العرادي يروي قصة أصحاب الكهف وعملة “دراخاما” الإمبراطور دقيانوس
| بقلم: محمد عبدالحكيم العرادي
فيليب العربي أصدر عملة ممزوجة بمعادن ليخفف من عبء استخدام معدن الفضة الفتية استيقظوا بعد 195 عامًا تقريبًا... ومسألة 309 سنوات اشتهرت من مار يعقوب السروجي ومصادر يونانية
هذا المقال جزء من بحث أعددته عن أصحاب الكهف (نظرة وسرد تاريخي)، ونذكر هنا أن القرآن الكريم تضمن بعض الوقائع التاريخية من باب العبرة والفائدة مثل الحرب البيزنطية الساسانية (في سورة الروم) وكذلك قصص أقوام وأمم عاشت قبلنا مثل قوم تبّع (لقب يطلق على ملوك اليمن وهي من الحضارات العربية القديمة قبل الإسلام) وغيرها، وأيضاً قصة أصحاب الكهف التي هي بالأساس من التراث المسيحي وليست قصة إسلامية إنما ورد ذكرها في القرآن الكريم لسبب سنتطرق له في هذا السرد التاريخي، وأود هنا أن أشير إلى أن السرد التاريخي مهم، لأنه يعطي صورة أشمل للقارئ، ويبقى التاريخ رهن الاكتشافات الأنثروبوليجية وغيرها من الدراسات، ولا أدّعي أنني أملك الحقيقة بل إن مجرد اجتهاد مني.
قصة أصحاب الكهف من القصص التي تواتر ذكرها في مصادر مختلفة حيث ذكرها د. بارتلومجي في بحثه العام 2010 بعنوان (أسطورة نائموا إفسيس – النائمون السبعة – في المصادر العربية والسريانية) حيث أفاد بأن عدد المصادر التي ذكرت قصة أصحاب الكهف بلغ أكثر من 200 مصدر بينها مصادر باللغة اللاتينية بلغ عددها 104 (وكان بينها نصوص كتبها يعقوب السروجي وهو مصدر مهم جداً اعتمد عليه المؤرخون ممن جاؤوا بعده، وقد كان يعقوب السروجي (451 – 521 م) قديساً للكنائس السريانية كما كان شاعراً وأديباً أيضاً، وكذلك 40 مصدراً يونانياً و33 مصدراً عربياً بينها مصادر مسيحية ومصادر قبطية وآرامية وسريانية وغيرها، مما يعطي انطباعاً بأن قصة أصحاب الكهف منتشرة ومشهورة، وبالرغم من كثرة هذه المصادر، إلا أنه ورد بعض الإختلاف فيها من بينها أسماء هؤلاء الفتية وعددهم والسنوات التي ناموا فيها والفترة التي عاشوها.
قصة أصحاب الكهف من النصوص السريانية
نتطرق هنا بشكل مختصر للنصوص السريانية التي ذكرت هذه القصة، وبالإمكان مراجعة نصوص زكريا الفصيح ويوحنا الأفسسي وهما كاتبا القصة نثراً وهما من المؤرخين وقريبي العهد من الحادثة، وأما النص الشعري فقد كتبه مار يعقوب السروجي (وهذا الذي أعتمد على سرده كثير من المؤرخين من بعده).
