حوار مع استشاري للأمراض الصدرية من الصفوف الأمامية ومتعافي من الفيروس و"مسكلر"

بالفيديو: طبيب "مسكلر": في سنغافورة ظنوا أنني مدمن بسبب جرعات تسكين الألم

| مساهمة من: هناء مرهون

فقدت أبي بعمر 4 سنوات  غياب الأب يعني غياب المرشد والقائد والداعم ولا يجبر أسعى لتطوير وحدة الصدر لتكون بمستويات متقدمة عالمياً لا أنهزم للسكلر ولا يكسرني بل يدفعني للنجاح في سنغافورة كان الأطباء يعتقدون أنني مدمن جرعات تسكين ألم السكلر أصبت بكورونا في سبتمبر 2020 م وتعافيت منه زوجتي الغالية أم مجيد أحد أهم الأسباب لنجاحي وتقدمي

قال لي أن اسمه ناصر سلمان حمزة ... وأنا رأيتهُ محارباً أسطورياً (ساموراي) لمرض السكلر يعملُ طبيباً في مستشفى السلمانية الطبي بوظيفة استشاري للأمراض الصدرية، وهو من أطباء الصفوف الأمامية في مواجهة جائحة كورونا، يبلغ من العمر 44 سنة متزوج ولديه 3 أطفال.

إن الخوض في غمار شخصية د. ناصر كالباحث عن مدينة لها عدة أبواب ولا تعلم أي الأبواب أقربها وصولاً إلى شخصيته العميقة المليئة بالإجابات الذكية التي تفتح أمامك آلافاً من الأسئلة المحيرة.

هو النسخة الأصلية من والدته، متمرس في إخفاء وطمرالألم الحاد العاصف في معسكرات رائعة من الآمال المتجددة، فيغدو من طبيب معالج للأمراض الصدرية إلى مصدر إلهام للعديد من المحاربين الذين يواجهون مرض السكلر كل يوم.

د. ناصر هو استشاري امراض صدرية  في مستشفى السلمانية الطبي، معالج حاليا لحالات الكورونا في العناية المركزة ، محاضر في الجامعة الايرلندية، عضو في الجامعة الاوروبية لأطباء الصدر، عضو في جمعية الأطباء البحرينية.

الداعم الأول

بداية الانسان تبدأ من الأم ويقول دكتور ناصر عن أمه : "ومن كأمي؟ ولو أعطيتها كتاباً كاملاً فلن أوفيها حقها ، فهي الأم والمعلمة والمدرسة والأب وكل أوجه الدعم التي تقدم للانسان في مختلف أيام حياته.

عانت أمي كثيراً في تربيتنا أنا وأخي وأخواتي الثلاث، هي مريضة سكلر لكننا لم نراها تتألم أبدا، تخفي المرض جيداً بابتسامة.

علمتنا كل شيء وعوضتنا عن غياب الأب ومع أنها لا تجيد القراءة أو الكتابة إلا أنها كانت تحثنا دائماً على العلم والدراسة والتفوق والمحافظة على فروضنا الدينية. الحمدلله لم أخيب أملها.

يضيف قائلاً: "في طفولتي لم أعاني من السكلر بقدر ما عانيت من اليتم، حتى شعرت أن اليتم بداية لطريق طويل من التحديات، فقدت أبي بعمر 4 سنوات فقط.

كان عمي دائما بجانبي، وأعطاني الفرصة لدراسة الطب على نفقته ولم أتواني بدوري عن تشريفه مع أنه توفي قبل أن أنهي دراستي.

إن غياب الأب يعني غياب المرشد والقائد والداعم ولايجبر هذا الفقد شيء على الرغم من أنني لم احتاج لشيء مادي في طفولتي بفضل وجود عمي،  لكن غيابه خلق في داخلي التحدي لتبوأ أعلى المناصب أو المراكز، فاخترت تخصص الطب، ووصلت حالياً لمرحلة استشاري وأطمح للأعلى ، وأسعى لتطوير وحدة الصدر لتكون بمستويات متقدمة عالمياً.

اكتشاف المرض

يجيب عن اكتشاف المرض قائلاً: "اكتشفت المرض عندما كنت في التاسعة عشر من عمري أثناء دراستي في مصر، حين تعرضت لأول نوبة ، حيث كان الألم مباغتاً وقوياً جداً في منطقة الظهر، وبعد أن قمت بإجراء التحاليل تأكدت من إصابتي بمرض السكلر.

يضيف قائلاً: " بعد ظهور المرض زاد الدافع لدي لاكمال الدراسة واختيار تخصص الأمراض الباطنية .. زملائي الأطباء نصحوني بدراسة تخصص أسهل بسبب ضغط الدراسة وساعات العمل الطويلة مستقبلاً لمثل هذا التخصص إلا أنني أصريت على ذلك واستطعت النجاح والتميز، لأثبت لنفسي وللعالم أنني شخص سوي، لا أنهزم للمرض ولا يكسرني، بل يدفعني للنجاح.

