ضحايا “السكن الاجتماعي” على مقصلة “جودة البناء”
| علي الفردان
شكَّل برنامج السكن الاجتماعي، والذي أطلق قبل عدة سنوات حلمًا للكثيرين من محدودي الدخل للحصول على منزل العمر واختصار سنوات انتظار قد تصل إلى 20 سنة، إلا أن هذا الحلم لا يخلو من “منغصات” من بينها ضمان الحصول على جودة بناء ملائمة وبسعر معقول، وبيّنت الكثير من قضايا جودة البناء والتي وصل بعضها إلى أروقة المحاكم، تبحث “البلاد الاقتصادي” عن خيوط القضية بين ركام المنازل التي تعرض أصحابها لإهمال من المهندسين أو المستثمرين أو المقاولين، مما تسبب في تنغيص حلمهم وتحويله إلى كابوس.
الغش في تهيئة أرضية المنازل
ويقول عباس الطويل وهو صاحب مؤسسة الطويل للمقاولات، والتي تقدم مؤسسته خدمات النقل إلى جانب مواد الدفان، إنه يعرف الكثيرين مما تعرضوا للغش في مواد الدفان، حيث إن أحد الذين تعرضوا لعملية غش من المستفيدين من برنامج السكن الاجتماعي “مزايا”، ويعرفه شخصيًّا اضطر إلى خسارة المنزل ككل، بعد أن تعرض المنزل لهبوط كلي ليواجه التصدعات والتشققات التي لا يمكن معالجتها إلا بالهدم الكامل.
وتحدث الطويل عن أن تهيئة الأرض للدفان هي مرحلة مهمة في بناء المنزل قبل البدء في القواعد، حيث يتم حفر الأرض المخصصة للبناء واستخدام مستوى صخور معين ومعدات ضغط للوصول إلى نسبة الثبات المطلوبة، ومن ثم عمل اختبارات للتربة للتحقق من ملاءمتها.
وبيّن الطويل أنه طلب منه ذات مرة إعداد عدد من الأراضي بكميات قليلة من الدفان فيما يخالف مستويات الجودة مقابل توفير بضعة آلاف من الدنانير للمستثمر في هذه المنازل، لكنه رفض المشاركة في هذه الأعمال التي تسبب في خسارة كبيرة لمن يشترون المنازل.
وأوضح أنه فضل ترك العمل في مجال مواد الردم والدفان، والتركيز على نشاط النقل، بعد أن رأى هذه الممارسات التي أضرت بالسوق، حيث يلجأ البعض إلى هذه المواد ذات الجودة الرديئة سواء بجهل منه أو بعلم.
وبشأن المسؤولية عن عدم اتباع المواصفات في عملية البناء، أشار الطويل إلى أنها عملية مشتركة تبدأ من المهندس الذي لا يقوم بالكشف في مراحل البناء، إلى المستثمر الذي يجب أن يتحقق من جودة المواد والتنفيذ.
وأشار إلى أن بعض المهندسين للأسف يعرفون بـ “أبوختم” حيث إن بعض المستثمرين يبحث عن استشاري هندسي بأقل تكلفة لا يقوم بالكشف في عملية البناء.
ورأى الطويل أن المستثمرين من هذا النوع يمكن أن يطلق عليهم “مجرمين” حيث يسعون لتوفير بضعة آلاف الدنانير على حساب الجودة، حيث إن المشكلة تكشفت بصورة أكثر مع السكن الاجتماعي ومحاولات الكثير من محدودي الدخل اقتناص فرصة الحصول على منزل العمر دون الإحاطة بهذه المخاطر.
وبين أنه في سوق مواد الدفان والردم وحتى المقاولات، هناك الكثير من الدخلاء على المهنة الذين ليس لهم ضمير ويقومون بالغش، عبر تقديم أسعار بخسة، في حين أن المواطن هو الحلقة الأضعف.
مهندسو الكاوبوي
ويعترف رئيس جمعية المكاتب الهندسية في البحرين، مازن العمران، بوجود بعض المهندسين لا يتبعون الأخلاقيات المهنية، وهو ما أطلق عليهم “مهندسي الكاوبوي”، حيث اعتبرهم مشكلة في القطاع الهندسي رغم وجود الأخلاقيات والمعايير الدولية التي يتبعها العاملون في القطاع الهندسي.
وأكد أن بعض المكاتب لا تقوم بالإشراف على البناء، حيث تقوم بتوقيع أعمال في حدود 300 دينار، الأمر الذي يلقي بظلال الشك حول عدد الزيارات التي يقوم بها المكتب الهندسي للموقع، منوهاً بأن عملية الزيارة للموقع تكتسب أهمية كبرى. واوضح أن المكتب الاستشاري هو المسؤول عن سلامة البناء، وأن مسؤولية المقاول تتمثل في تطبيق الرسومات وما يطلبه المهندس منه، مشيرًا إلى أن المكاتب تعطي ضمانًا لمدة عشر سنوات لصلاحية وقوة التصميم الإنشائي والأمر نفسه يترتب على المقاول.
واشار إلى أنه وخلال عمله في مكتب هندسي منذ 37 عامًا، لم يستلم مشروع لم يتم فيه عمل اختبار لقوة تربة الأرض التي سيقام عليها البناء قبل مباشرة المشروع.
