كنائس تخصص يومًا سنويًّا لإحياء ذكرى أصحاب الكهف

العرادي يروي قصة أصحاب الكهف وعملة “دراخاما” الإمبراطور دقيانوس

| بقلم: محمد عبدالحكيم العرادي

فيليب‭ ‬العربي‭ ‬أصدر‭ ‬عملة‭ ‬ممزوجة‭ ‬بمعادن‭ ‬ليخفف‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬استخدام‭ ‬معدن‭ ‬الفضة الفتية‭ ‬استيقظوا‭  ‬بعد‭ ‬195‭ ‬عامًا‭ ‬تقريبًا‭... ‬ومسألة‭ ‬309‭ ‬سنوات‭ ‬اشتهرت‭ ‬من‭ ‬مار‭ ‬يعقوب‭ ‬السروجي‭ ‬ومصادر‭ ‬يونانية

 

هذا‭ ‬المقال‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬بحث‭ ‬أعددته‭ ‬عن‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف‭ (‬نظرة‭ ‬وسرد‭ ‬تاريخي‭)‬،‭ ‬ونذكر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬تضمن‭ ‬بعض‭ ‬الوقائع‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬العبرة‭ ‬والفائدة‭ ‬مثل‭ ‬الحرب‭ ‬البيزنطية‭ ‬الساسانية‭ (‬في‭ ‬سورة‭ ‬الروم‭) ‬وكذلك‭ ‬قصص‭ ‬أقوام‭ ‬وأمم‭ ‬عاشت‭ ‬قبلنا‭ ‬مثل‭ ‬قوم‭ ‬تبّع‭ (‬لقب‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬ملوك‭ ‬اليمن‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام‭) ‬وغيرها،‭ ‬وأيضاً‭ ‬قصة‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬بالأساس‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬المسيحي‭ ‬وليست‭ ‬قصة‭ ‬إسلامية‭ ‬إنما‭ ‬ورد‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬لسبب‭ ‬سنتطرق‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬التاريخي،‭ ‬وأود‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السرد‭ ‬التاريخي‭ ‬مهم،‭ ‬لأنه‭ ‬يعطي‭ ‬صورة‭ ‬أشمل‭ ‬للقارئ،‭ ‬ويبقى‭ ‬التاريخ‭ ‬رهن‭ ‬الاكتشافات‭ ‬الأنثروبوليجية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدراسات،‭ ‬ولا‭ ‬أدّعي‭ ‬أنني‭ ‬أملك‭ ‬الحقيقة‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬مجرد‭ ‬اجتهاد‭ ‬مني‭.‬

قصة‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تواتر‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬مختلفة‭ ‬حيث‭ ‬ذكرها‭ ‬د‭. ‬بارتلومجي‭ ‬في‭ ‬بحثه‭ ‬العام‭ ‬2010‭ ‬بعنوان‭ (‬أسطورة‭ ‬نائموا‭ ‬إفسيس‭ ‬–‭ ‬النائمون‭ ‬السبعة‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬المصادر‭ ‬العربية‭ ‬والسريانية‭) ‬حيث‭ ‬أفاد‭ ‬بأن‭ ‬عدد‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬ذكرت‭ ‬قصة‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف‭ ‬بلغ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬مصدر‭ ‬بينها‭ ‬مصادر‭ ‬باللغة‭ ‬اللاتينية‭ ‬بلغ‭ ‬عددها‭ ‬104‭ (‬وكان‭ ‬بينها‭ ‬نصوص‭ ‬كتبها‭ ‬يعقوب‭ ‬السروجي‭ ‬وهو‭ ‬مصدر‭ ‬مهم‭ ‬جداً‭ ‬اعتمد‭ ‬عليه‭ ‬المؤرخون‭ ‬ممن‭ ‬جاؤوا‭ ‬بعده،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬يعقوب‭ ‬السروجي‭ (‬451‭ ‬–‭ ‬521‭ ‬م‭) ‬قديساً‭ ‬للكنائس‭ ‬السريانية‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬شاعراً‭ ‬وأديباً‭ ‬أيضاً،‭ ‬وكذلك‭ ‬40‭ ‬مصدراً‭ ‬يونانياً‭ ‬و33‭ ‬مصدراً‭ ‬عربياً‭ ‬بينها‭ ‬مصادر‭ ‬مسيحية‭ ‬ومصادر‭ ‬قبطية‭ ‬وآرامية‭ ‬وسريانية‭ ‬وغيرها،‭ ‬مما‭ ‬يعطي‭ ‬انطباعاً‭ ‬بأن‭ ‬قصة‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف‭ ‬منتشرة‭ ‬ومشهورة،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬هذه‭ ‬المصادر،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬ورد‭ ‬بعض‭ ‬الإختلاف‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أسماء‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفتية‭ ‬وعددهم‭ ‬والسنوات‭ ‬التي‭ ‬ناموا‭ ‬فيها‭ ‬والفترة‭ ‬التي‭ ‬عاشوها‭. ‬