الوصمة بالادمان

بوجه محايد وخلف زجاج نظارة طبية وابتسامة تكاد ألا تفارقه يبدأ الكلام، يقول د. ناصر عن نفسه : "كوني طبيب ومريض سكلر في آن فهذه حالة نادرة ، فأنا أنظر لنفسي من جهتين لمرآة واحدة، الجهة الأولى كطبيب والثانية كمريض.

أتفهم أن بعض الأطباء وهم قلة، بسبب ضغط العمل ينسى في لحظة أن الذي أمامه مريض بحاجة للدعم النفسي وليس فقط الدواء، بحاجة لابتسامة وتفهم مشاكله وأزماته، وأذكر أنني في سنغافوة كان الأطباء يعتقدون أنني مدمن، بسبب الجرعات الكبيرة التي أتناولها من المسكنات، لكنني شرحت لهم لاحقا أنني لم أدخل المستشفى منذ وقت طويل، وهذا ليس ادمان بل حاجة لتسكين الألم الحاد.

استمريت في التدريب في سنغافورة، وأثبت كفائتي لدرجة أنهم عرضوا علي العمل معهم إلا أنني رفضت وقررت أن اسخر كل إمكانياتي في خدمة وطني الغالي البحرين.

قـــرار نهـــائي

هكذا قرر الدكتور ناصر في عام 2017 أن يتعالج من مرض السكلر ولا يسمع لهذا الألم بأن يفضي به إلى العجز، وبعد التباحث مع الأطباء قررأن يستخدم دواء الهيدروكسيوريا ( Hydroxyurea ) ويقول عن تجربته العلاجية : " لقد قلت النوبات بعد استعمال العلاج ومع الوقت اختفت حتى النوبات الصغيرة تماماً ، وأصبحت قادراً على ممارسة الرياضة، وألبس ما أشاء من ملابس من غير الحذر من مباغتة غير متوقعة لألم السكلر.

لم أكن أتحمل أن ينتظرني أبنائي أن أعود أو لا أعود بعد كل نوبة، أو أغيب عن مناسباتنا العائلية، كان لابد من اتخاذ قرار ينهي غيابي عنهم.

محارب

يجيب د. ناصر عن دوره في مواجهة كوفيد 19 قائلاً: إن دوري في علاج كوفيد 19 في مجال وحدة الصدر، يضحك ويضيف : "أنا من الصفوف الأمامية اذا ماكنت من الأمامية كلش بعد".

ونحن كفريق نعمل بجد كي لا يشعر المرضى باليأس وانحسار الأمل.

في سبتمبر من العام 2020 م أصبت بفيروس الكورونا وتعافيت منه، وسأكمل العمل بنفس الطاقة والحماسة لحين القضاء على هذا الفيروس.

سألته : أنت مريض سكلر .. ألا تشعر بالخوف من فيروس كورونا مباشرة؟ 

أجاب : خياري خدمة وطني الغالي وهل أعتذر عن خدمة الوطن في هذه الجائحة " فقط" لأنني مريض سكلر ؟ إطلاقاً لا بالعكس هذا مادفعني أكثر.

مواقف مؤلمة

ويضيف "في جائحة كورونا شاهدت العديد من الحالات المؤلمة تعاملنا مع عائلات تدخل للعناية  البعض يتشافى والآخر يفارق الحياة وأكثر ما يؤلم هو عندما ينظر إليك المريض في منتصف عينك ويسألك ... هل سأموت ؟ 

عائلتي

عن الإنجازات سالته وقال: الإنجازات كثيرة، لكن أهمها العائلة، فقد واجهت تحدي إيجاد شريكة حياة تقبل بمرضي وألمي وطموحي وساعات عملي الطويلة، االحمدلله ، زوجتي الغالية أم مجيد أحد أهم الأسباب لنجاحي وتقدمي.

قدوتي .. عمي الغالي

بالنسبة للقدوة ففي كل مرحلة من مراحل حياتي كنت أرى من أقتدي به في طفولتي فكان عمي قدوة حسنة وكنت معجباً بطريقته المبهرة في تنظيم وقته، كان نشيطاً على مستوى القرية والمجتمع، وكان مخلصاً أيضاً في عمله،  يخفي ألمه دائما ولم أره في حياتي إلا مبتسماً. حتى حين كنت أزوره في المستشفى وهو مريض سكلر أيضا، كان يبتسم ولا يرينا ألمه أبدا.

رسالتي الأخيرة

لمرضى السكلر الأعزاء الذين يعانون طوال حياتهم ، ويخافون فقدان وظائفهم بسبب المرض، أقول:" لا تيأسوا " ولا تجعلوا سقفاً لطموحاتكم أبداً  إنكم تستطيعون أن تصلوا لمواقع متقدمة جدأً في خدمة هذا الوطن الغالي لم يصل إليها الأصحاء. وهنالك الكثير من النماذج في حياتنا.

أدعوكم إلى الأمل .. الطب في تقدم مستمر وهناك حلول علاجية غير مسكنة للألم بل مانعة للنوبات... ناقشوها مع أطباءكم لتساعدوا أنفسكم.