رسالة مهرجان كان السينمائي الدولي في دورته الخامسة والسبعون 2022
| من كان: عبدالستار ناجي
"العنكبوت المقدس" : لماذا يعتبر قاتل العاهرات بطلا ! قدم المخرج الايراني المعارض علي عباسي فيلمه الروائي الثاني "العنكبوت المقدس" في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي، وهو الفيلم الثاني لهذا المخرج المتميز بعد فيلمه الاول "حدود" الذى اثار كثير من الجدل حينما قدمه عام 2018 في "العنكبوت المقدس" يذهب الى حكاية شهيرة شهدتها مدينة مشهد المقدسة حينما قام احد الاشخاص بتصفية مجموعة من العاهرات (بائعات الهوى) ضمن فتوي الجهاد ضد الفساد، وتمكن لذلك الرجل من اغتيال 16 امراة، وقد تم انجاز فيلم عنه منذ عامين. واليوم يقوم المخرج الايراني علي عباسي بصناعة فيلم جديد عن حكاية وظروف تلك الشخصية عبر معالجة سينمائية عالية الجودة . وقد قام بتصوير الفيلم بالكامل في عدد من المدن الاردنية .بناء على طلب شركات الانتاج خوفا على حياته . الفيلم يرحل بنا الى حكاية صحفية شابة تقرر السفر من طهران الى مشهد لمتابعة ملابسات الاغتيالات التى راحت تتم بحق مجموعة من السيدات يمتهن اقدم مهنة في التاريخ في تلك المدينة المقدسة . وقد حمل ذلك القاتل في الصحف التى تصدر في ايران يومها اسم "العنكبوت المقدس" وذلك لتفاعل الكثير من اهل مشهد على وجه الخصوص واعتبار ما يقوم به هو تحقيق للعداله وان ما يقوم به هو بطولة من اجل التخلص من الفساد المتمثل بتلك العاهرات التى ياخذنا الى عوالمهن وظروفهن الاجتماعية والاقتصادية الصعبة والقاسية .
لقد كان (سعيد) القاتل ينطلق من منظور ورغبة في تنظيف مدينة من تلك الفاسدات وهو يحقق القانون بيده وفي المقابل يلمس يوميا ردود الافعال من الشارع والعامة التى تتحدث عن بطولات وشرف ذلك القاتل الذى لا يعرفه احد حتى ضحاياه اللواتي يذهبن الى قدرهن بحثا عن الفتات المدي . تمضي الصحفية في رحلتها للبحث بمساعدة زميل صحفي يعمل في صفحات الجريمة يمتلك علاقات مع العديد الضباط يمهدون الطريق له ولزميله لمشاهدة جثث الضحايا حيث كان ذلك القاتل بخنقهم . وخلال تلك الرحلة نلاحظ تحرش احد الضباط بالصحفية التى ترده . لتواصل بحثها الدؤوب حتى تقرر ذات يوم الان تنزل الى الساحة التى تقف بها بائعات الهوي بعد مراقبة حثيثة ومعرفة بان القاتل يستخدم الدراجة النارية ويقوم زميلها الصحفي بالمراقبة من اجل حمايتها حتى اللحظة التى ترافق بها القاتل الذى يتمكن من الهروب من المراقبة واخذ الصحفية الى منزله وتبدا لعبته الا انه يواجه الرافض وايضا الرد على العنف بقوة حيث تقوم باستخراج سكينه والهروب بعد ان راحت تصرخ ليحضر الجيران .. وفي المشهد التالى مباشرة يتم القبض علية . خلال تواجدة في السجن وعملية التحقيق والمحاكمة تزوره عدة شخصيات نافذة تؤكد له بانه بطل وستقف خلفة ولكن هنالك ضغوط سياسية من العاصمة طهران لتنفيذ العادلة رغم خروج المظاهرات المؤيده لما قام به (سعيد القاتل) وتصاعد الدعم الاجتماعي حيث يقوم احد الشخصيات باحضار التموين لاسرة سعيد وهكذا راح جميع اهل الحي واصحاب المحلات باعطاء ابن سعيد واسرته كافة احتياجاتهم لانه بالنسبة للجميع بطل شريف . حتى يأتى القرار بالجلد والاعدام .. وفي مشهد الجلد نجده واقفا بينما الجلاد يضرب على الحائط وهو يمثل وكأن احد يضربه ما اجل اقناع الصحفية التى تقف خارج الغرفة .. وحينما تأتى لحظة الاعدام يتم التنفيذ ليس لسبب الا ان العاصمة بضغوطها السياسية واقتراب موعد الانتخابات اذن لابد من ضحية حتى لو كان بطلا في عيون الجماهير . اهمية هذا الفيلم بانه يعري اولا نظام الشرطة الفاسد وايضا التغيير في النظرة الاجتماعية للقانون والعدالة . التى تصور قاتل بانه بطل بحجة انه ينظف المدينة من الفاسدات بلا قانون وبلا مرجعية قانونية او محاكمة او محاسبة . وخطوره هذا العمل ايضا ان تلك النظرة الاجتماعية تنتقل للابناء حيث نشاهد الصحفية وهى في طريق عوداتها وهي تشتهد للقاء مصور مع ابن القاتل وهو يمثل ما كان يقوم به وكانه تقليد لوالده البطل الذة سيسير على نهجه واسلوبه .. ان تغييب القانون الشرعي والاعتماد على الفتاوي والاجتهادات هو المحور الاساسي الذى اشتغل عليه الفيلم وكانه المخرج علي عباسي يصرخ باعلي صوته متحدثا عن غياب القانون الذى يتم استحضاره حينما تريد العاصمة والظروف السياسية . في الفيلم مع علي عباسي كل من مهدي باجستانى وزار امير ابراهيمي بدور الصحفية . خلف العمل مدير التصوير نديم كارلسون بحترافية عالية المستوى منحت الفيلم ابعاد اضافية بصرية عالية الجودة . وهناك الموسقار مارتن دريكوف الذى صاغ واحدة من التجارب السينمائية العالية الجودة وكانت موسيقاه ثرية وعميقة ولافته وجزء اساسي من تركيبة ذلك المنجز السينمائي الهام للسينمائي الايراني علي عباسي. ويبقي ان نقول ان في فيلم "العنكبوت المقدس" قاتل العاهرات يصبح بطلا قوميا!