عندما حكم الإمبراطور الروماني دقيوس الأثيم (دقيانوس العام 249 -250) المملكة الرومانية، زار مدينة أفسس وأصدر أمره إلى نبلائها بنحر الذبائح للأصنام، وأمر بقتل المسيحيين الذين لم يخضعوا لأمره، فقُتل عدد كبير من الناس حتى وصل إلى شبان من أبناء طبقة النبلاء كانوا على الديانة المسيحية، فأمهلهم دقيوس أياماً على أن ينكروا ديانتهم المسيحية ويقدموا القرابين للأوثان ويخضعون لأمره، وانطلق دقيانوس هذا إلى مدن أخرى مجاورة لمدينة أفسيس (تقع في تركيا اليوم) على أن يعود إلى مدينة أفسيس بعد أيام. فلجأ هؤلاء الفتية إلى كهف يختبئون فيه وكانوا يتعبدون الرب ويسألونه الرحمة وحماتهم من بطش دقيانوس، فأغشاهم النوم، ومرت الأيام والسنين وهم في الكهف، حتى استقيظوا في زمن الملك ثيودوسيوس الثاني (أو ثيودوسيوس الصغير) أي بعد سنين عديدة من موت دقيانوس، وقد تغير كل شيء، فالإمبراطور الجديد كان على الديانة المسيحية، وقد أنتشرت الديانة المسيحية في الإمبراطورية بعدما كانت محظورة في عهد دقيانوس ومن تبعه، فكانت قصتهم هذه من أعاجب القصص، حتى أن بعض المصادر ذكرت أن الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني لما سمع بقصة هؤلاء الفتية أمر بلقائهم شخصياً.
سبب عداء الإمبراطور دقيانوس للمسيحية
لماذا كان دقيانوس محارباً للديانة المسيحية وكذلك من جاء بعده؟... كانت الحضارة الرومانية في ذلك الوقت تمر بسنوات الضياع، وهي عقود من الزمن أطلق عليها المؤرخون سنوات الضياع والشتات وقيل إنها 300 سنة والسبب في ذلك أن الإمبراطورية لم تشهد الاستقرار في تلك الفترة، فقد وقعت انقلابات عسكرية واندثار في الحروب خاصة أمام الجيش الساساني في وقتها، ولعلنا نذكر الحادثة التاريخية بين شابور الأول الساساني كسرى فارس والإمبراطور الروماني فيليبويس أو فيليب العربي (أصله من مدينة شهبا في سوريا اليوم لذلك يطلقوا عليه فيليب العربي وقد حكم الإمبراطورية الرومانية ما بين 244 – 249م) وقد كان فيليب العربي متساهلاً مع أتباع الديانة المسيحية، وسمح لهم بنوع من الحرية بممارسة شعائر دينهم، وكان على خلاف كبير مع القائد العسكري وقتها دقيانوس مما زاد من هذا الخلاف وأدى إلى الإنقلاب العسكري، هو خسارة الرومان أمام الجيش الساساني، مما اضطر فيليبوس العربي أن يدفع مبالغ ضخمة سنوياً كجزية للملك الساساني شابور الأول (بالمناسبة شابور الأول أيضاً استطاع أن يأسر الإمبراطور فالرينس في سنوات لاحقة حتى مات الآخير في السجون الساسانية).
ونعود لفيليب العربي الذي اضطر أن يدفع الجزية سنوياً مما جعل الاقتصاد والخزينة الرومانية تنكمش حتى قام بإصدار عملة فضة ممزوجة بمعادن أخرى كالنحاس بعدما كانت العملة الرومانية معروفة بنقاوة الفضة فيها، وذلك ليخفف من عبء استخدام معدن الفضة، فكان هذا أحد أهم أسباب الإنقلاب، بجانب إعداده لابنه ليكون الحاكم والوريث من بعده، وهذا أمر مخالف للاعراف وقتها.
لما تقلد دقيانوس الحكم أراد أن تعود للإمبراطورية الرومانية هيبتها وقوتها، فظن أن من أهم أسباب الهزيمة هو ابتعاد الناس عن عبادة الأوثان الرومانية، ومن هنا جاء قراره الصارم بقتل أتباع المسيحية أو إجبارهم على عبادة الأوثان حتى ترضى الآلهة على الحضارة الرومانية وتعود هيبتها، (وهذا الطرح موجود إلى يومنا هذا، سواء كان طرحاً شعوبياً أو دينياً بشكل عام، وإن كانت مشاكل الأمم وتأخرها تعتريها أسباب أعمق من ذلك مثل شح المصادر، الفساد، قلة الكفاءات، عدم العدل، وغيرها، وهذه هي نفسها الأسباب التي أدت إلى انهيار الحضارة الرومانية الغربية مع إبقاء الحضارة الرومانية الشرقية (لاحقاً الحضارة البيزنطية).
