“الأوبرا السلطانية”... شاغلة الفن ومالئة عُمان
| جاسم اليوسف من مسقط
ما إن تمر بمركبتك في شوارع مسقط وتصادف مبنى أبيض فخما، حتى يخال لك أنه مبنى تراثي عادي حاله حال بقية المنشآت والهيئات الحكومية التي تم تصميمها وفق التراث المعماري القديم، لكن حينما تواجه الباب الخشبي وتهم بدفعه بغية الدخول، يخيل إليك أن آلة الزمن قد رجعت بك إلى الوراء وأنت في حالة ذهول وسكوت مطبقين لما سببه لك التصميم الاستثنائي والخارق لمبنى دار الأوبرا السلطانية في مسقط.
سقف مرتفع عن الأرض يصل لنحو 70 مترًا مربعًا، تغطيها نقوش إسلامية يعود تاريخها لمئات السنين، مقتنيات موسيقية فريدة من نوعها تعود للقرن الماضية، كل ما فيه هذه الدار باختصار: روعة ويمنحك إحساسًا داخليًّا بالسلام والنشوة.
وشاء القدر أن يبتسم للمغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد حينما رأى حلمه بإنشاء “مركز ثقافي ودار أوبرا”، وقد تحقق على أرض الواقع وهو يرى عواميد المبنى قد نصبت وقاربت لتلامس حدود السماء، لكي تصبح الدار بمثابة آخر هدايا جلالته الثمينة التي يمنحها لشعبه ووطنه، لتسجل السلطنة اسمها على طبق من ذهب كأحد أهم المقاصد العالمية في الفن الأوبرالي.
وفي جولة لـ”البلاد” في أروقة المبنى، قال المرشد السياحي في دار الأوبر السلطانية عبدالمجيد الغزالي إن جلالة السطان قابوس هو الذي أمر ببناء الدار في العام 2001، لكونه كان يرحمه الله يعشق الفن والموسيقى خصوصًا أن السلطنة تمتلك أكثر من 50 فنًّا شعبيًّا، انطلاقًا من رؤيته السديدة في ضرورة إيصال والتعريف بثقافة وطنه للعالم أجمع.
واستعرض الغزالي بعض جهود الراحل في تعزيز المجال الفني في بلاده، حيث أشار إلى أن السلطان قابوس الفرقة العسكرية في بداية السبعينات، ثم أسس الموسيقى السميفونية السلطانية في 1985 التي تعد الأولى من نوعها في الشرق الأوسط من حيث أن جميع أعضاء الفرقة كانوا عمانيين وخليطًا من النساء والرجال.
ونقل عن المغفور له السلطان قابوس قوله “سيكون لنا في يوم من الأيام مركز ثقافي ودار أوبرا في السلطنة”، وهو الأمر الذي تحقق حينما تم البدء في عمل الإنشاءات الخاصة بالمشروع في العام 2007، واستغرق إنجاز العمل فيه نحو 4 سنوات حينما تم افتتاح الدار رسميًّا في 12 أكتوبر 2011.
وفي سؤال لـ”البلاد” عن كلفة إنجاز الدار، قال إنه لا أحد يعرف على وجه الدقة المبالغ التي تم صرفها على الدار، حتى وإن خرجت بعض الأرقام من هنا وهناك إلا أنها تشير إلى أرقام تقديرية ولا تعكس حقيقة الميزانية المرصودة لهذا المشروع الضخم، لكونه “هدية من السلطان”، على حد وصفه.
ويعتبر إنشاء دار الأوبرا في السلطنة هو الأول في على مستوى دول الخليج العربي، والثالثة عربيا بعد مصر وسوريا.
وقال إن الهدف من إنشاء الدار هو تبادل الثقافات والفنون الشعبية بين مختلف شعوب العالم، وأن الموسم الفني يبدأ من شهر سبتمبر ولغاية مايو من كل عام، حيث تحرص الإدارة على استضافة مختلف العروض ولا يتم الاقتصار على العروض الأوبرالية وإنما يتعداها إلى العروض الإسلامية، حينما شارك المنشدان ماهر زين وسامي يوسف في إحياء حفلين سابقين.
ولفت إلى أن تصميم الباب الخارجي للدار يوحي إلى أنه يعود للعصور القديمة، وهو أمر كان الغرض منه استرجاع رمزية القلاع والحصون التي كانت موجودة في السلطنة.
وعن التصميم الداخلي للمبنى، وصفه المرشد السياحي أنه فريد من نوعه ويشبه نقوش أحد القصور في السلطنة الغالب عليها الطابع المحلي البحت.
وأشار إلى ان كل قطعة تم تشييدها في المبنى تم جلبها من عدة دول في العالم، فعلى سبيل المثال، الثريات تم شراؤها من إحدى أشهر الشركات العالمية في النمسا والرخام من إيطاليا ومن ميزته أنه يحتفظ بالبرودة مثلما هو حاصل في بلاط الحرم المكي.
وتطرق إلى مصمم الدار، قائلًا إنها كانت مسؤولية منوطة بعدد من الشركات، إلا أن واضع التصميم الرئيسي للمشروع هو المواطن البريطاني المغربي الأصلي محمد جال، وهو المهندس نفسه الذي صمم جامعة السلطان القابوس.
واستعرض مع “البلاد” بعضًا من مقتنيات الآلات الموسيقية الفريدة التي أهداها السلطان قابوس للدار حيث تلقاها رحمه الله كهدايا من بعض دول العالم مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ويعود بعضها للقرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر.
وقال إن الدار محاطة بخشب الصندل الهندي والقطن القادرين على عزل الصوت، بحيث لا يمكن للموجودين خارج القاعة سماع الأصوات بالداخل.
وبكل ثقة، تحدث الغزالي عن أن تصميم وطريقة تنظيم المقاعد المخصصة لجلوس المشاهدين في القاعة غير موجودة في العالم، لكون مناطق الجلوس الخاصة في دور الأوبرا العالمية تأتي على شكل دائرة بينما مناطق الدار السلطانية هي الوحيدة في العالم التي تأخذ شكلًا مستطيلًا، مستوحى من شكل “المندوس” العماني، او ما يعرف باللجهة بالبحرينية (الصندوق المبيت).
وتتسع القاعة الرئيسية لـ 1100 متفرج، وفي كل مقعد توجد شاشة مثبتة، تقوم بترجمة العروض باللغتين العربية والإنجليزية، لتصبح أول دار أوبرا في العالم تنفذ هذه الفكرة.
وما يبعث على الفخر، والحديث للغزالي، أن حجم القوى العاملة العمانية في الدار يمثل نحو 85 % من إجمالي العاملين الذين يبلغ عددهم نحو 700 موظف.