"ثلاثة الاف عاما من الشوق".. ميلر يستحضر الجن!
يعتبر المخرج الاسترالي جورج ميلر واحدا من اهم الحكائين السينمائيين الذين يدهشوننا باعمالهم وابداعاتهم والذى بدا مشواره السينمائي مع فيلم "ماد ماكس" 1979 الى جوار مواطنه النجم ميل جيبسون. لتمضي المسيرة عبر سلسلة من افلام المغامرات التى اخذت منحي فلسفي عميق يدعو المشاهد الى الحوار ومن اعماله الجزء الثاني من "ماد ماكس" و "تولايت زون" و "بيبي بيج ان ذا سيتي" و "هابي فيت واخيرا تحفته "ماد ماكس طريق الحرية "الذي عرض في مهرجان كان السينمائي عام 2015 . وهو يعود مجددا الى كان والى السينما من خلال فيلم "ثلاثة الاف عاما من الشوق" الذي يروي باختصار شديد علاقة الدمتورة اليثا ( تيلدا سونتون ) مع جني خرج لها من قنينه قديمه اشترتها من احد الاسواق التركية القديمة جسد شصخية الجنة النجم البريطاني الاسمر ادريس البا . دكتورة مرموقه نشطة ولكن بدون حياة اجتماعية او علاقات وجنى يسرد قصته على مدي ثلاثة الاف عاما عاشها متنقلا بين مجموعة من العلاقات من النساء اللواتي عمل على خدمتهن وعاش معهن قصصة رائعة يظل يحن اليهن ولكن الطلب الثالث ياتى دائما بالذهاب مجددا الى القنينة ليظل حبيسا . وحينما يظهر من جديد هي تريد ان تصنع تاريخا وعلاقة وهو يريد ان يكمل تاريخه وحكايته المقطوعة في رحلة سينمائية مشبعة بالدهشة الابهار والقراءة الذكية للتاريخ والازمنة والامكنة . سينما من نوع مختلف تلك التى يقدمها جورج ميلر تحمل التقنية العالية والدهشة والابهار وقبل كل ذلك العمق الفلسفي . لا شي مجاني عند هذا المخرج والقامة السينمائية الكبري . يقرن دائما اشتغلاته بالبحث والتحليل والحرفة السينمائية المشبعة بالثراء والتجديد . يعرض الجنى على صاحبته الجديدة ثلاث طلبات مقابل الحصول على حريته وهنا الفلسفة الجديدة والمنحي الجديدة حيث الجنى يقدم خدماته مقابل حريته التى ظلت حبيسة وبحكم الانسان وقرارته .ولكنها تريده لها وهي تعلم جيدا بان جميع الطلبات السابقة التى صدرت من الشخصيات السابقة كان خاطئة اما لاسباب مادية او صراع علي السلطة او غيرها . هي تريدها لتمضي بقية الزمان معه بعد ان راح يروي حكايته التى تمتد على مدي ثلاثة الاف عاما مشبعة بالشخوص والصراع والالم . علاقة بين باحثة وجنى تذهب الى ما هو ابعد من العلاقة التقليدي بين انسانه تجد الجنى لينفذ طلباته الى علاقة بحث عن الحرية لجنى يريد الخلاص والامان النفسي بعد حسب طويل وخدمات يقدم لاسياده. وفي النهاية ياتى الطلب الاخير، اذهب فانت حر، ويأتي الجواب ساظل اعود اليك، وهكذا ياتى المشهد الاخير حيث تلتقي به مصادفة وهى تتجول في احدي الحدائق، مؤكدا بانه سيظل قريبا حبيبا. سينما من نوع مبهر ممتع مسلئ وعميق هكذا هي سينما الحكاء المخرج الاسترالي جورج ميلر الرائع.