الشيء بالشيء يذكر، فإن سبب بقاء الحضارة الشرقية هي أن الإمبراطور دقلديانوس (حكم من العام 284 - 305م) قام بمحاربة الفساد وتوحيد أسعار السلع، وكذلك الرواتب وأرسى القوانين، فكانت قبضته هذه هي التي أدت إلى استمرار الحضارة الشرقية بعد انهيار الحضارة الرومانية الغربية، وهذا القانون يعرف تاريخياً بقوانين دقلديانوس للأسعار.
هناك من يستغرب أن الإمبراطور دقيانوس يقوم بنفسه بالتجول في الأسواق وزيارة المدن فليراجع النص للمؤرخ الصيني الذي كتب مختصر تاريخ وي - للكاتب يو هوان - الكتاب مترجم بالإنجليزية وهو من القرن 3م يذكر من ضمن مشاهداته أن الإمبراطور الروماني يتمشى مع حراسه ومعاونوه في الأسواق وهو يلبس الحرير البنفسجي ويخالط الناس ويستمع لهم في أيام معلومة من أيام الأسبوع.
السرد الإسلامي لرواة الكهف
مما يروى عن ابن عباس وإن كان الإسناد فيه اختلاف إلا أن مفاد الرواية أن قريش بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، فطلبوا من الأحبار أن يمدوهم بأسئلة يختبروا فيها نبوة محمد صلى الله عليه وآله، فسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثلاث أشياء:
عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم (يقصدون أصحاب الكهف)، وبالمناسبة لم يرد ذكر أهل الكهف في التوراة أو الأنجيل، وإن كان النوم العميق لسنوات تم ذكره في بعض الأسفار المحذوفة من التوراة والتي عليها اختلاف، فمثلاً هذه الأسفار تقبلها بعض مدارس الكنيسة الكاثوليكية والأرثودوكسية، بنما هي مرفوضة من الكنسية البروستانتية ولا تعتبر من الكتاب المقدس مثل سفر المقابيين 3 و4 وسفر يهوديت والحكمة وغيرها... والشاهد هنا أن النوم العميق تم ذكره في بعض هذه الأسفار المحذوفة، ففكرة النوم العميق موجودة بالأساس، وكذلك هي موجودة ومعروفة في التراث المسيحي وغيرها (هذا لمن سأل كيف عرف اليهود بأمر هؤلاء الفتية).
سألوا عن الملك الطواف الذي طاف مشارق الأرض ومغاربها (ذي القرنين)، أما هذا فقد تم ذكره في سفر دانيال وغيرها من نصوص التوراة إشارة وتصريحاً ايضاً.
والسؤال الثالث عن الروح ما هي؟ وهذه لم يتم التطرق لها بشرح مفصل في الكتب.
الخلاصة إذا كانت إجابة الأسئلة تقع أما في بطون التراث والنصوص العبرية، وإما في التوراة، وإما لا إجابة لها أصلاً، لذلك أجابهم النبي (ص) عن الروح بأن قال: “ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً” (الإسراء: 85)، أي أنتم تسألوني عن شيء أنتم أنفسكم لا تعرفون إجابته، وأما جواب السؤال عن الفتية وذي القرنين، فقد تم ذكره في سورة الكهف التي هي موضع مقالتنا هذه.
وهنا تمكن المعجزة، إذ إن هذا النبي الأمي أجاب عن الأسئلة الثلاثة وهو لا يقرأ، وكذلك ذكر لهم اختلافهم في النصوص عن عدد هؤلاء الفتية حيث ذكر في سورة الكهف: “سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا” (سورة الكهف: 22).