قصة‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬السريانية

نتطرق‭ ‬هنا‭ ‬بشكل‭ ‬مختصر‭ ‬للنصوص‭ ‬السريانية‭ ‬التي‭ ‬ذكرت‭ ‬هذه‭ ‬القصة،‭ ‬وبالإمكان‭ ‬مراجعة‭ ‬نصوص‭ ‬زكريا‭ ‬الفصيح‭ ‬ويوحنا‭ ‬الأفسسي‭ ‬وهما‭ ‬كاتبا‭ ‬القصة‭ ‬نثراً‭ ‬وهما‭ ‬من‭ ‬المؤرخين‭ ‬وقريبي‭ ‬العهد‭ ‬من‭ ‬الحادثة،‭ ‬وأما‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬فقد‭ ‬كتبه‭ ‬مار‭ ‬يعقوب‭ ‬السروجي‭ (‬وهذا‭ ‬الذي‭ ‬أعتمد‭ ‬على‭ ‬سرده‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المؤرخين‭ ‬من‭ ‬بعده‭). ‬

عندما‭ ‬حكم‭ ‬الإمبراطور‭ ‬الروماني‭ ‬دقيوس‭ ‬الأثيم‭ (‬دقيانوس‭ ‬العام‭ ‬249‭ -‬250‭) ‬المملكة‭ ‬الرومانية،‭ ‬زار‭ ‬مدينة‭ ‬أفسس‭ ‬وأصدر‭ ‬أمره‭ ‬إلى‭ ‬نبلائها‭ ‬بنحر‭ ‬الذبائح‭ ‬للأصنام،‭ ‬وأمر‭ ‬بقتل‭ ‬المسيحيين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يخضعوا‭ ‬لأمره،‭ ‬فقُتل‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬شبان‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬طبقة‭ ‬النبلاء‭ ‬كانوا‭ ‬على‭ ‬الديانة‭ ‬المسيحية،‭ ‬فأمهلهم‭ ‬دقيوس‭ ‬أياماً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ينكروا‭ ‬ديانتهم‭ ‬المسيحية‭ ‬ويقدموا‭ ‬القرابين‭ ‬للأوثان‭ ‬ويخضعون‭ ‬لأمره،‭ ‬وانطلق‭ ‬دقيانوس‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭ ‬مجاورة‭ ‬لمدينة‭ ‬أفسيس‭ (‬تقع‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬اليوم‭) ‬على‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬أفسيس‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭. ‬فلجأ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفتية‭ ‬إلى‭ ‬كهف‭ ‬يختبئون‭ ‬فيه‭ ‬وكانوا‭ ‬يتعبدون‭ ‬الرب‭ ‬ويسألونه‭ ‬الرحمة‭ ‬وحماتهم‭ ‬من‭ ‬بطش‭ ‬دقيانوس،‭ ‬فأغشاهم‭ ‬النوم،‭ ‬ومرت‭ ‬الأيام‭ ‬والسنين‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬الكهف،‭ ‬حتى‭ ‬استقيظوا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الملك‭ ‬ثيودوسيوس‭ ‬الثاني‭ (‬أو‭ ‬ثيودوسيوس‭ ‬الصغير‭) ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬سنين‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬موت‭ ‬دقيانوس،‭ ‬وقد‭ ‬تغير‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬فالإمبراطور‭ ‬الجديد‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الديانة‭ ‬المسيحية،‭ ‬وقد‭ ‬أنتشرت‭ ‬الديانة‭ ‬المسيحية‭ ‬في‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬محظورة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬دقيانوس‭ ‬ومن‭ ‬تبعه،‭ ‬فكانت‭ ‬قصتهم‭ ‬هذه‭ ‬من‭ ‬أعاجب‭ ‬القصص،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬ذكرت‭ ‬أن‭ ‬الإمبراطور‭ ‬ثيودوسيوس‭ ‬الثاني‭ ‬لما‭ ‬سمع‭ ‬بقصة‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفتية‭ ‬أمر‭ ‬بلقائهم‭ ‬شخصياً‭. ‬

