لا يستطيع التخلص من الشعور بأن شيئًا ما على ما يرام، على الرغم من كرم مضيفيه. في غضون ذلك تتطور الصداقة بين قدحة وابن العائلة أسامة الذي يتعافى من عملية زرع كلى. لا يستغرق الأمر وقتًا طويلاً بالنسبة لقدحة لمعرفة ما حدث، حيث يكتشف كليته المفقودة وكيف قامت والدته بمقايضة أعضائه من أجل حياة جديدة ومحسنة. الألم الناجم عن اغترابته عن والده وخيانة والدته يدفع الصبي بعيدًا عن عائلته وأسامة نحو البحر، ومنذ ذلك الحين يتصاعد التوتر في الفيلم بشكل مطرد، حيث تلحق مأساة أخرى بأخرى، في سلسلة من الأحداث التي تنتهي بنبرة رمزية. وأكدت شيما بن شعبان، التي كتبت السيناريو مع لسود، أن الكثير من الفيلم يعتمد على شخصيات الأطفال، ولاسيما قدحة، وقد قضى الفريق وقتًا طويلاً في البحث عن الشخص المناسب للعب الدور، في حين أن معظم الممثلين يأتون من خلفيات مسرحية في تونس، قالت إن الأطفال الذين ظهروا في الفيلم يعملون أمام الكاميرا لأول مرة بصورة مذهلة. وفي التفاصيل تبدأ أحداث الفيلم بحادث سير يقع للطفل نبيل وشهرته (قدحة) أي "شعلة" الذي سلك والده البحر في رحلة هجرة غير شرعية إلى إيطاليا؛ بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وتركه هو وأمه وأخته الصغيرة غارقين في الديون، فلم تملك الأم أي نقود لإنقاذ ابنها بالمستشفى. تجمع الصدفة بين أم قدحة وبين الزوجين معز ومليكة اللذين يعالجان ابنهما من الفشل الكلوي، فيعرضان عليها المساعدة، لكن المقابل كان مؤلما، فقد تبرعت الأم بإحدى كليتي ابنها للطفل المريض. يخرج قدحة من المستشفى دون أن يعلم ما حدث له، لكنه يفاجأ بتغير حياته 180 درجة إذ ينتقل مع أمه وأخته من الفقر للعيش في منزل جديد داخل مزرعة معز، وتبدأ عملية دمجه في طبقة اجتماعية مختلفة لم يألفها وظل يحن إلى عالمه القديم. بعد تعافي الطفل أسامة من عملية زرع الكلى يعود إلى مزرعة والده فتنشأ صداقة بين الطفلين ويجمعهما حب لعبة القوس والسهم، لكن قدحة يكتشف بطريق الصدفة سر تحول حياته هو وعائلته وأن بيع كليته كان ثمنا لهذه النقلة، فتضطرب مشاعره تجاه أمه ولا تعود علاقتهما كما كانت. وبنهاية الفيلم يختتم صناعه عملهم بعبارة مقتبسة من كتاب (النبي) للبناني جبران خليل جبران "أولادكم ليسوا لكم.. أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها" عن ذلك نقول شامة: “عملنا لمدة 3 أشهر مع أطفال في ورشات للدخول في عالمهم ومن أجل كتابة السيناريو وتوزيع الشخصيات، وتم الاختيار بناء على الشخصية الخاصة لكل منهم”. لقد شاهدنا الأحداث من خلال عيون الطفل “قدحة” التي كانت بمثابة الكاميرا، وعن ذلك تقول شامة: “نعم تركنا الجميع يقول ويعبر من خلال عيون قدحة والأطفال وتركنا التحليل عند الجمهور، ومن خلال ذلك نستطيع العثور على الحقيقة بوصلتنا لاكتشاف القصة كاملة والأسرار والإشارات التي تدور في الفيلم لمعرفة السر الخفي، وترك لهم الباب مفتوحا على مصراعيه للتحليل، الأطفال هم أبطال والخوف والألم ومعاناة الطفولة المتمثلة في الفقر والحرمان والمرض، فينتمي كل طفل إلى بيئة اجتماعية معارضة للآخر، ابن حي شعبي، اشتكى من غياب والده ومصيره المجهول في الخارج في رحلة هجرة غير شرعية إلى إيطاليا، وأسامة الذي يفتقر الصحة، كان الطفلان وجهان لعملة واحدة في المعاناة”. وفي القصة نشاهد أنه قد يكون الأغنياء غير قادرين على مواجهة المرض، وربما يكون الفقراء قادرين على بيع الحياة لمن يدفع. وهنا نرى مصير الطفلين معلق في أيدي عائلاتهم، الذين اتخذوا قرارات مصيرية مكانهم بقيمة الحياة وخطر الموت، وفي النهاية يكتشف الطفلان أنهما ضحيتان ويجدان نفسيهما وسط دائرة العجز. الفيلم مستوحاة من اللقطة الحزينة للطفل السوري البالغ من العمر عامين، الذي غرق عام 2015 في البحر الأبيض المتوسط بينما كان يحاول هو وعائلته الوصول إلى أوروبا، سرعان ما انتشرت صورة كردي على نطاق واسع وأصبحت رمزًا لأزمة اللاجئين الأوسع، وتضيف بن شعبان: 'المشهد في الفيلم يعكس ذلك: ”أن تكون طفلاً على هامش الحياة وليس لك رأي في مصيرك“.