وهذا الاختلاف في العدد إنما هو ما جاء من اختلاف في نصوص التراث المسيحي، لا كما يصوره البعض من أن هذا الاختلاف في العدد إنما من النبي صلى الله عليه وآله، والحاصل هنا أن النبي ذكر لهم القصة وذكر لهم اختلافهم حتى في عدد الفتية، وهذا الأمر مذكور حتى في كتاب مختصر الأخبار البيعية للكاتب الأب بطرس حداد الذي ذكر تحت الفصل العاشر (السبعة المسمون اهل الكهف) في الهامش ذكر اختلاف عددهم. ولو أن الأشهر أن عددهم سبعة، رُوي عن ابن عباس أنه قال: هم (مكسلمينا) و(يمليخا) و(مرطونس) و(بينونس) و(سارينونس) و(ذو نوانس) و(كشفيططنونس).
عدد السنوات التي نامها أصحاب الكهف
يقول الله تعالى: “وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَٰثَ مِاْئَةٍۢ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا (25) قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًا (26)” (الكهف: 25 - 26)، وقد ذكر الطبري مسلكين في عدد سنوات النوم، حيث قال إن البعض يرى أنهم ناموا 309 سنوات كما الآية، ولكن البعض ذكر (أن لا نعلم كم لبثوا) بدليل الآية التي بعدها رقم 26 فيها نص صريح (قل الله أعلم بما لبثوا) وهذا دليلهم على كلامهم.
وفقاً للتراث المسيحي في القصة، فإن الفتية استيقظوا في عهد ثيودوسيس الثاني (أي بعد 195عاماً تقريباً) ومسألة 309 سنوات إنما اشتهرت من مار يعقوب السروجي وبعض المصادر اليونانية في وقتها، وهذا أيضاً فيه بيان أن النبي صلى الله عليه وآله أشار إلى الاختلاف في عدد السنين مع التنبيه لمسألة أن النصوص التي كتبها يعقوب السروجي هي بالسيريانية، فاستحالة أن يكون اطلع عليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع التشديد على أنه نبي أمي لا يقرأ وهنا يكمن الإعجاز. ولو فرضنا أن عدد السنين كان فعلاً 309 فهذا لن يستقيم لأن دقيانوس توفى العام 250م وقيل 251م، ولو أضفنا عليها 309 سنين سنكون في العام 599م أي في فترة قريبة جداً من فترة النبي صلى الله عليه وسلم وهي الفترة ما بين الإمبراطور البيزنطي تايبيرويس والإمبراطور فوكاس، واستحالة تصدق هذا الأمر لأن من عهد جاستينان الأول الذي توفى 565م اشتغل المؤرخون بتأريخ كل أمور الدولة والحكم لدرجة أن جاستينان هذا قد وظف أحد المؤرخين في بلاطه وهو بروكوبيوس لوضع كتاب لايزال يباع إلى يومنا هذا ولم يذكر شيئاً من قصة الفتية أصحاب الكهف، ولا المؤرخون من بعده بخلاف المؤرخين السابقين الذين كانوا أقرب لهذه الفترة.
ما العملة المتداولة في عهد الفتية أصحاب الكهف؟
قال تعالى في سورة الكهف عن الفتية إنهم قالوا: “فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ...” (سورة الكهف: 19).
الورق كما ذكر المفسرون هو الفضة، وهي العملة الرومانية الدراخاما للإمبراطور دقيانوس، فقد كانت هذه العملة عليها صورة الإمبراطور من جهة، ولما حكم ثيدوسيوس تم وضع صورة ثيودوسيس الثاني بدل دقيانوس، وإلى اليوم نجد أن بعض الكنائس الأورثدكسية والكاثوليكية تخصص يوماً من أيام السنة لإحياء ذكرى أصحاب الكهف، وهناك دعاء من الأدعية أيضاً باسمهم.
إن من أهم أمور حكاية أصحاب الكهف، أن نتذكر أن نطلب الرحمة من الله سبحانه وتعالى، ونختم مقالنا بما دعى به أصحاب الكهف كما جاء في سورة الكهف “رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا” (الكهف: 10)، هذا والله أعلى وأعلم.