سبب‭ ‬عداء‭ ‬الإمبراطور‭ ‬دقيانوس‭ ‬للمسيحية

‭ ‬لماذا‭ ‬كان‭ ‬دقيانوس‭ ‬محارباً‭ ‬للديانة‭ ‬المسيحية‭ ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬جاء‭ ‬بعده؟‭... ‬كانت‭ ‬الحضارة‭ ‬الرومانية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬تمر‭ ‬بسنوات‭ ‬الضياع،‭ ‬وهي‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬المؤرخون‭ ‬سنوات‭ ‬الضياع‭ ‬والشتات‭ ‬وقيل‭ ‬إنها‭ ‬300‭ ‬سنة‭ ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬فقد‭ ‬وقعت‭ ‬انقلابات‭ ‬عسكرية‭ ‬واندثار‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬خاصة‭ ‬أمام‭ ‬الجيش‭ ‬الساساني‭ ‬في‭ ‬وقتها،‭ ‬ولعلنا‭ ‬نذكر‭ ‬الحادثة‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬شابور‭ ‬الأول‭ ‬الساساني‭ ‬كسرى‭ ‬فارس‭ ‬والإمبراطور‭ ‬الروماني‭ ‬فيليبويس‭ ‬أو‭ ‬فيليب‭ ‬العربي‭ (‬أصله‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬شهبا‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬اليوم‭ ‬لذلك‭ ‬يطلقوا‭ ‬عليه‭ ‬فيليب‭ ‬العربي‭ ‬وقد‭ ‬حكم‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الرومانية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬244‭ ‬–‭ ‬249م‭) ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬فيليب‭ ‬العربي‭ ‬متساهلاً‭ ‬مع‭ ‬أتباع‭ ‬الديانة‭ ‬المسيحية،‭ ‬وسمح‭ ‬لهم‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬بممارسة‭ ‬شعائر‭ ‬دينهم،‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬كبير‭ ‬مع‭ ‬القائد‭ ‬العسكري‭ ‬وقتها‭ ‬دقيانوس‭ ‬مما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الخلاف‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬الإنقلاب‭ ‬العسكري،‭ ‬هو‭ ‬خسارة‭ ‬الرومان‭ ‬أمام‭ ‬الجيش‭ ‬الساساني،‭ ‬مما‭ ‬اضطر‭ ‬فيليبوس‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬مبالغ‭ ‬ضخمة‭ ‬سنوياً‭ ‬كجزية‭ ‬للملك‭ ‬الساساني‭ ‬شابور‭ ‬الأول‭ (‬بالمناسبة‭ ‬شابور‭ ‬الأول‭ ‬أيضاً‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يأسر‭ ‬الإمبراطور‭ ‬فالرينس‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬لاحقة‭ ‬حتى‭ ‬مات‭ ‬الآخير‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬الساسانية‭).‬

