روح وأفكار و "تكنيك" ومحاولة للتوفيق بين شيئين متضادين

الفيلم القصير "إسعاف".. لغة سينمائية بليغة مؤثرة

| البلاد - أسامة الماجد

الانطباع الذي يتركه الفيلم القصير "إسعاف" للمخرجة فتحية ناصر في نفس المتفرج بدون التوقف عند التفاصيل، كالتالي: ثمة كارثة تلوح في الأفق، جميع الشخصيات تحلم وتريد، ولكن أحلامها ورغباتها متنافرة ومتناقضة، مزروعة بالألغام، تنفجر في النهاية فيسيل الدم من الجميع.. إنه فيلم عن الانتظار المدمر والخوف من تشويه وجه العادات والتقاليد.

مجموعة من النساء المتدينات يخرجن في "كشته" وإحداهن تفقد ابنها في البحر، وفي العزاء "مأتم أم صادق للنساء" يكون هناك إحساس متقارب من الفجيعة، وتطوف الكاميرا على الوجوه في لقطات سريعة متتابعة أخرجت ببراعة فائقة، وقد جاءت الفنانة والشاعرة نادية الملاح على قمة الشخصيات في الاندماج الكامل مع الدور "صنعة وفنا وقدرة كبيرة على التلون الدرامي"، وكذلك الفنانة بروين من خلال الأداء المتدفق والصدق في بساطته.

أما الفنان عقيل الماجد فكعادته يرتفع إلى السماء بحضوره القوي والمؤثر، ويعرف استنباط الملامح المتعارف عليها في عالم الأبطال.

خلال العزاء تسقط أم الطفل ويحاولن مساعدتها بالطرق البدائية المألوفة "شم البصل والعطر" ولكن دون جدوى، ثم يبدأ الصراع المستمر إلى اليوم والمتمثل في الطبيب الرجل والمرأة المريضة، ففي بداية الأمر رفضن النسوة مساعدة الرجل "عقيل الماجد" الملم والخبير بالإسعافات الأولية، ولكن بعدها وافقن وتم إنقاذ الأم بقبلة الحياة كما يطلق عليها في مثل هذه الحالات. وهنا استغلت المخرجة أهم عنصر سينمائي وهو عنصر الحضور.. فكل شيء يتم خلقه أمامنا.

لقد أعطتنا المخرجة فتحية ناصر في هذا الفيلم الذي يهدف إلى توصيل رسالة معينة، لغة سينمائية بليغة مؤثرة ومفهومة، فمن أوله إلى آخره متعة للعين من الناحية البصرية، حيث استطاعت بكاميرتها الغوص داخل النفس الإنسانية وتكثيف معاناتها الداخلية من هذا الواقع، ومن خلال اطلاعي على تجربتها يمكنني القول أنها تعالج كمخرجة بطريقة جدية، بل وشيقة في بعض الأحيان، وبالرغم من أنها روائية وقاصة ولكنها هنا أكثر سينمائية عنها في أي وقت آخر.

فيلم "إسعاف" نجح في التعبير عن مشكلة من مشكلات المجتمع وحاجاته، والدعوة إلى إعادة صناعة الأفكار وتجديد الصور والأحاسيس، ومحاولة للتوفيق بين شيئين متتضادين فيما يتعلق بعلاقة المسعف الرجل والمرأة المريضة كما ينظر لها البعض استنادا للمعتقدات والقيود المتزمتة. كما استطاعت المؤلفة والمخرجة وهي أحد الأسماء الهامة التي تذكر عند الحديث عن الأفلام القصيرة في البحرين، أن تنسج من خلال التفاصيل الصغيرة لوحات رائعة وبالغة الصدق، روح وأفكار وتكنيك سينمائي يعطيها منا الاحترام والنجاح، وتبني واقعية جديدة عبر استقصاء الحقيقية الموضوعية وطرقها الفنية في الإبداع الفني كالتصوير واختيار الزوايا وحتى اختيار الممثلين وغير ذلك. ولعل أبرز ما لفت انتباهي أيضًا في هذا الفيلم هو الاستخدام الحاذق للقطة الطويلة المكونة من مشهد واحد التي تتيح لها الكادرات العامة، اندماجا حقيقيا في حيز المشهد "مشهد سقوط الأم" بروين.

يجدر بالذكر أن فريق فيلم "إسعاف" مكون من.. سيناريو وإخراج فتحية ناصر، وتمثيل بروين، عقيل الماجد، شريفة طالب، نادية الملاح، فتحية ناصر، شذى العصفور، والأطفال محمود أنور، علياء محمد صالح، وتصوير وإضاءة محمود عبدالله، سعيد المختار، سيد باقر الكامل، صوت كميل يوسف رستم، وإدارة إنتاج فتحية ناصر، المونتاج والعمليات الفنية "الباستيل برودكشن"، ومكياج نورة العجلان وعرض في مهرجان "صنع بشغف" السينمائي في أبريل الماضي.