لبنى الأمين لـ"البلاد": بحور قاسم الثلاثون أغرقتني معها وجعلتني أتنفس الماء
| أسامة الماجد تصوير: رسول الحجيري
تمتلك الفنانة لبنى الأمين أسلوبًا جميلًا مميزًا يطبع كل ما تتناوله بطابع خاص، وهذه الفضيلة الفنية النادرة تشكل ضمانة أكيدة لمقدرتها على التجدد وتجاوز المألوف.
في معرضها المشترك مع الشاعر الكبير قاسم حداد "ثلاثون بحرا للغرق" والذي يستمر لغاية 16 فبراير، إمكانيات تشكيلية فسيحة وغنية ومضامين جديدة تتقاطع مع الشعر وبحساسية ذكية.
"البلاد" زارت المعرض وسجلت الحوار التالي مع لبنى الأمين.
حدثينا عن المعرض أو عن التجربة؟
الصديق قاسم حداد أهداني النصوص عام 2016 لتنفيذ عمل فني مشترك. كان ذلك قبل أن يطبع الكتاب على أمل أن تجهز الأعمال ويتزامن العرض مع نشر الكتاب. مع الأسف لم أستطع أن أبلور صورة للأعمال بالرغم من قراءتي المتعددة للنصوص.
من ذلك الحين وحتى العام الماضي، في محترف أصيلة التشكيلي وجريا على عادتي كل عام، شعرت بأنه قد آن الأوان للبدء في تنفيذ الأعمال، وعرضت الأمر على الزملاء في الورشة فرحبوا بالفكرة وباشرنا في قراءة النصوص وتنفيذ هذه الأعمال كل بحسب قراءته للنص. استمررت في تحويل النصوص إلى أعمال في حين اتجه باقي الزملاء لتنفيذ أعمالهم بعد أن منحوني الطاقة لتنفيذ هذه النصوص الجميلة.
وجودي في أصيلة حتما كان له دور كبير في الاستمرار في التنفيذ. كنت أرى البحر كل يوم منذ الاستيقاظ وحتى النوم، كان يلح عليّ أن أواصل العمل. على مدى سنتين وثلاثة مواسم في أصيلة أنتجت أكثر من خمسين عملا مستخدمة مختلف الخامات وألوان لم أعتد عليها، وكان نتاج كل ذلك هذا المعرض المختلف.
لأصيلة نصيب كبير من هذا المعرض، وتستحق أن يهدى لها وللزملاء الفنانين في الورشة ولمؤسسة أصيلة وأمينها العام الصديق الأستاذ محمد بن عيسى.
للبحر ميراثه للوني الباهر ولغته العالمية، كيف استطاعت لبنى المواءمة بين أبيات قاسم حداد وبين الريشة؟
لم يكن الأمر سهلا، قراءة نصوص الأخ قاسم أمرها ليس بهيّن، ناهيك عن استيعاب المعنى والمقاصد. ولكن ما إن تعيش مع النص، تجد الفرشاة تسبح في البحر إلى أن تجد مرساها على اللوحة. اليوم وأنا أتجوٍل في المعرض كنت أسأل نفسي، كيف رسمت هذا العمل أو ذاك، أحيانا لا أتذكر اللحظة التي بدأت بها ناهيك عن الانتهاء من اللوحة. مع قاسم، الأمر يختلف، فهو معي في لحظات الرسم وكأنه يوجهني. لم أرسم وحيدة هذه المرة.
قال عنك قاسم حداد.. بين خشب الأبواب وزرقة البحر مسافة من اللون والتجربة، سرني أنها تجربة بمثابة "نزهة" في العمل. تاريخ من البحر، لكأن تحولات اللون في تجربة لبنى الفنية، انتقالات نوعية من بين الألوان، ففي تجربة لبنى التشكيلية تتمثل المراحل في الألوان، ويمكننا ملاحظة ذلك في المسافات التي تنجزها الفنانة وتتخطاها.
سؤالي.. متى استطاعت لبنى الأمين أن تحتل ذروة التفتح وتصل إلى مستوى المشكلات العصرية دون أن تضحّي بالروح الشرقية والروح البحرينية على وجه الخصوص؟
وكأنك تقول بأن الروح الشرقية والروح البحرينية ليستا عصرية؟ من قال ذلك؟ لا يمكن أن تفصل تاريخك وثقافتك ونشأتك وتربيتك عن اليوم وروح العصر، فهي امتداد لذلك الزمان الجميل، الذي لولاه لما أصبحت حياتنا العصرية بهذا الجمال وهذه الروعة. لا يمكن أن نفصل الحداثة عن التاريخ. كل من حاول ذلك في بداية ظهور ثقافة الحداثة والمعاصرة عاد واعترف بخطئه، ولنا في أدباء ومثقفي وفناني العالم العربي على امتداده درس نتعلم منه.
لم أنفصل في يوم من الأيام عن شرقيتي وبحرينيتي وعروبتي. ووجدتها المعين لي للنجاح. ألواني لم تخرج إلا من محيطي، فأنا بنت المحرق، يحيط بي البحر من كل مكان، أعشقه كما يعشقني وأجد ملاذي عنده. ألوان هذا المعرض فرضتها عليّ النصوص والمحيط الذي رسمت فيه. فليس هناك بلد أجمل من المغرب الذي تختلط فيه المعاصرة والحداثة مع التاريخ والإرث، فكانت هذه الأعمال.
هناك قوة سحرية تشع من لوحاتك، مرجعها التأمل في مغزى الحياة و استعمال مواد مختلفة عن الآخرين.. تعليقك؟
كما قلت لك الأمر مع قاسم "يختلف" وسحر المغرب ومدينة أصيلة الأصيلة وحميمية الأصدقاء توفر لك ذلك الجو من الطمأنينة الذي يطلق روح الإبداع دون قيود أو حدود. أنا نفسي وجدت أعمالي مختلفة لم أعتد عليها. الصديق العزيز الفنان الشيخ راشد بن خليفة، المتابع الجيد لأعمالي ولتجربتي منذ بدايتها، علق أكثر من مرة بتطور التجربة واختلاف الأعمال والألوان أثناء التنفيذ. كل أصدقائي الفنانين الذين شاهدوا مراحل تنفيذ الأعمال (حيث كنت أنشرها أولا بأول على حسابي في الانستغرام) كان رد فعلهم مشجعا بأننا نرى لبنى مختلفة هذه المرة. لم تكن موادي مختلفة عن الآخرين، كنا في المرسم نستخدم نفس الأوراق والألوان، لكن "بحور قاسم الثلاثون للغرق" ربما أغرقتني معها وجعلتني أتنفس الماء وأشرب الهواء، قربتني من قاع البحر فكان اللون الطيني الغالب في بعض الأعمال وأخرجتني منه لأستمتع بلون السماء الأزرق المنعكس في بحر الأطلسي الجميل البديع. لا يخيفني البحر بقدر ما يغويني.
الحياة الحاضرة هي أغنى ما يمكن أن يدرسه الفنان، هذه الحياة هي التي توحي لنا بل وتعطينا اللون.. هل توافقيني الرأي؟
من يختلف على ذلك لا يستحق الحياة.
مشاريعك القادمة؟
أبحث عن مكان لتنفيذ المشروع الخامس من سلسلة المشاريع المشتركة التي أسست لها عام 2013 بمشروع "نزل 88" وآخرها مشروع "بيت البنك"، وسيكون مشروعا مختلفا عما سبقه. وسيكون فيه مشاركة استثنائية لجيل الشباب فلهم حق كبير علينا لم نف لهم به، وآن الأوان للاعتذار منهم.