ونعود‭ ‬لفيليب‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬اضطر‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬الجزية‭ ‬سنوياً‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والخزينة‭ ‬الرومانية‭ ‬تنكمش‭ ‬حتى‭ ‬قام‭ ‬بإصدار‭ ‬عملة‭ ‬فضة‭ ‬ممزوجة‭ ‬بمعادن‭ ‬أخرى‭ ‬كالنحاس‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬العملة‭ ‬الرومانية‭ ‬معروفة‭ ‬بنقاوة‭ ‬الفضة‭ ‬فيها،‭ ‬وذلك‭ ‬ليخفف‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬استخدام‭ ‬معدن‭ ‬الفضة،‭ ‬فكان‭ ‬هذا‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬الإنقلاب،‭ ‬بجانب‭ ‬إعداده‭ ‬لابنه‭ ‬ليكون‭ ‬الحاكم‭ ‬والوريث‭ ‬من‭ ‬بعده،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬مخالف‭ ‬للاعراف‭ ‬وقتها‭. ‬

لما‭ ‬تقلد‭ ‬دقيانوس‭ ‬الحكم‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬للإمبراطورية‭ ‬الرومانية‭ ‬هيبتها‭ ‬وقوتها،‭ ‬فظن‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬الهزيمة‭ ‬هو‭ ‬ابتعاد‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬عبادة‭ ‬الأوثان‭ ‬الرومانية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬قراره‭ ‬الصارم‭ ‬بقتل‭ ‬أتباع‭ ‬المسيحية‭ ‬أو‭ ‬إجبارهم‭ ‬على‭ ‬عبادة‭ ‬الأوثان‭ ‬حتى‭ ‬ترضى‭ ‬الآلهة‭ ‬على‭ ‬الحضارة‭ ‬الرومانية‭ ‬وتعود‭ ‬هيبتها،‭ (‬وهذا‭ ‬الطرح‭ ‬موجود‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬طرحاً‭ ‬شعوبياً‭ ‬أو‭ ‬دينياً‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مشاكل‭ ‬الأمم‭ ‬وتأخرها‭ ‬تعتريها‭ ‬أسباب‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬مثل‭ ‬شح‭ ‬المصادر،‭ ‬الفساد،‭ ‬قلة‭ ‬الكفاءات،‭ ‬عدم‭ ‬العدل،‭ ‬وغيرها،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬الحضارة‭ ‬الرومانية‭ ‬الغربية‭ ‬مع‭ ‬إبقاء‭ ‬الحضارة‭ ‬الرومانية‭ ‬الشرقية‭ (‬لاحقاً‭ ‬الحضارة‭ ‬البيزنطية‭).‬

الشيء‭ ‬بالشيء‭ ‬يذكر،‭ ‬فإن‭ ‬سبب‭ ‬بقاء‭ ‬الحضارة‭ ‬الشرقية‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الإمبراطور‭ ‬دقلديانوس‭ (‬حكم‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬284‭ - ‬305م‭) ‬قام‭ ‬بمحاربة‭ ‬الفساد‭ ‬وتوحيد‭ ‬أسعار‭ ‬السلع،‭ ‬وكذلك‭ ‬الرواتب‭ ‬وأرسى‭ ‬القوانين،‭ ‬فكانت‭ ‬قبضته‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬الحضارة‭ ‬الشرقية‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الحضارة‭ ‬الرومانية‭ ‬الغربية،‭ ‬وهذا‭ ‬القانون‭ ‬يعرف‭ ‬تاريخياً‭ ‬بقوانين‭ ‬دقلديانوس‭ ‬للأسعار‭.‬

