رسالة كان السينمائي الدولي.. "حمى البحر الأبيض“ و“بروكر" و“كلوز“
| من كان: عبدالستار ناجي
"حمى البحر الابيض": الفلسطينية مها حاج تذهب بعيدا
حينما قدمت المخرجة الفلسطينية مها حاج فيلمها الاول "امور شخصية "2016 بشرت بميلاد موهبة سينمائية عالية بالذات على صعيد البحث والتحليل في التفاصيل الحياتية المعاشة للانسان والمجتمع في فلسطين عبر كتابة سينمائية تحمل الكثير من البحث. وهي اليوم تذهب بعيدا في فيلمها الجديد "حمى البحر الابيض "الذي عرض في تظاهرة "نظرة ما "فاحدي المسابقات الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي.
تاخذنا مها حاج في فيلمها الجديد الى حكاية ”وليد" (امير حليحل) الكاتب الذى يعيش في مدينة حيفا ومع زوجته وأطفاله وكمية من الأحلام الكبرى بانجاز عمل روائي يذهب به إلى الشهرة والثراء. وفي الحين ذاته تعاني وليد من الاكتئاب والقلق نتيجة تلك الحالة من الانتظار والتوتر الدائم.
تنشأ بينه وبين جاره الجديد علاقة. وحينما تتطور تلك العلاقة يكتشف وليد بان جاره يعمل في عالم الجريمة بالتعاون مع عدد من المجرمين المحترفين. ويري وليد في الاقتراب من جاره فرصة للتعرف على عالم الجريمة والمجرمين من أجل ان تمثل تلك العلاقة وذلك التماس ارضية لكتابة نصه الروائي الجديد الذى سيقوده الى الشهرة والعالمية.
تمضي الأحداث عبر مساحة من السخرية العالية وكان مها حاج أرادت أن تحول تلك السخرية نهجا للتخفيف من حدة الحالة والظروف التى تحاصرها. سخرية عالية في كل شي. سخرية يحكمها الموقف والمفارقة لتجاوز منعطف الحالة والظروف الانية التى تعيشها الشخصية والمجتمع والانسان الفلسطيني في هذة المرحلة من تاريخه والحلم والأمل الذى يتحول الى سراب بعيد المنال.
تلك العلاقة بين الكتاب والمجرم تقودهما إلى مغامرات وعوالم مشبعة بالمفارقة والمواجهة لأن كل منهما يري في الآخر الخلاص والمنقذ. ولكن مها حاج لا تتوقف عند تلك المحطة لتذهب الى ما هو ابعد من ذلك حينما يقوم الكاتب باغتيال جاره المجرم.. لعله يبلغ أفق أعلى من أجل تحقيق حلمه المفقود الضائع.
سينما تمتاز بايقاعها ونبضها الذي صبغته المخرجة بروح ساخرة وسط عالم من الحلم والظروف الموضوعية القاسية التى جعلت جميع الشخوص تعيش ممزقة لاهثه محبطة بلا حلم أو أمل.
فيلم يبدو للوهله الأولى بسيطا ولكن عند تفكيك شفرات الشخصيات والمضامين نكتشف باننا أمام رحلة وعلاقة وإشكاليات اللحظة التي تحاصر تلك الشخصيات التى لا يمكن إلا أن تكون فلسطينية. خطوة إضافية في رصيد المخرجة مها حاج تحلق بها عالميا.
"بروكر": السينما على طريقة الياباني كوري هيدا هيروكازو
يمتلك المخرج الياباني مسيرة عامرة بالانجازات المقرونه بالجوائز والتكريمات العالية المستوى . مبدع سينمائي حقيقي من مواليد 1962 وهو من الجيل الثالث في السينما اليابانية العرقية التي قدمت الكثير من الاسماء ومن بينها اكيرا كيروساوا وناجيزا اوشيما وشوهي ايمامورا وغيرهم وصلا الى كوري هيدا هيركازا الذى طرز رحلته السينمائية بكثير من الخصب والابداع ونشير إلى عدد من أعماله ومنها على صعيد الذكر لا الحصر أفلام "بعد الحياة "و "ولا أحد يعرف "و "وانا اتمني "و "الابن على نهج ابيه "و "بعد العاصفة "و "الجريمة الثالثة "و- فضيحة عائلية "وغيرها.
وهو هنا في فيلمه الجديد "بروكر "السمسار "يذهب بنا الى حكاية بسيطة ولكنها مركبة وذات دلالات تدعو الى الحوار. خصوص ونحن نتابع حكاية طفل رضيع تم وضعه في أحد الصناديق لرعاية الاطفال في تلك الليلة الممطرة يقوم السكرتيرا المشرف علي الصندوق باخذ الطفل معهما الى منزلهما بدلا من تسليمة الى دور رعاية الاطفال.
المفاجاة حينما تعود والدة الطفل في اليوم الثاني للبحث عن طفلها الذى تركته في الصندوق ووضعت في بطانيته جملة تقول بها ساعود اليك .وحينما تعود لا تعثر عليه لذا تبلغ الشرطة عن طفلها المفقود.
في الخط الآخر يقوم السكرتيران بالبحث عن أبوين يقومان بشراء هذا الطفل وتبنية لذا يقومان برحلة في عدد من المدن اليابانية وتراقب الشرطة تحركاتهما وحينما لا يجدان من يتبني ويدفع ويهلكهما الإعياء والسفر تقرر الأم الحقيقية أن تنظم اليهما بعد أن تعرف على نفسها وهي تريد من يرعي طفلها بعد ان اعترفت بأنها اغتالت والده غير المسؤول وهي وحدها لا تسطيع تحمل تبعيات ومسؤوليات هذا الطفل الرضيع وهي صغيرة لا تعرف شيء في الحياة.
