يوسف محمد.. نغمةٌ من الإبداع لا تخطئها الأذن
| أسامة الماجد
إذا كان "توماس ميدلتون" يعتبر من أكثر كتاب عصره موضوعية، وأقلهم احتفالًا بالشهرة والخلود وأشدهم استعدادًا للتعاون مع غيره في تأليف المسرحيات، وأكثرهم تنوعًا في إنتاجه، فإن الدكتور والباحث والفنان يوسف محمد يعتبر من أكثر الدارسين جهدًا وصاحب نغمة من الإبداع لا تخطئها الأذن، وهو إلى ذلك يمتاز بخاصية الالتزام والقيم الإنسانية والجمالية في إصداراته المتنوعة، وعندما يقدم لك العمل الفني يأتي صادقا وممتعا ويمس وترا حقيقيا في داخلنا.
يقولون الورق مطبوع ومحفوظ وشاهد قوي على إنتاج صاحبه، وجميع الكتب التي قدمها يوسف محمد "التراثية وتدوين سير الشخصيات والفنانين وغيرها" تمتاز بطاقة تعبيرية ويقظة فكرية ومقدرة عجيبة في تخليد الشخصيات، فمثلا كتاب "عنوا على البال" الذي خلد فيه سيرة الفنان القدير محمد علي عبدالله رحمه الله، لم يكن كتابا عاديًّا مثل غيره من كتب تدوين السير، بل كان شيئا مختلفًا مشيدًا على دعائم قوية، يبرز مكنون جماله أمام الناظر أو السامع أو القارئ.
أما كتاب "تاريخ الغناء الوطني في البحرين" فيعتبر من أروع ما أنتجته الساحة الأدبية في هذا المجال كونه نتاج دراسة علمية تتناول الأغنية الوطنية البحرينية والمدلولات الاتصالية لها، كما اتصفت البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي أعدها وقدمها لعل أشهرها "عزوتي وناسي" الذي يوثق فيه سير شخصيات كثيرة من رجالات البحرين والخليج، بأسرار جمالية وفكرية جديدة، وعمق وشمول في المعالجة، والشيء المؤكد أن تاريخ البرامج الحوارية المشابهة في وطننا العربي سيتذكر دائمًا هذا البرنامج كونه من البرامج التي لا ينساها المشاهد.
أما عن يوسف محمد الفنان، فقد خاض غمار التجربة الفنية حاملا شعار الدعوة إلى استلهام البيئة والتراث، واكتشاف عالم الفنون الشعبية، فقد كان على خط متصل الحلقات من التجارب الفنية الرائدة في المنطقة، بيد أنه كوّن تجربته الفنية وصقلها بجهده ومنابع أفكاره، وكلها أفكار تدفعها محركات ذات نزعة سلوكية والتزامًا أدبيًّا وأخلاقيًّا، كما أن التراث والهوية البحرينية هي أقدس أقداسه وحبه الذي لا يساويه حب آخر.
هذه الحيوية وعبقرية التنوع والقدر الكبير من الموهبة الأدبية، تستحق أن تكون موضع دراسة لأنها مدرسة لتربية الذوق الفني وبعث الحياة في التراث والحماس الذي يصل مباشرة للقلوب، إنها الأصالة التي تعني رسوخ الأصل وثبوته والنهل من تراث الوطن استمدادًا من صميم قيمه وتقاليده، وإنها لعمري ستكون مساهمة مشكورة وذات بال في إنارة جوانب مهمة في تجربة يوسف محمد بنوعيتها وتوجهها والوقوف على موقعها من النتاج الثقافي العام في دولة الخليج.