هناك‭ ‬من‭ ‬يستغرب‭ ‬أن‭ ‬الإمبراطور‭ ‬دقيانوس‭ ‬يقوم‭ ‬بنفسه‭ ‬بالتجول‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬وزيارة‭ ‬المدن‭ ‬فليراجع‭ ‬النص‭ ‬للمؤرخ‭ ‬الصيني‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬مختصر‭ ‬تاريخ‭ ‬وي‭ - ‬للكاتب‭ ‬يو‭ ‬هوان‭ - ‬الكتاب‭ ‬مترجم‭ ‬بالإنجليزية‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬3م‭ ‬يذكر‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬مشاهداته‭ ‬أن‭ ‬الإمبراطور‭ ‬الروماني‭ ‬يتمشى‭ ‬مع‭ ‬حراسه‭ ‬ومعاونوه‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬وهو‭ ‬يلبس‭ ‬الحرير‭ ‬البنفسجي‭ ‬ويخالط‭ ‬الناس‭ ‬ويستمع‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬معلومة‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬الأسبوع‭. ‬

السرد‭ ‬الإسلامي‭ ‬لرواة‭ ‬الكهف

مما‭ ‬يروى‭ ‬عن‭ ‬ابن‭ ‬عباس‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الإسناد‭ ‬فيه‭ ‬اختلاف‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مفاد‭ ‬الرواية‭ ‬أن‭ ‬قريش‭ ‬بعثت‭ ‬النضر‭ ‬بن‭ ‬الحارث‭ ‬وعقبة‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬معيط‭ ‬إلى‭ ‬أحبار‭ ‬اليهود‭ ‬بالمدينة،‭ ‬فطلبوا‭ ‬من‭ ‬الأحبار‭ ‬أن‭ ‬يمدوهم‭ ‬بأسئلة‭ ‬يختبروا‭ ‬فيها‭ ‬نبوة‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله،‭ ‬فسألوا‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭ ‬وسلم‭ ‬عن‭ ‬ثلاث‭ ‬أشياء‭:‬

عن‭ ‬فتية‭ ‬ذهبوا‭ ‬في‭ ‬الدهر‭ ‬الأول‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أمرهم‭ (‬يقصدون‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف‭)‬،‭ ‬وبالمناسبة‭ ‬لم‭ ‬يرد‭ ‬ذكر‭ ‬أهل‭ ‬الكهف‭ ‬في‭ ‬التوراة‭ ‬أو‭ ‬الأنجيل،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬النوم‭ ‬العميق‭ ‬لسنوات‭ ‬تم‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأسفار‭ ‬المحذوفة‭ ‬من‭ ‬التوراة‭ ‬والتي‭ ‬عليها‭ ‬اختلاف،‭ ‬فمثلاً‭ ‬هذه‭ ‬الأسفار‭ ‬تقبلها‭ ‬بعض‭ ‬مدارس‭ ‬الكنيسة‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬والأرثودوكسية،‭ ‬بنما‭ ‬هي‭ ‬مرفوضة‭ ‬من‭ ‬الكنسية‭ ‬البروستانتية‭ ‬ولا‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدس‭ ‬مثل‭ ‬سفر‭ ‬المقابيين‭ ‬3‭ ‬و4‭ ‬وسفر‭ ‬يهوديت‭ ‬والحكمة‭ ‬وغيرها‭... ‬والشاهد‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬النوم‭ ‬العميق‭ ‬تم‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأسفار‭ ‬المحذوفة،‭ ‬ففكرة‭ ‬النوم‭ ‬العميق‭ ‬موجودة‭ ‬بالأساس،‭ ‬وكذلك‭ ‬هي‭ ‬موجودة‭ ‬ومعروفة‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬المسيحي‭ ‬وغيرها‭ (‬هذا‭ ‬لمن‭ ‬سأل‭ ‬كيف‭ ‬عرف‭ ‬اليهود‭ ‬بأمر‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفتية‭).‬

سألوا‭ ‬عن‭ ‬الملك‭ ‬الطواف‭ ‬الذي‭ ‬طاف‭ ‬مشارق‭ ‬الأرض‭ ‬ومغاربها‭ (‬ذي‭ ‬القرنين‭)‬،‭ ‬أما‭ ‬هذا‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬سفر‭ ‬دانيال‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬التوراة‭ ‬إشارة‭ ‬وتصريحاً‭ ‬ايضاً‭. ‬