وتابع “إن بعض الاستشاريين الهندسيين يقبلون استلام مشاريع من المطور دون طلب اختبارات التربة، مشيرًا إلى أن ذلك يخالف أخلاقيات الهندسة خصوصًا من مهندسي (الكاوبوي) والذين عادة أسعارهم بخسة وبعضهم يعملون من المنازل”. ولفت إلى أن المشكلة تكمن بشكل خاص في مشاريع البناء الصغيرة والمستثمرين أو المطورين الأفراد للمشروعات الفردية الصغيرة.
تعاون مشترك
وتطرق العمران إلى أهمية التعاون المشترك بين مجلس مزاولة المهن الهندسية وشؤون البلديات في التعاون وإيقاف المكاتب التي لا تتبع أخلاقيات المهنة.
واشار إلى أن نحو 50 مكتبًا وقّعت على وثيقة أخلاقية للقطاع الهندسي، داعيًا الجميع للتوقيع على هذه الوثيقة، حيث أتاحت جمعية المكاتب الهندسية هذه الوثيقة منذ العام 2013.
وأشار إلى مشروع تنوي الجمعية بحثه مع غرفة التجارة وذلك لإنشاء جهاز أو مجلس معني بمراقبة قطاع المقاولات وإعطاء الرخص للعاملين في القطاع لضمان أعلى مستويات الجودة.
مقاولين وتجار أجانب
من جانبه، علق رئيس شعبة العمارة في جمعية المهندسين البحرينية، مهدي الجلاوي قائلاً “لله الحمد، فإن المواد المتوافرة بشكل عام في السوق المحلية هي مواد ذات جودة مقبولة وجيدة والمواد الأساسية الغش فيها قليل لوجود رقابة الدولة وضرر التلاعب على سمعة الفرد وما له من تأثير على الاعمال مستقبلًا”.
ويرى الجلاوي أن وجود مقاولين وتجار أجانب حاليًا في السوق يهدد بدخول بعض المواد بجودة أقل وطرق بناء دون المستوى المطلوب.
نصيحه مهمة
ويقدم رئيس شعبة العمارة في جمعية المهندسين البحرينية عددًا من النصائح للراغبين في شراء المنازل أو البناء، ومنها ان يتم اختيار المقاول بعد التحري عن أخلاقيات المهنة وأن تكون لديه خبرة جيدة في العمل، ومتمكنًا منه، وشركة معتبرة في السوق وذات سمعة حسنة، فالأمر مشابه إلى اختيار الزوجة حيث يجب الاختيار من أسرة جيدة وما إلى ذلك من المواصفات.
وشدد الجلاوي على ضرورة توكيل مهندس ذي خبرة ومرخص، مع التأكيد على إشراف حقيقي وتواجده في الموقع في المراحل الرئيسية وتطبيق حقيقي للخرائط الهندسية، فذلك استثمار، وهو الأمين على المبلغ الكلي للمشروع.
ودعا الجلاوي الراغبين في شراء منزل إلى تجنب المطورين الذين يعملون بهدف جني الأموال فقط وبهدف الربحية المالية في هذه المشاريع قائلًا “ننصح المطورين أن يخافوا الله ويقدموا مصلحة الوطن والمواطن”.
مهندسون لا يزورون مواقع العمل
ويلقي مستشار جمعية المقاولين هشام مطر بكل اللوم على المهندس المشرف على مشروع البناء خصوصًا فيما يتعلق بالمنازل ومشروعات السكن الاجتماعي، مشيرًا إلى أن هذه مشكلة تؤرق السوق والمواطنين.
ويشير مطر إلى أن البلدية بموجب القانون، لا تصدر تصريح عمل إلا بإصدار وتعهد بإشراف من قبل مكتب هندسي.
وقال “اليوم للأسف الشديد المكاتب الهندسية أصبحت تجارية، ولا تقوم بالواجب كما ينبغي عليها (...) مثلًا بعضهم يقوم برسم الخريطة دون أن يطلع على الأرض، حيث إن التربة أنواع، وتختلف عملية بنائها”.
وشدد مطر على أهمية أن يقوم المهندسون بواجبهم، وأن لا يقوم المهندس بعملية “نسخ ولصق” للمخططات الهندسية وعدم الاطلاع على الأرض قبل تصميم الخرائط. ورفض مطر تعليق شماعة الأخطاء وعدم جودة البناء على المقاول، حيث أشار إلى أن مسؤولية المقاول تنحصر في عملية تنفيذ الرسوم الهندسية الصادرة من المكتب المعني.
وأشار إلى أن المكتب الهندسي هو المسؤول الأول والأخير لجميع المشاريع والرسوم التي تصدر من مكتبه.
تجربة مواطن
إلى ذلك عبر المواطن علي حسن الذي اقتنى منزله حديثًا عن طريق برنامج “مزايا”، من خلال الاتفاق مع إحدى مؤسسات المقاولات، لبناء منزل بحسب المواصفات الخاصة المطلوبة، عن استيائه من مستوى جودة أعمال التشطيبات والاعتماد على أساليب وحلول بدائية في بعض الأعمال، إلى جانب ضعف الرقابة على العمال وسير العمل، والاعتماد على رقابة الزبون الذي لا يملك الخبرة الكافية لقياس جودة العمل.