وتمضي الايام بين مراقبة الشرطة وتحقيقاتهم في البحث عن القاتل تارة والطفل المفقود تاره اخري والثنائي الذى اخذ الطفل الى حياة تلك الرحلة الى اليابان وكان الفيلم يقول بان شباب اليابان اليوم غير قادرين على تحمل المسؤوليات او تكوين اسرة حقيقية .
رحلة تقود الثلاثي السكرتيران وام الطفل ومعهم طفل خفيف الظل هو ابن احد السكرتيرية في رحلة تقودهم وعبر كم من المفارقات الى كم من الحكايات ومن بينها الالتقاء مع عدد من طالبين التبني حيث تتحرك بورصة سعر شراء الطفل من منطقة الى اخر ونكاد نشاهد ذات الزوجين الذين يريدان تبني الطفل . وايضا حكايات الشرطة وتداخل اختصاصاتهم .
سخرية عالية تلك التى راح يشتغل عليها هيروكازو عبر كوميديا يابانية مقرونه بالموقف دائما عبر ارتجالات السكرتير الذى جسده سونج كنج هو . الذي يمتلك حضورا سينمائي ومقدرة رفيعة على تقديم الشخصية والمراحل والتحولات والرحلة المتبعة وتعاملة مع الطفل الرضيع طيلة الرحلة .
كوري هيدا هيروكازو قام بكتابة السيناريو وتعمد الرحلة من اجل الانتقال في اللانحاء اليابانية والمدن والنواحي ولكن الاهم هو حكاية الطفل الذي يبحث عن من يتباه والام الباحثه عن مستقبل لابنها وكم اخر من الحكايات المتداخلة التى تجعلنا امام تحليل ذكي ساخر في دهاليز المجتمع الياباني الحديث .
سينما شاغلها الانسان ومستقبله عبر حكاية طفل يبحث عن ابن يتبناه, انها سينما المبدع الياباني كوري هيدا هيروكازو.
"كلوز": الحميمية القاتلة من توقيع البلجيكي لوكاس دهونت
الحميمية، الصداقة، التقارب الانساني العفوي هل يكون طريقا الى الموت والانتحار. واحد من الاسئلة الكبري التى يطرحها فيلم ”كلوز" وهنا الاقتراب الا يعني تلك المفردة ببعدها الاقترابي بقدر ما هي الحميمية التى تحول الصداقة الى شي ما يشبة الكيان الواحد.
علاقة من الحميمية تجمع بين صبيين في الثالثة عشر من عمرهما ( ليو) و(ريمي)، وفجاة يتغير كل شئ حينما يشعر ليو بان هناك من يتحدث عن تلك العلاقة بانها علاقة مثلية وهي ليست كذلك . فيقرر الابتعاد عن صديقة ريمي وهذا ما يجعل ريمي يشعر بشى من التغيير في طبيعة الحميمية لان الحميمية لا تجزء او تتقلص للحميمية ابعاد اقلها العمق .
يبدا ريمي بالمحاولة لاستعاده صديقة ليو الذى يسرف في الابتعاد رغم اننا في الجزء الاول من الفيلم نرصد الكثير من اللهو والمتعة والضحك الطفولي الذي يبدا بالانكماش امام نظرة المجتمع ومحاولة ليو افهام الجميع انه لا شئ ابعد من الصداقة والحميمية التى لا يعرفها البعض او قد يفسرها البعض الاخر بمفهوم سلبي .
يعاني ريمي الكثير من اجل فهم واستيعاب ماذا حصل ويحصل وتتحول الامور بينهما الى شي من الصراع احدهم يريد الابتعاد والاخر يحاول فهم اسباب وحيثيات هذا الابتعاد الذى يتصوره وكان روحه تخرج منه . حتى نصل الى الشجار المجاني الذى دار بينهما في ساحة المدرسة .
وحينما لا يجد ريمي السبيل لاستعاده صديقة وروحه يبدا بالتنمر والعنف وصولا الى الانتحار . عندها ياتي ردة فعل ليو بانه من كان وراء تلك الحالة التى بلغها صديقة . عندها يذهب للاعتراف الى والدة صديقة ريمي بانه من كان وراء انتحاره وموته البطئ . والتى تقابل ذلك الاعتراف بالطرد لانها لا تتصور ان الحميمية توصل الى موت ابنها.
سينما رائعة وثرية تلك التى يقدمها المخرج البلجيكي لوكاس (لوكا) دهونت الذى عرفناه عام 2018 حينما قدم فيلم "فتاة "مشيرين الى ان لوكا من مواليد 1991 وهو يمثل رهان متجدد للسينما في بلاده واوروبا لما يتمتع به من فكر وبصمة سينمائية تشتغل على الانسان .
في الفيلم اداء ساحر خلاب للثنائي ايدن دامرين (ليو) وجوستاف دي وائل (ريمي) اداء يوصل الفيلم الى لحظات تالقة ومتميزة كيف لا وخلف ادارة هذا الثنائي مخرج يعلم بان السينما قضية وفكر ومتعة، ودهشة.
الحميمية والاقتراب حينما تنفلت من معاييرها وحينما يفسر الاخر تلك العلاقة حسب معايير الاخرين الذين لا يعرفونها عندها تحل الكارثة . اعلم جيدا بان الفيلم مشبع بمساحة من البكائية ولكنها بكائية مبررة حتى وهي تاتى من سينما اوروبية تكاد تجاوزت مرحلة العاطفة والاحاسيس المتاججة .
كلور، فيلم كبير يستحق الكثير حينما يتم التقييم بالاحترافية السينما العالية شكلا ومضمونا، سينما تجعلنا نذهب الى ذواتنا نتعرف على معايير ومضامين الحميمية.