والسؤال‭ ‬الثالث‭ ‬عن‭ ‬الروح‭ ‬ما‭ ‬هي؟‭ ‬وهذه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬التطرق‭ ‬لها‭ ‬بشرح‭ ‬مفصل‭ ‬في‭ ‬الكتب‭.‬

الخلاصة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬إجابة‭ ‬الأسئلة‭ ‬تقع‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬بطون‭ ‬التراث‭ ‬والنصوص‭ ‬العبرية،‭ ‬وإما‭ ‬في‭ ‬التوراة،‭ ‬وإما‭ ‬لا‭ ‬إجابة‭ ‬لها‭ ‬أصلاً،‭ ‬لذلك‭ ‬أجابهم‭ ‬النبي‭ (‬ص‭) ‬عن‭ ‬الروح‭ ‬بأن‭ ‬قال‭: ‬“ويسألونك‭ ‬عن‭ ‬الروح،‭ ‬قل‭ ‬الروح‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬ربي،‭ ‬وما‭ ‬أوتيتم‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬إلا‭ ‬قليلاً”‭ (‬الإسراء‭: ‬85‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬أنتم‭ ‬تسألوني‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬أنتم‭ ‬أنفسكم‭ ‬لا‭ ‬تعرفون‭ ‬إجابته،‭ ‬وأما‭ ‬جواب‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الفتية‭ ‬وذي‭ ‬القرنين،‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬موضع‭ ‬مقالتنا‭ ‬هذه‭.‬

وهنا‭ ‬تمكن‭ ‬المعجزة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬النبي‭ ‬الأمي‭ ‬أجاب‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة‭ ‬الثلاثة‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يقرأ،‭ ‬وكذلك‭ ‬ذكر‭ ‬لهم‭ ‬اختلافهم‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفتية‭ ‬حيث‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭: ‬“سَيَقُولُونَ‭ ‬ثَلَاثَةٌ‭ ‬رَّابِعُهُمْ‭ ‬كَلْبُهُمْ،‭ ‬وَيَقُولُونَ‭ ‬خَمْسَةٌ‭ ‬سَادِسُهُمْ‭ ‬كَلْبُهُمْ‭ ‬رَجْمًا‭ ‬بِالْغَيْبِ،‭ ‬وَيَقُولُونَ‭ ‬سَبْعَةٌ‭ ‬وَثَامِنُهُمْ‭ ‬كَلْبُهُمْ،‭ ‬قُل‭ ‬رَّبِّي‭ ‬أَعْلَمُ‭ ‬بِعِدَّتِهِم‭ ‬مَّا‭ ‬يَعْلَمُهُمْ‭ ‬إِلَّا‭ ‬قَلِيلٌ،‭ ‬فَلَا‭ ‬تُمَارِ‭ ‬فِيهِمْ‭ ‬إِلَّا‭ ‬مِرَاءً‭ ‬ظَاهِرًا‭ ‬وَلَا‭ ‬تَسْتَفْتِ‭ ‬فِيهِم‭ ‬مِّنْهُمْ‭ ‬أَحَدًا”‭ (‬سورة‭ ‬الكهف‭: ‬22‭).‬

وهذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬التراث‭ ‬المسيحي،‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬يصوره‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬إنما‭ ‬من‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله،‭ ‬والحاصل‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬النبي‭ ‬ذكر‭ ‬لهم‭ ‬القصة‭ ‬وذكر‭ ‬لهم‭ ‬اختلافهم‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الفتية،‭ ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬مذكور‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬مختصر‭ ‬الأخبار‭ ‬البيعية‭ ‬للكاتب‭ ‬الأب‭ ‬بطرس‭ ‬حداد‭ ‬الذي‭ ‬ذكر‭ ‬تحت‭ ‬الفصل‭ ‬العاشر‭ (‬السبعة‭ ‬المسمون‭ ‬اهل‭ ‬الكهف‭) ‬في‭ ‬الهامش‭ ‬ذكر‭ ‬اختلاف‭ ‬عددهم‭. ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬الأشهر‭ ‬أن‭ ‬عددهم‭ ‬سبعة،‭ ‬رُوي‭ ‬عن‭ ‬ابن‭ ‬عباس‭ ‬أنه‭ ‬قال‭: ‬هم‭ (‬مكسلمينا‭) ‬و‭(‬يمليخا‭) ‬و‭(‬مرطونس‭) ‬و‭(‬بينونس‭) ‬و‭(‬سارينونس‭) ‬و‭(‬ذو‭ ‬نوانس‭) ‬و‭(‬كشفيططنونس‭). ‬

عدد‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬نامها‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف

يقول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭: ‬“وَلَبِثُواْ‭ ‬فِى‭ ‬كَهْفِهِمْ‭ ‬ثَلَٰثَ‭ ‬مِاْئَةٍۢ‭ ‬سِنِينَ‭ ‬وَٱزْدَادُواْ‭ ‬تِسْعًا‭ (‬25‭) ‬قُلِ‭ ‬ٱللَّهُ‭ ‬أَعْلَمُ‭ ‬بِمَا‭ ‬لَبِثُواْ‭ ‬ۖ‭ ‬لَهُۥ‭ ‬غَيْبُ‭ ‬ٱلسَّمَٰوَٰتِ‭ ‬وَٱلْأَرْضِ‭ ‬ۖ‭ ‬أَبْصِرْ‭ ‬بِهِۦ‭ ‬وَأَسْمِعْ‭ ‬ۚ‭ ‬مَا‭ ‬لَهُم‭ ‬مِّن‭ ‬دُونِهِۦ‭ ‬مِن‭ ‬وَلِىٍّۢ‭ ‬وَلَا‭ ‬يُشْرِكُ‭ ‬فِى‭ ‬حُكْمِهِۦٓ‭ ‬أَحَدًا‭ (‬26‭)‬”‭ (‬الكهف‭: ‬25‭ - ‬26‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬ذكر‭ ‬الطبري‭ ‬مسلكين‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬سنوات‭ ‬النوم،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬البعض‭ ‬يرى‭ ‬أنهم‭ ‬ناموا‭ ‬309‭ ‬سنوات‭ ‬كما‭ ‬الآية،‭ ‬ولكن‭ ‬البعض‭ ‬ذكر‭ (‬أن‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬كم‭ ‬لبثوا‭) ‬بدليل‭ ‬الآية‭ ‬التي‭ ‬بعدها‭ ‬رقم‭ ‬26‭ ‬فيها‭ ‬نص‭ ‬صريح‭ (‬قل‭ ‬الله‭ ‬أعلم‭ ‬بما‭ ‬لبثوا‭) ‬وهذا‭ ‬دليلهم‭ ‬على‭ ‬كلامهم‭.‬

وفقاً‭ ‬للتراث‭ ‬المسيحي‭ ‬في‭ ‬القصة،‭ ‬فإن‭ ‬الفتية‭ ‬استيقظوا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ثيودوسيس‭ ‬الثاني‭ (‬أي‭ ‬بعد‭ ‬195عاماً‭ ‬تقريباً‭) ‬ومسألة‭ ‬309‭ ‬سنوات‭ ‬إنما‭ ‬اشتهرت‭ ‬من‭ ‬مار‭ ‬يعقوب‭ ‬السروجي‭ ‬وبعض‭ ‬المصادر‭ ‬اليونانية‭ ‬في‭ ‬وقتها،‭ ‬وهذا‭ ‬أيضاً‭ ‬فيه‭ ‬بيان‭ ‬أن‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السنين‭ ‬مع‭ ‬التنبيه‭ ‬لمسألة‭ ‬أن‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬يعقوب‭ ‬السروجي‭ ‬هي‭ ‬بالسيريانية،‭ ‬فاستحالة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اطلع‭ ‬عليها‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬مع‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬نبي‭ ‬أمي‭ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬الإعجاز‭. ‬ولو‭ ‬فرضنا‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬السنين‭ ‬كان‭ ‬فعلاً‭ ‬309‭ ‬فهذا‭ ‬لن‭ ‬يستقيم‭ ‬لأن‭ ‬دقيانوس‭ ‬توفى‭ ‬العام‭ ‬250م‭ ‬وقيل‭ ‬251م،‭ ‬ولو‭ ‬أضفنا‭ ‬عليها‭ ‬309‭ ‬سنين‭ ‬سنكون‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬599م‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬قريبة‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬فترة‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬وهي‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الإمبراطور‭ ‬البيزنطي‭ ‬تايبيرويس‭ ‬والإمبراطور‭ ‬فوكاس،‭ ‬واستحالة‭ ‬تصدق‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬عهد‭ ‬جاستينان‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬توفى‭ ‬565م‭ ‬اشتغل‭ ‬المؤرخون‭ ‬بتأريخ‭ ‬كل‭ ‬أمور‭ ‬الدولة‭ ‬والحكم‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬جاستينان‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬وظف‭ ‬أحد‭ ‬المؤرخين‭ ‬في‭ ‬بلاطه‭ ‬وهو‭ ‬بروكوبيوس‭ ‬لوضع‭ ‬كتاب‭ ‬لايزال‭ ‬يباع‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬ولم‭ ‬يذكر‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬الفتية‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف،‭ ‬ولا‭ ‬المؤرخون‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬بخلاف‭ ‬المؤرخين‭ ‬السابقين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬أقرب‭ ‬لهذه‭ ‬الفترة‭.‬

ما‭ ‬العملة‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الفتية‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف؟

قال‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭ ‬عن‭ ‬الفتية‭ ‬إنهم‭ ‬قالوا‭: ‬“فَابْعَثُوا‭ ‬أَحَدَكُمْ‭ ‬بِوَرِقِكُمْ‭ ‬هَذِهِ‭ ‬إِلَى‭ ‬الْمَدِينَةِ‭...‬”‭ (‬سورة‭ ‬الكهف‭: ‬19‭). ‬

الورق‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬المفسرون‭ ‬هو‭ ‬الفضة،‭ ‬وهي‭ ‬العملة‭ ‬الرومانية‭ ‬الدراخاما‭ ‬للإمبراطور‭ ‬دقيانوس،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬العملة‭ ‬عليها‭ ‬صورة‭ ‬الإمبراطور‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ولما‭ ‬حكم‭ ‬ثيدوسيوس‭ ‬تم‭ ‬وضع‭ ‬صورة‭ ‬ثيودوسيس‭ ‬الثاني‭ ‬بدل‭ ‬دقيانوس،‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الكنائس‭ ‬الأورثدكسية‭ ‬والكاثوليكية‭ ‬تخصص‭ ‬يوماً‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬السنة‭ ‬لإحياء‭ ‬ذكرى‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف،‭ ‬وهناك‭ ‬دعاء‭ ‬من‭ ‬الأدعية‭ ‬أيضاً‭ ‬باسمهم‭.‬

إن‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أمور‭ ‬حكاية‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف،‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬أن‭ ‬نطلب‭ ‬الرحمة‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬ونختم‭ ‬مقالنا‭ ‬بما‭ ‬دعى‭ ‬به‭ ‬أصحاب‭ ‬الكهف‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭ ‬“رَبَّنَآ‭ ‬ءَاتِنَا‭ ‬مِن‭ ‬لَّدُنكَ‭ ‬رَحْمَةً‭ ‬وَهَيِّئْ‭ ‬لَنَا‭ ‬مِنْ‭ ‬أَمْرِنَا‭ ‬رَشَدًا”‭ (‬الكهف‭: ‬10‭)‬،‭ ‬هذا‭ ‬والله‭ ‬أعلى‭ ‬وأعلم‭.‬